مجد مالك خضر
مجد مالك خضر

يصادف في 15 مايو (أيار) من عام 2018 مرور 70 سنة على النكبة الفلسطينية في عام 1948، وهي من المآسي الإنسانية المحفورة على صفحات التاريخ، والتي ارتكبتها أيدي العصابات الصهيونية في فلسطين، ولا يمكن نسيانها أو محوها من الذاكرة العربية؛ فقد مارست آلة الحرب الصهيونية أفظع المجازر وعمليات القتل الممنهج في حق الشعب الفلسطيني، وراح ضحيتها الآلاف منهم، كما هجّرتهم وطردتهم من بيوتهم وهدّمت قراهم، وجعلتهم ينزحون إلى مختلف بقاع العالم، ويتحوّلون من مواطنين إلى لاجئين، ولم تترك لهم أي سبيل للعودة أو استعادة أملاكهم المغتصبة دون إرادتهم، والتي أصبحت بطبيعة الحال جزءًا من أراضي الدولة الإسرائيلية المُؤسّسة على أنقاض ألم وموت الفلسطينيين.

تكشف المتابعة الجيّدة للتاريخ أن النكبة لم تبدأ في 15 مايو من سنة 1948، بل بدأ التمهيد لها منذ مطلع القرن العشرين إبان الحرب العالمية الأولى، وما تبعتها من نتائج على الصعيدين العربي والدولي، فتمكّنت بريطانيا من بسط يدها على أرض فلسطين، واستطاعت خلال تلك الفترة أن تُؤسسَ الأساسات الأولى لوعد بلفور في سنة 1917، والذي ينص حرفيًا على إنشاء دولة قومية لليهود على أراضي فلسطين التاريخية، وساهم ذلك في فتح الباب أمام هجرة اليهود من دول أوروبا وبعض الدول العربية إلى وطنهم الموعود في فلسطين، والمبني على وعد بـ(منح من لا يملك لمن لا يستحق).

قبل نكبة 1948 كانت للفلسطينيين محاولة للتخلص من فكّي الكماشة الضاغطة على خريطة فلسطين، بفكّها الأوّل الاحتلال البريطاني، وفكّها الثّاني العصابات الصهيونية المسلحة، فاندلعت ثورة بين عامي 1936 – 1939 للحدّ من تمدد الاستيطان الصهيوني المدعوم بالقوات البريطانية، ولكن أخمد البريطانيون هذه الثورة، ولم يترددوا في قتل المشاركين فيها، وفرض سيطرتهم على العديد من القرى الفلسطينية، لتسهيل الطريق أمام اليهود لاحتلالها وبناء مستوطناتهم على أراضيها، وفي 14 مايو من سنة 1948 أنهت بريطانيا احتلالها لفلسطين، وأُعلن عن قيام دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المنهوبة.

بعد مرور 70 سنة على نكبة 1948 يمكن القول: إن معالمها لم تختفِ عن المجتمع الفلسطيني بكافة مكوّناته، بل ما زالت جذورها تمتد ضاربة في عمق أراضي فلسطين، ويظهر ذلك جليًا في تعنّت إسرائيل عن قبول المشاركة في أية طاولة للحوار والتفاوض مع الفلسطينيين، بل على العكس من ذلك تسعى إلى تعزيز نفوذها ببناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية بحجة عدم وجود ملّاكٍ لها ودخولها ضمن خانة أملاك الغائبين، كما تحرص دائمًا على طمس أي معالم عربية فلسطينية في أسماء الطرق والأماكن التاريخية والقرى والمدن، بهدف تهويدها تدريجيًا وإلغاء أي صلة لها مع التاريخ العربي، وما زاد الطين بلة القرار الأمريكي الذي ينص على نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس بصفتها العاصمة السياسية والرسمية لدولة إسرائيل، وهذا ما يظهر بوضوح عند البحث عن كلمة القدس باستخدام الإنترنت، فتشير نتائج البحث والخرائط الإلكترونية إلى أن القدس عاصمة لإسرائيل، فيضرب ذلك في عرض الحائط جميع قرارات ومواثيق الأمم المتّحدة المتعلقة بمدينة القدس، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وهكذا تظلّ معالم النكبة واضحة لم تختفِ.

إن التخلصَ من معالم نكبة 1948 وإخفاء وجودها كليًا يبدأ من فلسطين نفسها؛ إذ تحتاج الفصائل الفلسطينية إلى إدراك ضرورة توحيد رؤيتها معًا، وتجاوز أي خلافات بينها؛ لأنها في نهاية الأمر تتشارك بقضية واحدة، وتواجه ظروفًا مشتركة تحتم عليها التعاون البنّاء للوصول إلى صيغة تساعد على مواجهة معالم النكبة الفلسطينية، ومن شأن ذلك أن يحدَّ من السياسات الإسرائيلية الرامية إلى اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم، وعزلهم عن حقوقهم المشروعة في تقرير مصيرهم، وانتمائهم إلى وطنهم وأرضهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك