حملت احتجاجات 22 فيفري (شباط) ضد العهدة الخامسة عدّة دلالات ومعطيات جديدة، هدمت أساطير وخرافات كثيرًا ما تردّدت لدى السلطة والشعب على حدّ سواء، فمن ناحية الانتشار، خرجت الجموع للاحتجاج في 48 ولاية بدون أي استثناء، ويمكن التأكّد من ذلك من خلال البحث على موقع «يوتيوب» بإدراج اسم الولاية + كلمة «احتجاجات»، ممّا هدم أسطورة خطيرة انتشرت لدى الكثيرين أنّ بعض الولايات الداخلية لا تحتجّ، وأنّ سكّانها بطبعِهم مع النظام على طول الخطّ، وأن الاحتجاج محصور على بعض الجهات والمناطق فقط، وبذلك هدم ثنائيّات كثيرًا ما كانت راسخة لدى المحلّلين للشأن الجزائري، كالشمال مُقابل الجنوب، أو الشرق مقابل الغرب، أو الجيل الجديد والقديم وما يرافقها من قوالب جاهزة للإلقاء الأحكام الجاهزة على ملايين المواطنين على عواهلها، بل إنّ بعض الولايات المحسوبة على النظام باعتبار أن الكثير من المسؤولين ينحدرون منها كتلمسان شهدت مسيرات ومظاهرات ضخمة، وهو ما يعيد إلى الواجهة فكرة «وحدة الشعب الجزائري» التي كادت تختفي بعد سنوات طويلة من التفتيت والتفرقة والجهوية التي مارسها النظام لضمان تحكّم أسهل بالشعب الجزائري.

لعل احتجاجات بهذا الحجم، تُحمل فيها الأعلام الوطنية ويردّد فيها النشيد الوطني، لم تكن تشهدها الجزائر إلاّ في مباريات كرة القدم أين تبرز المشاعر الوطنيّة التي تحتفي بإنجازات وهميّة تغطّي على الواقع المعيشي والسياسي البائس، إلاّ أن الاحتجاجات الأخيرة ساعدت الشعب الجزائري على إعادة اكتشاف نفسه، وقدّمت للدولة الجزائريّة -وإن كانت في ظاهرها مُعارِضة- خدمة كبيرة، إذا أعادت إحياء الهويّة الجزائرية الجامعة بين ملايين الجزائريين بمختلف مشاربهم ومناطقهم وأيديولوجيّاتهم، فتجاوزوا كلّ ما يفرّقهم، والتفّوا حول ما يوحّدهم، فغالبت في المجمل الشعارات والمظاهر الجهوية، فاتحة المجال للعلم الجزائري ليتألّق وحده في صفوف المحتجّين.

احتجاجات الأمس أثبتت حقيقة قد لا يحبّها الاقتصاديّون، وهي أنّك لا تستطيع تفسير كلّ شيء بالمؤشّرات الاقتصاديّة كنسبة الفقر والبطالة ومعدّل النمو وغيرها، فلم يخرج الآلاف إلى الشارع من أجل الخبز أو لزيادة في الأجور أو احتجاجًا على قوائم السكنات، كما أنّ الاحتجاجات في المدن كبيرة ذات المستوى المعيشي المرتفع لم تكن أقلّ منها في باقي المدن، وهو ما يؤكّد أن هذه الاحتجاجات خرجت من أجل مشاعر أرقى وأسمى، من أجل الأمل والأفق المستقبليّ، ورفضًا لمشاعر اليأس والإهانة والعجز، التي يجسّدها مشروع العهدة الخامسة.

قدّم 22 فيفري خدمة كبيرة لـ«الدولة الجزائرية» كمفهوم، هذا المفهوم الذي يكاد آلاف الشبّان يكفرون به من خلال القفز من سفينته المهترئة، إلى قوارب الموت و«الحرقة» هربًا الكابوس الذي أصبح يمثّله، فقد وحّد الشارع، -برائحة الغاز المسيل للدموع والهتافات الساخرة ونُكت «الكاشير» التي يفهمها الجزائريون وحدهم- الشعبَ الجزائري وأيقض روحه التي خُدّرت طويلاً حتّى ظنّها العالم قد ماتت، وأصبح الشارع ميدانًا ليتعرّف فيه إلى نفسه، واكتشف بذلك أن له نفس الطموحات والآمال والأشواق، من شواطئ البحر المتوسّط شمالاً إلى عُمق الصحراء جنوبًا، وحتى مع الجالية في الخارج، كلّ هؤلاء توحّدوا في مواجهة كيان فاسد يحكم بالحديد والنار، وهو ذات النَفَس الوطني التضامنيّ الوحدوي الذي سيطر على مشاعر الناس إبّان سنوات ثورة التحرير، فرغم كون تلك السنوات كارثيّةً ومأساويّة على المستوى الإنسانيّ بسبب الضحايا والجرحى، إلاّ أنّها كانت عرسًا بطوليًّا سيبقى في التاريخ بالنسبة لذاكرة الشعب، وأهمّ لبِنة في وعي الإنسان الجزائري الحديث، وأبرز محدّد للهويّة الجزائريّة التي عمل الاحتلال الفرنسي على سحقها. احتجاجاتٌ وطنيّة حاشدة بهذا الحجم والشكل، ستكون أكبر ضربة تتلقّاها النزعات الجهوية والانفصالية، وستقدّم دفعة قويّة لروح التعاون والأخوّة والتضامن بين أبناء الوطن الواحد.
لا أتسطيع معرفة إن كانت العهدة الخامسة ستمرّ أم لا، لكن ما هو مؤكّد هو أن النظام بتعنّته، قد أسدى -دون قصد- خدمة جليلة للشعب الجزائريّ بتوحيده ضد «العدوّ المشترك»، وكأنّ بالعُهدة الخامسة هي البرزخ الذي يفصل بين من يؤمن بهذا الشعب وبأحلامه وطموحاته بغدٍّ أفضل، وبين من يرضى بإهانته، احتجاجات 22 فيفري كانت تحت شعار: «هذا فراق بيني وبينك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد