مر علينا الشهر الأول من العام الجديد حاملًا معه الكثير من الآلام والمشاهد المأساوية، بدءًا بمقتل حاملة الورد “شيماء الصباغ” في وقفة احتجاجية لإحياء ذكرى ثورة يناير، ثم سقوط العشرات من الضحايا والمصابين برصاص قوات الأمن في مظاهرات 25 يناير 2015، ثم ما أعقبه بعدة أيام من هجوم لتنظيم ولاية سيناء على الكتيبة 101 التابعة للجيش المصري في العريش.

تمنّينا خيرًا يداوي الجراح في الشهر الذي يليه، لم تعد الرفاهية الآن في سماع أخبار مبهجة، بل أقصى ما نتمناه أن تختفي الدماء والأشلاء من أمام أعيننا قليلًا علّنا نعود إلى فطرتنا الإنسانية يومًا ما.

لكن فبراير الأحمر أتى حاملًا بين طياته مزيدًا من الدماء. في اليوم الثالث من الشهر اهتز العالم بعد بث تنظيم داعش فيديو تظهر فيه عملية إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًّا، وبغض النظر عن أية حيثيات سياسية تحيط بالأمر إلا أن المشهد –على المستوى الإنساني- كان بشعًا للغاية ومثيرًا للشفقة.

ثم ها نحن على موعد مع مذبحة جديدة تنتظر جماهير الزمالك المسالمة على بوابات استاد الدفاع الجوي راح ضحيتها عشرون من مشجعي الفريق الأبيض على يد قوات الأمن التي حاصرتهم في الممر الحديدي وأطلقت عليهم الغاز والخرطوش بلا رحمة.

لا توجد فرصة للهدوء والسكينة، ونزيف الدماء لا يعرف الانتظار في هذا العالم، أمامنا الآن مشهد مأساوى جديد وذبح واحد وعشرين من المصريين على يد تنظيم داعش في ليبيا.

أبناء الكوكب المجنون لا يعرفون سوى لغة الدم، لدرجة أنهم يقنعون أنصارهم بأنهم يسفكون الدم حقنًا للدماء. لا جديد في هذا الكون فالأحداث تسير على نسق واحد مع اختلاف في طريقة إخراج المشهد، المهم أن النهاية تتلخص في أن ميّت اليوم يلحق بمن قتل أمس، وينعيهما من سيموت على يد الأوغاد غدًا.

أضف إلى رتابة وروتينية المشهد أن ردود فعل الجماهير صارت قوالب ثابتة وجاهزة ومحفوظة في أدراج العقل، فقط يستدعونها حين يجد جديد أو تأتى الأيام بما لديها من أحداث.

فمثلًا، أنت دائمًا أمام الفئة المشيطنة للإخوان، الحياة عند هؤلاء عبارة عن فيلم سينمائي يتصارع فيه الخير – وتمثله الدولة والنظام بأدواتهما- والشر – ويمثله الإخوان ومن يؤيدونهم- فالإخوان يتظاهرون ويحملون السلاح الإخواني كي يقتلوا به الإخوان ثم يتاجرون بدماء الإخوان الذين قتلوهم على منابر الإخوان الإعلامية المموّلة من الإخوان بهدف اللعب في عقول الإخوان. الإخوان هم من قتلوا شيماء الصباغ وحرقوا معاذ الكساسبة وارتدوا زى الشرطة وأطلقوا الغاز والخرطوش على مشجعي الزمالك، وهم من أسسوا تنظيم داعش قاتل المصريين في ليبيا. حتى لو أخبرت أحد هؤلاء أن الدواعش يكفرّون الإخوان ويعتبرون محمد مرسي مرتدًا عن الدين وقتله واجب، سيرد عليك قائلًا: تبًّا لهؤلاء هل وصل بهم الإجرام والتكفير والجهل بالدين إلى تكفيرهم لأنفسهم!

ثم هناك الفئة التي لا تبالي بأي شيء طالما ليس من بينهم صاحب مصلحة، هؤلاء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في الواقع من حولهم فلا يهمهم من يحكم ومن يحاكم وإلا يتحاكم الطرفان وتعليقهم الدائم على الأحداث (إن مفيش حد عارف الصح فين والغلط فين) أو (إننا تعبنا ومش عارفين مين الصادق من الكاذب). كل هذه الأنهار من الدماء تسيل من حولهم طيلة سنوات، ولم يحدث يومًا أن تبيّن لهؤلاء أين يكمن الحق وأين يستوطن الباطل.

يمكنك تمييز هؤلاء بسهولة، إنهم الأشاوس الذين لم تمنعهم المجزرة الدائرة على جنبات الاستاد من متابعة مباراة الزمالك وإنبى بشغف حتى اللحظة الأخيرة، فهي مباراة هامة ومصيرية في عمر هذا الكون وفي تحديد هوية متصدر الدورى كما أخبرهم الكابتن مدحت شلبي.

ثم هناك الفئة العميقة التي تقسم لك في كل مرة أنها تعلم جيدًا كل شيء لكنها تؤثر الصمت على المشاركة في الهراء الحلزوني تجنبًا للعبث الدائر في المجموعة الشمسية، وهناك الفئة المدفونة في نظرية المؤامرة، والفئة المؤمنة بأن التاريخ يعيد نفسه وعلينا الرجوع لصراعات الفراعنة الأوائل حتى نعرف ماهية الصراع الحالي وملامح المأساة التي تنتظرنا في المستقبل، وهناك الفئة الشامتة والفئة الباكية والفئة المستفيدة وفئة “إيه اللى وداهم هناك” … إلخ

لا ألوم عليهم ولا أرى في الاختلاف والتباين ظاهرة مقززة، لكن ما أتمناه من هؤلاء جميعًا محاولة تغيير ردود أفعالهم، ما رأيكم في تبادل الأدوار لعل الله يصلح حالنا، احمل مقعدك يا صديقى واقترب من التلفاز قليلًا ربما تكتشف حينها أن الصورة أصبحت أكثر جودة ونقاء.
هناك دائمًا جزء غائب عنك احرص على استكشافه بنفسك وإياك والتفويض.

الاتفاق الوحيد بين هذه الجماهير غير المتفقة أنها تغضب سريعًا ثم تنسى سريعًا وسرعة نسيانها أضعاف سرعة غضبها. فمجزرة الدفاع الجوي لم تمنع الملايين من الاكتظاظ أمام محلات الزهور والهدايا والعطور و”الدباديب” الحمراء للاحتفال بـ(الفالانتاين)، وفصل رؤوس العمال المصريين عن أجسادهم في ليبيا ليس سببًا لعدم الاحتشاد في المقاهي (بالفانلات) الحمراء لمتابعة مباراة الأهلي ووفاق سطيف الجزائر في مباراة السوبر الأفريقي.

لقد أحسن الطغاة على مر العصور صنع جماهيرهم، فالجماهير في كل الأحوال وفي أحلك الظروف تعشق الحمار، أقصد الاحمرار؛ لذلك زاد إبداعهم وفاق حدود المنطق في هذا الشهر البائس تحديدًا، ألم أخبرك يا صديقي أننا في فبراير الأحمر!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد