default-avatar
ادم المزحاني
default-avatarادم المزحانيالمزحاني

هكذا ربما أقرأ تلك المرحلة العبثية التي مررنا بها وعشنا تفاصيلها المرة وواقعها المثقل بالأزمات والحرب والفقر المدقع والطفح المعيشي الحاد لم تقدم شيئًا للشعب سوى أنها زادت الطين بلة، وجعلت الوطن والمواطن مجردًا تمامًا من كل صفات الدولة والسيادة والحقوق.

أغلب سكان الوطن اليوم تتبعهم لعناتها المتلاحقة من خلال الأزمة والبؤس المعيشي لم تغير من الواقع ولم تصنع شيئًا يذكر للمواطن وللحياة، كل ما في الأمر إنها كانت صحوة مؤقتة بفعل غضب ثوري لم يكتمل بعد، ولم يكلل بالنجاح هي بالأصل ثورة تقليدية لطوفان الثورات العابرة التي حدثت لأغلب البلدان العربية في تلك الفترة الفاصلة، ولم تكن ثورة حقيقة نضالية خالصة خرجت لأجل كرامة الإنسانية جمعاء، أو لأجل رفع مستوى العيش لمن هم ضحايا الفقر والعوز والعدم، إنما كانت بؤرة وطريق نجاة لمن هم سبب في صنع المعاناة والتخلف للشعب وللوطن.

سقط هدفها حين جعلت رعاة الفاسدين وخفافيش الظلام قادتها وحاميها والمتحدثين الرسمين لكل مسيراتها وفاعلياتها حينها لم يرفض الثائر الحقيقي احتواءهم في صفوفها بل قبلهم وتهاون بهذا الأمر وجعلهم في هرمها ومكنهم من الصلاحية المطلقة في تيسير وتسيس هدفها النضالي، مما جعلها تتحول من ثورة ضد الفساد والفاسدين إلى ثورة صنعت من الشيخ والإقطاعي والراسمالي ثائرًا حرًا، وكان لهذا الخطأ بداية في انحراف مسارها التصحيحي وهدفها السامي.

وبعيدًا عن المكابرة يجب علينا أن نعترف ودون خجل أن الثورة التي كنا نأمل أن تكون ثورة حقيقية خالصة قد سقطت، وليس هناك من دواع تجعل الواحد يكابر ويظل يصنع فلسفته الثورية النضالية في مجالس النقاش والحديث العابر رغم انتكاستها المدوية المخجلة التي لازمت الثائر المغدور وإلى الآن.

ومحاولة تصوير الناقد لفشلها بأنه سطحي أو غبي فهذا بحد ذاته تهرب من الاعتراف بالفشل والخطأ الذي خلفته ثورة منهوبة تعيسة بحجم ثورة فبراير.

هي في بداية الأمر كانت ثورة سلمية شعبية جاءت من الوسط الفئوي المستضعف والحالم لدولة مدنية يسود فيها النظام والقانون تطبق فيه مبادئ العدالة الاجتماعية المتساوية. ثورة قامت بفعل حراك ثوري عنيف من قبل طبقة المعدمين الفلاحين اليمنيين الذين عانوا طويلًا من ظلم المسؤول والمحسوبية والوساطة التي كانت معيارًا للتوظيف والحصول على فرصة عمل في قطاع الدولة في تلك الحقبة.
وكما يقال: إذا الثورة لم تنجح في تحقيق الهدف وصنع التغير على واقع الحياة تكون فاشلة بكل المعايير ولا يمكن أن تكون قد صنعت التغير والحداثة للوطن ومواطنيه، أو أسقطت عهدًا كان مثقلًا بالفساد والظلم والاستبداد.

بعد خلاص الثورة كان المفترض أن ينعم الشعب بقليل من الحريات والامتيازات الذاتية بغض النظر عن توفير مثلًا سبل العيش الكريم على اعتبار أن الرفاهية ما تتم إلا بعد أن تُفعل خطط الثورة التنموية ويعمل على تفعيلها بعد أن تستتب الأوضاع ويستقر الوطن وتعود الثروة والمال لخزينة الدولة الخاصة، لكن هذا لم يحدث قط بعد خلاصها.

بالنسبة لي مقتنع تمامًا أن الثورة كمصطلح سياسي هي «الخروج عن الوضع الراهن وتغيره باندفاع يحركه عدم الرضا أو التطلع إلى الأفضل أو حتى الغضب» وإذا لم يتم هذا تكون مجرد موجة غضب شعبية ضد معاناة ومأسي أنتجتها أنظمة ظلامية حقيرة استطاعت أن تسخر خيرات البلد لصالحها وصالح من يغطي على خساسة أفعالها.

الثورة إذا لم تصنع التغير بالقوة وبقوة السلاح ونضال الثوار لم يتحقق النصر لها، ولم تنل الانتصار، وربما قد تفشل ويسقط هدفها وينتصر المستبد والطاغي.

وحتى نبرهن على فشل هذه الثورة يجب أن نأخذ ثورة نجحت بقوة الكفاح المسلح كالثورة الكوبية على سبيل المثال كيف تكونت؟ وكيف سار نهجها حتى نالت النصر وقضت على غطرسة الإمبرياليين وكبريائهم في كل معاركهم التي خسروها أمام نضال وغضب وثورية كاسترو؟

رجل وقاهر الغطرسة الأمريكية المستهترة بحقوق الشعوب واستقلالها كاسترو أدرك أن ضريبة التغير وحدوث النصر يكون بالنضال المسلح وبدون تفكير، ولا بد من الكفاح واعتباره سبيلًا لاستحقاق الحق والنصر معًا، وتقديم التضحيات حتى تحقيق الفوز مع اعتبار محاولة التودد أو سلوك السلمية أمام بطش الباغي ووحشية العدو ما هي إلا طريقة سخيفة لا فائدة منها، والكفاح المسلح هو باب النصر الوحيد لتحقيق التغير، ولا نصر بدون نضال الطبقة المتضررة من عبث الباغي واستبداده هكذا تكونت فكرة الثورة والوعي المجتمعي بأهميتها، والنضال معًا عند الكوبيين الذين كانو يعانون ويلات الظلم والاستبداد في عهد الديكتاتورية المقيتة، والذين كانوا عرضة وفئران تجارب لسياسة البرجوازية الحقيرة التي سخرت الخيرات والثروة لصالح مصالحها وبدعم الديكتاتوري فولجنسيو باتيستا المدعوم أمريكيًا حتى إسقاطه بفعل الحرب الحارقة لسياستها وتفتيت أطماعها أمريكا المرفوضة من قبل الرفيقين فيدل كاسترو وتشي جيفارا والذين اعتبروا النضال واجبًا مقدسًا ولا مفر من التضحية لكي تنعم شعوبهم بالحرية وبالاستقلال بعيدًا عن الضغط والخضوع لأوامر الشعوب المستبدة.

هكذا ربما تنجح الثورات وتخلد على مدى التاريخ القديم والحديث خاصة حينما تحظى بقادة مفعمين بالعنفوان الثوري والكفاحي بعيدًا عن أطماع الجاه والمنصب والثروة، والثورات لم تنجح إن لم تكن قائمة على التخطيط والتنظيم المدروس من قبل قادة لهم إرثهم النضالي والكفاحي لإنصاف مظلومية شعوبهم على مدى تاريخ طويل من السيرة الذاتية.

هنا يجب أن لا نحاول أن نتصنع النضال ونحن عارفين إن ثورتنا بكل تفاصيلها سرقة وغيب هدفها الرئيس حين احتوت شلة سلالية مقيتة كانت هي السبب الأكبر لصنع المآسي للوطن والشعب كان الأهم والمفترض أن يتم تجريف هؤلاء المنضمين إليها إلى المحاكم الجزائية لينالوا محكامتهم العادلة، لكن للأسف كان التحاقهم بالثورة المغدورة مجرد هروب من المسألة القانونية والمعاقبة الجماهيرية لسياستهم المغلوطة والخاطئة، وفسادهم الذي طال لسنوات.

الثورة إذا لم تتخلص من الفساد وتجعل الشعب ينتقل من مرحلة الفقر إلى مرحلة الغناء تكون مجرد خدعة مكشوفة للجميع، وحالة عابرة لبعض المراهقين الثوريين الذين تحمسوا بالبداية لانطلاق شرارتها الأولى ليحط بهم الحال في الأخير في مستنقع الارتهان للغير، وهذا ما حدث بالفعل لثورة فبراير حين انحرفت عن مسارها الصحيح عندما احتضنت جماعات هي بالأصل محسوبة على النظام السابق ومحاولة منها للتهرب من المساءلة القانونية والعقاب جعلت من الثورة صفة قانونية تغيبها عن المحاكمة وتحتمي بها.

من منظوري البسيط الثورات إن لم تكن ذات طابع ديمقراطي يرحب بالشرفاء والمكافحين والمتضررين بالدرجة الأولى دون الإقطاعين والانتهازين تكون فعلًا ثورة حقيقية ناصفة للمقهورين والبسطاء الذين هم سبب لصنعها وغير ذلك لا حديث فيه.

ولو نعود لزمن ثورات الربيع الأوربي سنجد إن سبب قيامها قد يكون مماثلًا لسبب قيام ثورات الربيع العربي، فالققر الفادح والظلم والاستبداد وتقيد الحريات وعدم ممارسة الديمقراطية المثالية من قبل الحكام، هو كان سببًا لتمرد الشعوب ممثلة بالطبقة الوسطى والفلاحين والبسطاء.

يكون الفرق فيما حضيت به تلك الثورات كتواجد عقول مفكرة وناضجة تحمل فكرًا تنويريًا قادرًا على رسم الخطط وأبجديات الأهداف.

وضوح الأهداف في الثورة هو من يعجل بالنصر، وتقارب رؤى الثائرين أيضًا يساهم في إنجاح خطط الثورة المرسومة خاصة في حالة وكان هؤلاء الثوريون من تجمعات خارجة عن السلطة، ولم تكن قد ساهمت يومًا في فساد ما، والأكثر نجاحًا عندما يجتمع ثوريون يحملون الفكر الليبرالي والديمقراطي والقومي والاشتراكي معًا هنا يضمن تحقيق نجاح كاسح للثورة، وهذا سر نجاح ثورات القارة الأوربية عام 1848م ضد الاستبداد الملكي، مثل هذه الثورات تكون نجحة ولم تصنع لشعوبها مآس أو معاناة منذ ذلك الحين، عكس ما حدث لثورات الربيع العربي التي خلصت ولم تكن قد تمت هدفها بما كان يستوجب أن يكون.

ثورات خلفت تراكمات لأزمات خانقة في كل جوانب الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعلمية، وزادت من المعاناة وفاقمت المشكلة فبدل ما كانت معدلات البطالة في 70% وسط الفئات المجتمعية ارتفعت أضعافًا مضاعفة مع عدم وجود فرصة للعيش أو للبقاء.

نرجع قليلًا للماضي القصير لنتذكر سببًا واحدًا من أسباب ثورة 11 فبراير «سوء الأوضاع الاقتصادية وزيادة معدل البطالة» هذا كان أحد الأسباب لقيامها، فالرؤية واضحة والسبب واضح والهدف أيضًا واضح ما هو إذن سبب فشلها الذريع سوى أنها تحولت من ثورة شعبية شبابية إلى ثورة منقلبة على أهدافها وأسبابها؟

أخيرًا لا حديث عن ذكرى مجيدة لثورة مرت كالطوفان، يجب أن يكون إحياء الذكرى في ظل والوطن قد جنى خيرات وأنعم بالأمن والأمان والاستقرار والرفاهية هكذا واجب علينا أن نحتفل، غير هذا يكون احتفالنا بإعادة النكبة والانتكاسة المتكررة كل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك