قُبيلَ صدور قرار المحكمة الاتحادية العليا بالعدد 25 اتحادية 2010 في 25 مارس (آذار) 2010 المتضمن تفسير نص المادة (76) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 (المتعلقة بتكليف الكتلة البرلمانية الأكبر بتشكيل الحكومة)، قامت صراعات سياسية وحزبية في الساحة العراقية، أدى ذلك إلى تأخر تشكيل الحكومة العراقية آنذاك لثمانية أشهر وغياب الاستقرار السياسي والأمني وتصاعد التدخلات الخارجية إلى أن تشكلت الحكومة العراقية بعد مشاورات واجتماعات عدة بين قادة الكتل السياسية والخاسر الأكبر (الشعب). وها نحن اليوم نرى عودة السيناريو انف الذكر من جديد، والجدل حول مفهوم المادة المذكورة يعود وبثوب آخر والمراد لبعض الجهات (تفسير مغاير!) وعادت من جديد الصراعات الداخلية والخارجية والخروقات الأمنية وعادت التنظيمات الإرهابية والسبب هو انشغال الكتل السياسية بتشكيل الحكومة الجديدة (كلٌ على هواه وشاكلته).

وحري بالقارئ الكريم أن يعلم أن هذا المقال لا يستهدف رأيًا محددًا، ولا يركن إلى جانب كتلة انتخابية معينة أو الدفاع عن وجهات نظر سياسية، وإنما هو محاولة في تشخيص الجوانب الدستورية والقانونية والموضوعية للمحكمة الاتحادية العليا، وهي ما بين التشكيل القانوني وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها المعهودة لها بموجب الدستور من دون ركونها إلى جهة سياسية أو حزب أو مرشح وتفسير النصوص الدستورية على هوى ذلك الحزب، وبقصد وضع الأمور في محلها القانوني الصحيح، وبما يؤمن تحقيق أعلى الضمانات التي لا تؤدي إلى الانحراف بالقانون صيانة لجميع الحقوق الدستورية.

في بادئ الأمر اتسمت الأوضاع الدستورية في العراق قبل عام 1925 بهيمنة الاستعمار العثماني وخضوع العراق لأحكام القانون الأساسي العثماني الصادر عام 1876، وبعدها خضع للاحتلال البريطاني في عام 1917، ولم تتكون في تلك المدة أي سلطة قضائية عليا مهمتها مراقبة دستورية القوانين والأنظمة تبعًا لنظام الاحتلال آنذاك، وبعد ذلك تألفت الحكومة المؤقتة وكان من مهامها إعداد مسودة الدستور بعد أن أصبح للعراق مَلِكًا، وذلك لحاجة العراق لوجود جهة قضائية
تأخذ على عاتقها النظر في موضوع دستورية القوانين، ففي القانون الأساسي العراقي لعام 1925 (أول دستور عراقي بعد الاستقلال) اُنشأت محكمة سميت بالمحكمة العُليا، نصت المادة (81) منه « تؤلف محكمة عليا… وللبت بالأمور المتعلقة بتفسير القوانين وموافقتها للقانون ‏الأساسي‏»، فمن اختصاص المحكمة في القانون الأساسي آنفا ( فضلًا عن اختصاصاتها الأخرى) تفسير النصوص الدستورية ومراقبة دستورية القوانين.

وبعد ذلك جاءت نشأة المحكمة الدستورية العليا في الدستور المؤقت لعام 1968 في المادة (87) منه فنصت على « تشكل بقانون محكمة دستورية عليا تقوم بتفسير أحكام هذا الدستور والبت في دستورية القوانين وتفسير القوانين الإدارية والمالية والبت بمخالفة الأنظمة للقوانين الصادرة بمقتضاها ويكون قرارها ملزما»
وعلى أثر ذلك صدر قانون رقم (159) لعام 1968 الخاص بتكوين المحكمة الدستورية العليا وحددت المادة (5) منه الجهات التي لها حق تحريك الدعوى وهي { رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ووزير العدل، والوزير المختص، ومحكمة تمييز العراق عند النظر في القضية المعروضة عليها }، وعلى الرغم من صدور قانون تشكيلها وتحديد اختصاصاتها ورغم نفاذ هذا القانون، إلا أنها لم تعقد اجتماعًا واحدا ولم تمارس اختصاصاتها إطلاقًا وبقي هذا القانون حبرًا على ورق.

وفيما بعد صدر دستور العراق المؤقت لعام 1970 إلا انه لم يُشر إلى الرقابة الدستورية
لا من قريب ولا من بعيد، وبقي الأمر متروكًا لاجتهاد القضاء، حيث لم يتضمن هذا الدستور نصًا متعلقًا بتشكيل محكمة عليا مهمتها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة،
إذ تضمن الدستور آنفًا في المادة (66) منه «تبقى جميع القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة المعمول بها قبل صدور هذا الدستور سارية المفعول لا يجوز تعديلها أو إلغائها إلا بالطريقة المبينة في هذا الدستور» إلا أن انه هناك من رأى من الفقهاء أن قانون المحكمة الدستورية العليا
الرقم (159) لسنة 1968 ظل قائمًا لعدم وجود نص صريح في دستور 1970 يشير إلى إلغائه، وهنالك من رأى أن تجاهل دستور 1970 عن الإشارة إلى الرقابة على دستورية القوانين أعطى القضاء العادي حق النظر في دستورية القوانين.

ومن الناحية التطبيقية تطرق القضاء العراقي إلى موضوع الرقابة على دستورية القوانين مرة واحدة طيلة حياة دستور 1970 المؤقت، حيث أصدرت محكمة بداءة الكرخ بتاريخ 5 آيار 1990 في الدعوى المرقمة 80/ب/1990 قرارًا يقتضي بالامتناع عن تطبيق قرار مجلس قيادة الثورة (المنحل) رقم (581) لعام 1981 لمخالفته المادة 19 من الدستور، رغم أن القرار اكتسب الدرجة القطعية بعد تصديقه من محكمة الاستئناف بصفتها التميزية بموجب القرار رقم 507/حقوقية/1991 والمتعلقة بإزالة الشيوع، إلا أن مسألة الرقابة على دستورية القوانين قد أثارتها المحكمة بصورة تلقائية أثناء النظر في الدعوى ولم تكن نتيجة دفع يبديه أحد أطراف الدعوى.

ولكن بعد أحداث عام 2003 حصل تطور كبير في النظام القانوني العراقي وذلك بتفعيل مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، إذ تم استحداث المحكمة الاتحادية العليا في العراق بموجب نص المادة (44) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية عام 2004 (الملغى)، وتضمن إشارة واضحة إلى وجوب الرقابة الدستورية على القوانين ووجوب تشكيل محكمة اتحادية عليا.

وعلى اثر ذلك شرع قانون رقم (30) لسنة 2005 ويعد هذا القانون تكملة للمؤسسات الدستورية في العراق التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وضمان سيادة القانون وتحقيق التوازن بين السلطات، وحسب المادة (2) منه << تكون المحكمة الاتحادية العليا مستقلة ماليًا وإداريًا >>، وبعد ذلك أكد دستور 2005 النافذ على استقلالية القضاء وضمان مبدأ المشروعية وإنشاء المحكمة الاتحادية العُليا،حيث نصت المادة (92/ثانيًا) منه «تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب».

إلا أن القانون المذكور (الرقم 30 لسنة 2005 حتى بعد صدور التعديل الأول له بقانون 25 لسنة 2021) لم يشرع بقانون طبقًا لأحكام المادة (44) من قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية وإنما شكل بأمر من قبل مجلس الوزراء استنادًا للقسم الثاني من ملحق قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية واعتبر الأمر قانونًا، وفيه تخويل مجلس الوزراء بالسلطات الممنوحة له في هذا القانون بتعيين أعضاء المحكمة الاتحادية العليا على أن يتم تصديق ذلك من قبل رئاسة الدولة في الحكومة الانتقالية المنتخبة مما يعني أن هذا التخويل الممنوح لمجلس الوزراء ابتداءً يشكل سلبًا لإرادة الشعب وحقه في اختيار قضاة هذه المحكمة وهذا يتعارض كذلك مع القواعد الدستورية الدولية التي تعطي لسلطة القضاء المكون وفقًا لأحكام الدستور تعيين القضاة في المحاكم التي تختص بالرقابة القضائية، ومن نتائج ذلك فقدان القدرة على ممارسة الاختصاصات، وبالتالي لن تكون السلطة القضائية في مأمن من التدخلات السياسية والحزبية لان تشكيلها قد تم بقرار حكومي وليس من هيئة منتخبة ولن يكون هنالك تطبيق عملي لمبدأ استقلال القضاء.

والسؤال الذي يثار هنا هل أن السلطة القضائية على وجه التحديد أعادت النظر بهيكلية المحكمة الاتحادية العليا على ضوء أحكام الدستور النافذ ووفق ما جاء في الفقرة (ثانيًا) من المادة (92) آنف الذكر؟

إن إلزامية المادة المذكورة من الدستور تقضي تشريع قانون خاص بالمحكمة الاتحادية العليا يقترن بموافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب بعد تحديد عدد القضاة الأعضاء في المحكمة والشروط اللازم توفرها فيهم، إضافة لعدد من الخبراء في الفقه الإسلامي وفقهاء القانون حتى تستطيع المحكمة ممارسة اختصاصاتها المنصوص عليها في المادة 93 من الدستور، ومنها الحق في تفسير نصوصه بما يحقق حال الطمأنينة لقراراتها، خاصة أن تفسيراتها باتت بدرجة لا تقبل الطعن أو التصحيح لدى أية سلطة قضائية أخرى.

ويبدو واضحًا حتى صدور قانون (25) لسنة 2021 مدى اختلاف المحكمة المشكلة عن المحكمة الاتحادية العليا المقصودة في المادتين 92 و93 من الدستور النافذ من حيث التشكيل والاختصاص، وأن استمرارها السابق في القيام بمهامها، وهي غير مشكلة طبقًا للأحكام الواردة في الدستور النافذ يفقدها الحق بممارسة اختصاصاتها، ويترتب على ذلك عدمية القرارات والتفسيرات التي صدرت منها طيلة تلك الفترة طبقًا للقواعد القانونية العامة وكان لزامًا على السلطة التشريعية أن تتدارك الخطأ المذكور بتشريع قانون جديد يلغي القانون الرقم (30) لسنة 2005، لا أن تعدله لأن أصل التأسيس باطل قانونًا، حيث يتطلب الأمر ممارسة اختصاصات القضاة بعيدًا عن كل أشكال التدخل والتأثير، أيًا كان مصدره، وأن يراعى في اختيار أعضاء المحكمة القواعد القانونية العامة،
وأن تتم إحاطتهم بضمانات قوية تحول دون العزل أو التهديد وإسقاط كل الذرائع التي يمكن النفاذ منها للتأثير على استقلالية هذه المؤسسة القضائية قضاة، وأعضاء رقابة، وتفسير.

واليوم فالمحكمة الاتحادية العليا على الرغم مما تقدم، لها الجنبة القانونية في إصدار أي قرار، إلا أنها ربما تأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي في البلاد في إصدار القرارات والتفسيرات، فلا تصدر قرارها بشأن أية مرحلة من مراحل الانتخابات والطعون التي تقدم لها في ضوء ذلك، ما لم تكن هناك رؤية سياسية لدى القوى الحزبية، وتعاطيها الإيجابي مع هذا الوضع؛ مما يستدل عندئذ بأخطاء الاستمرار بتطبيق الأمر رقم (30) لسنة 2005 وتعديله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد