في العموم إن الأنظمة الفيدرالية ذات المساحة الجغرافية الضئيلة والمركز الرخو يعطي للمجموعات الدينية والإثنية والعرقية فيها المقومات الأساسية والمتينة التي يتم بناءً عليها تهيئة بذور دولة جديدة، وهذا بالتحديد ما يثير قلق السوريين من تلميحات الدول الغربية وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بتطبيق النموذج الفيدرالي كحل نهائي للصراع المحتدم منذ خمس سنوات.

فتحويل سوريا من دولة بسيطة إلى مركبة -كنموذج لحل الصراع الحاصل في البلاد- هو في جوهره أساس أي حكومة فيدرالية في العالم، وذلك عبر تقسيمها إلى أقاليم على أساس ديني أو طائفي أو قومي بحت تحت مسمى تسهيل العمل الإداري، وحفظ حقوق الأقليات في ظل حكومة مركزية اتحادية.

فالفدرالية كنظام ﺳﻴﺎﺳﻲ وﺇﺩﺍﺭﻱ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻴﺔ ﻣﻘﺴﻤﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﻭﺍﻷﻃﺮﺍﻑ، ﺣﻴﺚ ﺗﻨﻘﺴﻢ ﺍﻟﺴﻴﺎﺩﺓ ﻓﻴﻪ ﺩﺳﺘﻮﺭﻳًّﺎ ﺑﻴﻦ ﻣﻨﻄﻘﺘﻴﻦ ﺃﻭ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻱ ﻣﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺃﻥ ﻳﻤﺎﺭﺱ ﺍﻟﺴﻠﻄﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ ﺩﻭﻥ ﺗﺪﺧﻞ من ﺍﻟﻤﺮﻛﺰ ﺃﻭ الأطراف التابعة له. لكن في حال أعطيت هذه الأطراف صلاحيات ﻭﺍﺳﻌﺔ بمقابل الحكومة ﺍﻟﻤﺮﻛﺰية سيغريها ذلك وبفعل عوامل قد تكون ذاتية أو واردة خارجيًّا بالرغبة المفرطة بالانفصال.

لكن لنجاح أي عمل فيدرالي لابد وأن يستلزم ذلك بالضرورة تطبيقه وجود حكومة مركزية قوية على بقعة جغرافية معقولة المساحة، وهذا ما تفتقره سوريا المهشمة اليوم في نموذجها الوطني.

فسوريا ﻫﻲ ﻓﺴﻴﻔﺴﺎﺀ ﻣﻦ ﺍﻷﻗﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﻌﺎﻳﺸﺔ ﻷﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺳﺒﻌﺔ ﺁﻻﻑ ﻋﺎﻡ، ﻭﺗﻌﺘﺒﺮ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻣﻦ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﻰ ﺛﻘﺎﻓﺘﻬﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﺻﺤﺔ ﻟﺴﺎﻧﻬﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﺭﻏﻢ ﺣﻤﻼﺕ ﺍﻟﻄﻤﺲ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺳﻌﺖ ﻟﻨﺸﺮﻫﺎ ﺍﻟﺪﻭﻝ المتصارعة ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺍﺣﺘﻠﺘﻬﺎ ﻗﺮﻭﻧﺎً مديدة ﻭﺑﺄﺳﻤﺎﺀ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺘﺮﻳﻚ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺮّﻧﺴﺔ، ﻣﺮﻭﺭًﺍ ﺑﺎﻟﻔﺮﻧﺠﺔ وﺍﻷﻣﺮﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺼﺮ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ.

واستعمال أدوات المفهوم الطائفي والعرقي في تقسيم سوريا وبلدان الشرق الأوسط عمومًا يعود تاريخيًّا إلى بدايات القرن العشرين، بالتحديد إلى مؤتمر كامبل- بنرمان المنعقد في لندن سنة 1905-1906 والذي اتفق فيه المجتمعون الأوربيون على أن الخطر الأول والحقيقي على مصالحهم يأتي من البلاد العربية ذات «الطبيعة الثقافية والدينية المتماسكة». والذي تمت ترجمته عمليًّا بسايكس بيكو ووعد بلفور ثم لاحقًا إلى ﻭﺛﻴﻘﺔ «ﺑﺮﻧﺎﺭﺩ ﻟﻮﻳﺲ» سيئة الصيت ﻟﺘﻔﺘﻴﺖ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻭﺍﻹﺳﻼﻣﻲ، حيث كشفت مجلة «كيفونيم» ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺼﺪﺭﻫﺎ «ﺍﻟﻤﻨﻈﻤﺔ ﺍﻟﺼﻬﻴﻮﻧﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ» ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺪﺱ في الرابع عشر من فبراير عام 1982، عن وثيقة تتحدث عن كيفية تقسيم بلدان الشرق الأوسط عرقيًّا ومذهبيًّا. وقد ﺗﻢ ﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ على هذه الوثيقة ﻣﻦ ﻗِﺒَﻞ ﺍﻟﻜﻮﻧﺠﺮﺱ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ ﺑﺎﻹﺟﻤﺎﻉ ﻓﻲ جلسته السرية في عام 1983ﻡ. حيث تناولت هذه الوثيقة بالتفصيل كيفية تقسيم سوريا ﺇﻟﻰ ﺃﺭﺑﻊ ﺩﻭﻳﻼﺕ ﻣﺘﻤﺎﻳﺰﺓ ﻋﺮﻗﻴًّﺎ ﻭﺩﻳﻨﻴًّﺎ ﻭﻣﺬﻫﺒﻴًّﺎ ﻭﻫﻲ «ﺩﻭﻳﻠﺔ ﻋﻠﻮﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻣﺘﺪﺍﺩ ﺍﻟﺸﺎﻃﺊ ﻭﺩﻭﻳﻠﺔ ﺳﻨﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻠﺐ ﻭﺩﻭﻳﻠﺔ ﺳﻨﻴﺔ ﺣﻮﻝ ﺩﻣﺸﻖ ﻭﺩﻭﻳﻠﺔ ﺍﻟﺪﺭﻭﺯ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻮﻻﻥ ﻭﻟﺒﻨﺎﻥ».

لكن مع انطلاق الربيع العربي وانهيار منظومة الديكتاتورية العسكرية العربية حامية عروش المصالح الغربية وتساقطها واحدة تلو الأخرى، وارتفاع صوت الإسلام السياسي كبديل لتلك الأنظمة، تسارع المشروع الغربي لاستكمال مخططه التقسيمي والذي نلاحظه في سوريا عبر عدة معطيات أهمها:

  • تحطيم القدرات العسكرية.
  • تعميق وترسيخ فكرة البناء الطائفي لإنهاك الدولة بصراع طائفي طويل الأمد يسرّع في تفتيتها، ويمنع قيام جيش وطني قوي ومتماسك في المستقبل.
  • تقسيم الدولة إلى عدة أقاليم وفق حكم فيدرالي في ظل حكومة مركزية هزيلة تُفرض وتدار من الخارج.

والتسليم بهذه المعطيات لا يعطي القول معناه بأن اﻟﺮﺑﻴﻊ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻭﺍﻧﺪﻻﻉ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﻓﻲ ﺳﻮﺭﻳﺎ هو مؤامرة غربية لتقسيم سوريا بقدر ما هو ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺪﻳﻬﻴﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻤﻠﻴﻬﺎ ﺣﺮﻛﺔ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ، فأكثر المتشائمين في تلك الأثناء لم يتوقع أن تتحول الاحتجاجات السلمية إلى فوضى عسكرية وطائفية دامية تغرف البلد والمنطقة بظلالها، لكن سوء حظ السوريين وقدرهم أن تكون بلادهم هي الدولة العربية الأخيرة التي ثار شعبها ضد حاكم مستبد، ذلك أعطى النظام السوري قدرة لكيفية تدارك سقوطه أو على الأقل تأخيره، بالإضافة إلى تسارع الوحدات الدولية الفاعلة إقليميًّا ودوليًّا في الحفاظ بكافة الوسائل على مصالحهم وتحالفاتهم التي أخذت تنهار أمام نظرهم.

فالموقع الجيوسياسي الذي تشغله سوريا، وتعقيد التحالفات الإقليمية والدولية ذات الطابع العقائدي والتي انتهجها النظام السوري على مدى عشر سنوات من حكمه دفعت الجميع لصعوبة توقع النتائج. وجعل الصراع في سوريا غاية في التعقيد يتضمن روايات سياسية ودينية وعرقية وطائفية وعشائرية.

وبما أن النظام ﻟﻢ ﻳﻐﻴﺮ بشكل جدي ﻣﻘﺎﺭﺑﺘﻪ للحراك الحاصل ضده في البلاد خلال أشهر الاحتجاج الأولى، والذي ﺍﺭﺗﻜﺰ ﻣﻮﻗﻔﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﻋﻠﻰ المواجهة باستعمال القوة من قمع همجي وممنهج، دفع ذلك السوريين مرغمين للدفاع عن أنفسهم وعن ثورتهم ليسيروا مضطرين لحمل السلاح، ولتدخل سوريا بذلك في دوامة تحركها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، الأمر الذي مهد إلى ﺗﻬﻴﺌﺔ ﺍﻟﻤﻘﺪﻣﺎﺕ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴﺔ ﻟﻠﺘﻘﺴﻴﻢ.

ونحن كسوريين نعي ﺟﻴﺪًا ﺃﻥ ﺍﻧﻬﻴﺎﺭ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﻭﺍﻟﺒﻨﺎﺀ ﺍﻟﻌﺮﻗﻲ ﻟﺴﻮﺭﻳﺎ ﺟﻌﻠﻬﺎ ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﺘﻔﻜﻚ، ﺇﺫ ﻭﺑﻜﻞ ﺃﺳﻒ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺇﻧﻨﺎ ﺃﻣﺎﻡ ﺑﻘﺎﻳﺎ ﺟﻴﺶ ﺳﻮﺭﻱ، ﺣﻴﺚ ﻗﻀﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻣﻠﻴﻮﻧﻲ ﺷﺨﺺ بين شهيد وجريح ﻭﻓﻖ ﻣﺎ ﺃﻋﻠﻦ ﺍﻟﻤﺮﺻﺪ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻟﺤﻘﻮﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻏﺎﻟﺒﻴﺘﻬﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﻴﻦ ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻔﺼﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﺘﺼﺎﺭﻋﺔ ﺑﻜﻼ ﺍﻟﻄﺮﻓﻴﻦ. ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻐﺎﻟﺒﻴﺔ ﺍﻟﻌﻈﻤﻰ ﻣﻦ ﺗﺸﻜﻴﻠﺔ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻫﻲ ﻣﺤﺴﻮﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺳﻮﺭﻳﺎ ﻭﻣﻦ ﻣﺮﺗﺰﻗﺔ دخلوا البلاد ﻣﻦ ﺩﻭﻝ ﺃﺟﻨﺒﻴﺔ ﻧﺼﺮﺓ ﻟﻄﺎﺋﻔﺘﻬﻢ، ﻳﺸﺠﻌﻬﻢ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﺳﻌﻰ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺴﻮﺭﻱ ﻣﻦ ﺗﺠﻴﻴّﺶ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻤﻜﻮﻧﺎﺕ ﺍﻟﺸﻴﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻟﻨﺼﺮﺓ ﻧﻈﺎﻣﻪ. ﺇﺫ ﺳﺎﻫﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻌﺪ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻲ ﻓﻲ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻭﺧﻠﻖ ﺣﺎﻟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺪ ﺍﻟﺠﻤﻌﻲ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻄﻮﺍﺋﻒ. لهذا كثر الحديث ﻓﻲ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﺍﻹﻋﻼﻡ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻴﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻘﺴﻴﻢ ﻭﻛﺜﺮ ﺑﺎﻟﺘﺤﺪﻳﺪ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺩﻭﻟﺔ ﻋﻠﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺎﺣﻞ.

فاﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺩﻭﻟﺔ ﻋﻠﻮﻳﺔ ﻳﺒﺪﻭ ﻣﺒﺎﻟﻐًﺎ ﺑﻪ، ﻓﻠﻮ ﺗﻢ ﺇﻋﻼن هكذا دولة ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﻟﻦ ﺗﻜﻮﻥ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ كونها «ﺟﻴﺐ ﺩﻭﻟﻲ» ﻻ ﻳﺤﻤﻞ ﻣﻘﻮﻣﺎﺕ ﺩﻭﻟﺔ، ﻷﻥ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻋﺒﺮ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﻟﻢ ﺗﻌﺘﺮﻑ ﺑﻬﻜﺬﺍ ﻧﻤﻂ ﻣﻦ الكيانات ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﻣﺎ ﺃﺩﻯ ﺇﻟﻰ ﺗﻼﺷﻴﻬﺎ ﻭﻣﻮﺗﻬﺎ ﺑﺴﺮﻋﺔ.

ﻟﻬﺬﺍ ﻭﻟﻠﺨﺮﻭﺝ ﻣﻦ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﺠﻴﻮﺏ ﺍﻟﺪﻭﻟﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺪﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﻟﺰﻋﻤﺎﺀ ﺍﻟﺘﻘﺴﻴﻢ ﻣﺤﺎﻛﺎﺓ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺣﺘﻰ ﺗﺴﻬﻞ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﺫﺍﻙ ﺑﺎﻻﻧﺘﻘﺎﻝ ﻣﻦ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﺒﺴﻴﻄﺔ ﺇﻟﻰ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻤﺮﻛﺒﺔ ﻭﺗﻘﺴﻴﻢ ﺳﻮﺭﻳﺎ ﺇﻟﻰ ﻋﺪﺓ ﺃﻗﺎﻟﻴﻢ ﻟﻠﻤﺴﺎﻫﻤﺔ ﺑﺘﺪﻣﻴﺮ ﻣﺎ ﺗﺒﻘﻰ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻭﻟﺘﺮﺳﻴﺦ ﻣﻔﻬﻮﻡ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﺗﺘﻠﻮﺙ ﺑﺼﺮﺍﻉ ﻃﺎﺋﻔﻲ ﺃﻭ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻃﻮﺍﺋﻒ.

ﻓﺎﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﺗُﺮﺳﻢ ﻣﻼﻣﺤﻬﺎ ﺑﻤﻬﺎﺭﺓ ﻭﺑﺒﻂﺀ ﺷﺪﻳﺪ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﺍﻟﺪﺍﻋﻤﺔ ﻟﻠﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﻭﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺣﺪ ﺳﻮﺍﺀ، ﻭﻛﻞ ﺩﻭﻟﺔ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺗﺮﺗﻴﺐ ﺍﻹﻗﻠﻴﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻐﺬﻱ ﻣﺼﺎﻟﺤﻬﺎ. ﺇﺫ إﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺗﻘﺎﺳﻢ ﻟﻤﻨﺎﻃﻖ ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ ﺗﻘﺮﺭ ﺑﻴﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻭﺑﺸﻜﻞ ﻭﺍﺿﺢ.

وتلعب ﻏﺮﻓﺔ ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ‏(ﺍﻟﻤﻮﻙ) ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻮﻡ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺨﺎﺑﺮﺍﺕ ﻋﺪﺓ ﺩﻭﻝ عربية وغربية في المساهمة في التقسيم، ومن ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ ﻳﺨﺮﺝ ﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ ﻭﺍﻟﻠﻮﺟﺴﺘﻲ ﻟﻠﻔﺼﺎﺋﻞ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﺍﻟﻤﻮﻗﻌﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻴﺜﺎﻕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻐﺮﻓﺔ.

ﻓﺎﻟﻮﻻﻳﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ تساند الأكراد لتشكيل ﺇﻗﻠﻴﻤًﺎ ﻛﺮﺩﻳًّﺎ ﻓﻲ ﺷﻤﺎﻝ ﺷﺮﻕ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻭﻫﺬﺍ ﺃﺻﺒﺢ ﻭﺍﻗﻌًﺎ ﻻ ﺟﺪﺍﻝ ﻓﻴﻪ ﻭﺳﻴﻠﻘﻰ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﻭﺍﻟﺪﻋﻢ ﺍﻷﻣﺮﻳﻜﻲ حال ﺍﻧﺘﻬﺎﺀ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻻ ﻣﺤﺎﻟﺔ، ﻛﻤﺎ ﺣﺼﻞ ﻓﻲ ﺍﻹﻗﻠﻴﻢ ﺍﻟﻜﺮﺩﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ.

وتسعى روسيا في تصريحاتها الأخيرة حول تطبيق النموذج الفيدرالي في سوريا إلى رسم وترتيب ﺇﻗﻠﻴﻢ ﺷﻴﻌﻲ ﻋﻠﻰ ﻃﻮﻝ ﺍﻟﺴﺎﺣﻞ ﻟﺘﺜﺒﻴﺖ ﻭﺣﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﻌﻠﻮﻳﻴﻦ، ﻭﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺗﻢ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻗﻠﻴﻢ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺑﺤﻤﺎﻳﺔ ﺩﻭﻟﻴﺔ أيضًا ﺗﺘﺰﻋﻤﻬﺎ ﺩﻭﻝ ﻣﺜﻞ ﺭﻭﺳﻴﺎ ﻭﺍﻟﺼﻴﻦ ﻭﺇﻳﺮﺍﻥ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺳﻴﺴﻌﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺔ ﺣﻠﻴﻔﻬﻢ ﻭﻣﺼﺎﻟﺤﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺘﻮﺳﻂ.

ﺃﻣﺎ ﺍﻹﻗﻠﻴﻢ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻢ ﺗﺮﺳﻢ ﺣﺪﻭﺩﻩ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻴﺔ ﺑﻌﺪ ﻓﺴﻴﻜﻮﻥ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ ﺍﻟﺘﺮﻛﻴﺔ ﻭﺍﻟﻘﻄﺮﻳﺔ، ﺇﺫ إﻥ ﻗﻄﺮ ﻭﺗﺮﻛﻴﺎ ﺗﻘﻮﻣﺎﻥ ﺑﺎﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﻣﻊ مقاتلي المعارضة في ﺍﻟﺠﺒﻬﺔ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻴﺔ. وﻓﻲ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ فهو الإقليم الأكثر هدوءًا والذي لا يحمل تعقيدات في صياغته، وتتمتع ﺍﻟﺴﻌﻮﺩﻳﺔ ﺑﺘﺄﺛﻴﺮ ﻛﺒﻴﺮ فيه ﺑﺎﻟﺘﻨﺴﻴﻖ ﻣﻊ ﺍﻷﺭﺩﻥ و(إسرائيل)، وقد ﺷﺠﻌﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻋﻠﻰ ﺗﻮﺣﺪ ﺍﻟﻔﺼﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻘﺎﺗﻠﺔ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻗﻄﻌﺖ ﺷﻮﻃًﺎ ﻛﺒﻴﺮًا ﻭﻣﻬﻤًّﺎ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ.

ﻭﺗﺴﻌﻰ ﻟﻴﺲ ﻓﻘﻂ ﻟﺮﺳﻢ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻳﺔ ﻭﺇﻧﻤﺎ ﺃﻳﻀًﺎ ﺗﻌﻤﻞ ﻣﻨﺬ ﻣﺪﺓ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺗﻴﺐ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺪﻧﻲ ﻭﺍﻹﺩﺍﺭﻱ ﻭﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﻓﻴﻬﺎ ﺑﺎﺳﻢ «ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﻨﻮﺏ».

ﻭﻓﻲ ﺣﺎﻝ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻣﻦ ﺗﻘﺎﺳﻢ ﻣﻨﺎﻃﻖ ﻧﻔﻮﺫﻫﺎ ﺳﻴﺼﺎﺭ ﻻﺣﻘًﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻟﺘﺸﻜﻴﻞ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﻣﺮﻛﺰﻳﺔ ﻫﺰﻳﻠﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺳﻂ ﻻ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺳﻮﻯ ﺍﺳﻤﻬﺎ ﻛﻤﺎ ﻓﻲ ﻧﻈﻴﺮﺗﻬﺎ ﺍﻟﻌﺮﺍﻕ، ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺳﺘﺪﻳﺮ ﺍﻟﺒﻼﺩ ﻓﻲ ﻇﻞ ﻧﻈﺎﻡ ﻓﻴﺪﺭﺍﻟﻲ ﻻ ﻳﺤﻤﻞ ﺳﻮﻯ ﺍﺳﻤﻪ.

 

لكن السؤال الآن: هل سيقبل السوريون بمثل هذا النموذج؟

يبدو أنهم وللأسف سيرغمون على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد