استكمالًا لرحلة تحليل الأحداث المحيطة، والتأثير اللا واعي في كل فرد منّا، وبعد أن اعتدتُ على سماع مقولة (بطل شغل المؤامرات اللي معيشنا فيه ده) (بلاش أفورة وخد الأمور ببساطة)، فأيقنت أن الأمور كلما أُخذت من باب التعقيد – كما يظنون – كلما أصبحت مدركًا للأحداث من حولك، وكلما أصبحت قادرًا على الاستنباط، والاستنتاج، والتحليل في هذه الدنيا. فالأمر كله هو مسألة اقتناع وإيمان داخلي بقدراتك، واستقلالية فكرك، وما دونه يجب أن يَمُرَّ على العقل مرور الكرام علّه يصيب شيئًا من الصواب فيُعدّل من سلوك يراه فيك الناس، ولم تره أنت، وقد يكون أيضًا استكمالًا لعملية التحليل التي تحدث في عقلك يوميًا، وتحليل قناعات الآخرين التي دفعت بهم للتفوّه بتلك الكلمات.

سنرصد عدة مشاهد لنرى هل تلك الكلمات التي خرجت من أحدهم كانت صوابًا أم أن الكلمات تخرج من الشخص تساهلًا كي يُوقِف عملية التحليل التي يخاف أن تكون نتائجها مؤلمة له أو تكشف له أنه جزء من دائرة مفرغة فتزيد حيرته في كيفية الخروج منها ففضّل قول (بلاش أفورة وخد الأمور ببساطة وكبر دماغك).

المشهد الأول: يحدث بشكل مستمر أن تضرم النيران في أحد البلدان من القذائف اليهودية؛ فتنتشر الهاشتاجات، والصور الحمراء، والأدعية على مواقع التواصل الاجتماعي، والتضامن الشكلي ناحية قضية شعب مثل شعب فلسطين، وقد يسري الخوف داخل بعضنا أن يكون هذا التضامن هو تضامن ثوري، أو شكلي، أو تفاعلي فقط لأن البيئة المحيطة انتشر بها التضامن فقط، وليس شيئًا نابعًا من الداخل، ولكن ينتهي حديث النفس بـ(مفيش مشكلة طالما يخدم مصلحة هذه الأمة)، ثم تراودها أفكار أتت من حديث رسول الله: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى) تجعلها تحسن الظن بما يُفعَل فيقول: (لا زال في هذا الجسد نواقل عصبية تتناقل الألم بين أعضائها)، الفاجعة أنه في أحد الأيام تكرر هذا المشهد لكن لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي مكتظة بالهاشتاجات أو التضامن مع هذا الشعب الذي خذله الجميع، بل العجب العجاب أن حديث الساعة حينها كان تضامنًا مع أحد لاعبي كرة القدم الذي أصيب في إحدى المباريات – رغم حُبِّي لشخصه – لكن لا زالت الأولويات لم تعرف طريقًا في نفوس هذه الأمة بعد. حيث أنّ شعبًا بأكمله يُبَاد وتُطْلَق عليه الصواريخ متتابعة بلا رحمة ولا شفقة كما اعتدنا من الكيان الصهيوني ولم تتأثر نفوس هذه الأمة إلا القليل.

المشهد الثاني: مشهد متكرر كثيرًا في شباب وبنات هذه الأمة فشل الارتباطات، وحالات الطلاق متعددة الأسباب، فبعضهم يكون سبب يستحق انتهاء مثل تلك العلاقات التي لم تكن على اختيار ناضج أو مُتَرَيِّث، والبعض الآخر يكون بأسباب لم نعرف مصادرها بعد.

يُحكَى أن في هذه الأمة فشلت خِطْبَة شاب والسبب أنه لم يستطع يومًا قول أحبك كما يفعل الكثير من الشباب في فترة الخطوبة إيمانًا منه أنه يتق الله في حياته التي على وشك البدء، وأنه لا يريد أن يبدأها بمعاصي، وتجاوزات، والذي لم ينص الشرع على غير ذلك، فاتُهِم بأنّه جاف المشاعر، وما كان هذا إلا نتيجة لمقارنات الفتيات فيما بينهن، وإفشاء أسرار العلاقات فانتهى مصير شاب بريء لمجرد أنه لم يَكُنْ مثل الكثير من الشباب ولا زال عنده حياء!

يُحكَى أيضًا أن خِطْبَة شاب انتهت لأنه لم يُحضِر الهدايا وقرابين الحب في يوم عيد الحب واتُهِم حينها أنه لا يعرف كيف يكون الحب، وأنه شخص بخيل لا ينفق الأموال على مثل تلك الطقوس التي لم ينص عليها كتاب سماوي رغم أن هذا الشاب يدور في معترك الحياة ليلًا ونهارًا يوّفر المال؛ حتى يبني عش الزوجية الذي يطمح إليه، فلم يكن هذا الكدّ برهان لحبه للفتاة بينما عدم قدرته على توفير مثل هذه الهوامش كان دليلًا كافيًا على عدم حبه لشريكته المستقبلية.

المشهد الثالث: انتشار الاكتئاب والحزن في أوساط الشباب وقد يكون بلا أسباب، ولكن مواقع التواصل الاجتماعي في هذا الوقت ما هي إلا لعن في الوقت، والمكان، والبشر المحيط. رغم أن هذا الشاب قد يعيش حياة رغيدة في ثراء، ولم يختلط بالبشر، ولم يشعر بهؤلاء الساعين في الأرض كي يُوفِّروا غذاء يومهم وفقط، بل قد يلعن الظروف التي لم يمر بها والأعجب أنه فئة عريضة من الشباب قد لا يكونوا ممن مروا بتلك الظروف العصيبة لكن لعن الظروف، وقتها كان تريند وكان لا بُدَّ أن يشارك فيه حتى ترسّخ الحزن في أعماقه فأصبح مُتأثِّرًا بدون أي تأثير واقع عليه! وتدور الدائرة فيسود الحزن في الأرجاء.

أخيرًا: أحبائي لا تجعلوا مشاعركم مُقْتَبَسة، فهي سُمِّيت مشاعر لأنها خاصة بِكَ أنت، خاصة بما تَشْعُر به نفسك، وليس بما كتبه الآخرين عن مشاعرهم، اجعلوا مشاعركم فريدة في هذا المجتمع فقد تكون أنت الذي تضامن مع إخوانه المُحتَلّين في الوقت الذي لم تذكرهم مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تكونان خير زوجين يعيشان حياةً هادئة يملأها الحب والسكينة حتى وإن كانت الهدايا كلمات خرجت من أعماق القلب فسكنت في قلب الآخر فأزهرته، وقد تكون أنت هذا المتفائل بين هذا السواد المنتشر على مواقع التواصل وقد تُتَّهم بالجنون؛ لأنك لم تكن مثلهم، ولكن ذنبك الوحيد أن مشاعرك كانت فريدة، ولم تتلوث بمشاعر الآخرين. فكن فريدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد