الحب سيمفونية إنسانية رائعة، تجعلك تشعر أنك تملك العالم أجمع بين يديك، بكل ما فيه من لذة وسعادة. ولكن في بعض الأحيان ينقلب هذا الحب إلى كراهية شديدة، وسخط وحقد مفرط من أحد طرفي العلاقة تجاه الطرف الآخر، وربما تمنى له الشر.

السؤال هنا، لماذا تنقلب تلك الحالة الإنسانية البديعة لتلك الصورة الانفعالية شديدة السلبية تجاه الطرف الآخر، سواء كان هذا الشخص الزوج أو الخطيب أو الحبيب أو أيًّا كان؟ لو تمعّنا قليلًا في علاقات الحب لوجدنا معادلة تغيب عن إدراكنا، وهي أن الحبيب هو الاستيهام المجسد لرغباتنا من أنفسنا ولأنفسنا، بمعنى أننا نبحث عن الشخص الذي يعادل تلك الصورة التي كنا نحب أن نكون عليها، ويشبع الرغبة العنيفة بتعويض النقص الذاتي في جهة معينة، وربما يعادل الطموح غير المدرك نتيجة لأسباب وظروف حياتية مختلفة، فالحب ينبعث في الأساس من عدم رضا الشخص عن ذاته المشروط بانعدام الأمان، أو التوق لتحقيق أهداف مثالية في الحياة تتجاوز قدراته، أو الحلم بزاوية معينة وجهة تنقصه من الحياة، فيأتي هذا الحب ليبدو كأنه يحقق متطلبات هذا الشخص بتضخيم ذاته واستدماج ذات آخر معه هو موضوع الحب فيختفي تمامًا عدم الرضا لأنه هنا تحقق الإشباع، فلا تتحقق السعادة فحسب، بل نجد الثقة بالنفس، والحيوية التي يستعيدها الشخص وتحول النظرة للحياة بصورة تدل على الجمال والاستمرارية، وهذا ناتج لوجود ذات الشخص الحقيقية في هذا الآخر، والتي تم إشباعها بشكل سيكولوجي وفيزيائي.

لذا نجد أن أغلب المحبين ممن يحدث لهم انتكاسة في تحقيق مطالبهم الذاتية من الآخر يتحولون بمشاعرهم من الحب إلى الكراهية، فالأمر لا يرتبط بالضرورة بالفرد الآخر وبصفاته وسماته الشخصية الخاصة، ولكن يرتبط بعدم إشباع المشاعر الداخلية المتضاربة والعنيفة لدى المحب، وبعدم قدرته على تحقيق مطالبه الشخصية التي تسبب له الشعور بالأمان، بل وبفقدانه الشعور بأنه صار محبوبًا، وبأن العالم يرفضه ويلفظه، فينفر من ذاته ويلجأ لعقابها ملقيًا كل سخطه على نفسه وعلى شريك حياته. فالعديد من الأزواج والزوجات تكون شكواهم الرئيسية أنهم لا يشعرون بالسعادة لأن الطرف الآخر لا يحقق مطالبهم ولا يشبعهم على أي مستوى، وأن ما يقدمه لا يوازي بأي حال من الأحوال المطلوب منه تحقيقه. وحين سؤالهم عن شخصية هذا الطرف وسماته نجده شخصًا ربما يقترب من صفة المثالية.

إذن ما المشكلة؟ المشكلة تكمن فينا نحن، في أنانيتنا المفرطة وشعورنا القوي بالنقص والتوتر، فكلما حاول الشخص أن يتصالح مع ذاته ويكون واقعيًا ويحدد رغباته وقدراته، ويضع احتمالات عدم الإشباع، بمعنى أصح، كلما كان الشخص متحررًا عاطفيًا، غير مقيد لعطاء الآخر برغباته وشروطه؛ كلما كانت العلاقة قادرة على الصمود والنجاح، وكلما سار الحب في مسار يتوازى مع الحياة ولا يتقاطع معها، وهذا لن يتوفر سوى بالتصالح مع الذات وقبولها كما هي عليه، والإيمان بأحقيتها في الحياة والحب واستحقاقها له عن جدارة.

ومن العلامات التي تنبئنا بذاتيتنا في الحب، بعض الأسئلة التي تشغلنا، فمثلًا نجد أحد المحبين يتساءل كل فترة: هل تحبني؟ لماذا تحبني؟ هل أنا شخص جدير بالحب؟ هل تفكر في الابتعاد عني؟ هل تستطيع العيش بدوني؟ كلها أسئلة لو تفحصناها لأدركنا مدى ضعف الثقة بالنفس، والخوف الشديد من غياب الأمان، ورفض الوحدة. ولعل الحدث الأكبر يكمن في حدوث الغيرة، تلك التي تشي بمدى ضعفنا وانحطاط صورتنا الذاتية أمام أنفسنا، وهي ما سنفسره في مقال لاحق إن شاء الله. لذا إن أردت أن تحظى بالحب الحقيقي، فعليك التحرر من رغباتك أنت، فالحب غير المشروط هو الحب حقًا ولا شيء سواه.. الحب من أجل الحب، وليس من أجل هدف محدد ورغبة ذاتية بعينها. وقبل أن تفكر في حب الآخر عليك أن تتعلم حب نفسك أولًا، فهي أصل بناء علاقة سوية وقوية وسليمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد