إن أخطر وأصعب أنواع الاضطهاد والتميز الذي يمارس ضد البشر بشكل عام هو الاضطهاد المجتمعي.

إن الاضطهاد الذي يمارس بصورة فردية يسهل القضاء عليه، مقارنة بذلك الذي يمارس من قبل مجتمع بأكمله، ومن وجهة نظري عندما يكون التمييز أو الاضطهاد نابعًا من حكومات أو منظمات سياسية، فإن التعامل معها يكون أسهل بكثير من التعامل مع الاضطهاد المجتمعي؛ نظرًا لأن الحكومات قد تستجيب للضغوط السياسية، والمجتمعية، وتحركها المصالح، بعكس المجتمع الذي تختلف وتتقاطع توجهاته وقناعاته ومصالحه، فتكون مواجهته أشبه بخوض حرب شرسة ضد أمواج البحر؛ حيث إنك تتعامل مع ثقافات موروثة، يصعب تغييرها، وتحتاج لعشرات السنين؛ لإحداث بعض التغيرات الطفيفة فيها.

ويمكننا القول إن أفضل الطرق لمواجهة الاضطهاد والتمييز المجتمعي تكون من خلال الاعتماد على الحملات التوعوية التي يقع عاتقها على الحكومات، من خلال سن القوانين، ومدى مصداقية تنفيذها على أرض الواقع، وكذلك على منظمات المجتمع المدني، وقدرتها على إعادة هيكلة الوعي العام، من خلال الحملات التوعوية في الإعلام، وعلى أرض الواقع، لكن للأسف الشديد، فإن حكوماتنا العربية، إما أنها متواطئة، أو غير مهتمة بصورة أو بأخرى للتمييز ضد المرأة، أو أنها تكتفي ببعض القوانين التي تظل حبرًا على ورق لإسكات الغرب، ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، أما بالنسبة للجمعيات الأهلية أو منظمات «السبوبة»، كما يسميها البعض، فينحصر عملها في تقديم بعض «السيديهات» والمستندات والدراسات البحثية لمثيلاتها في الخارج، ومن المؤسف ـ على سبيل المثال ـ أن دولة مثل مصر تمتلك ما يقرب من 50 ألف جمعية للعمل الأهلي، ولا نشعر سوى بعمل عدد قليل جدًا منها على أرض الواقع؛ فأصبحت هذه الجمعيات مجرد «سبوبة» للحصول على معونات من الغرب، يستفيد بها بعض النخب المثقفة، وسيدات الأعمال في عقد ندوات ولقاءات في المنتجعات السياحية، وضرب ما تبقى في جيوب معاطفهم الأنيقة، دون وجود لأي عمل حقيقي على أرض الواقع.

وإذا ما تحدثنا عن خطورة التمييز المجتمعي في عالمنا العربي ضد المرأة، فسنجد أنه بجانب ما يسلبه من حقوق المرأة في المجتمع، يقوم بعمل تشوهات فكرية ونفسية في غاية الخطورة، تفتح الباب وتعطي الحق للرجال لانتهاك حقوق السيدات على المستوى الشخصي، من خلال ترسيخ الأفكار التي تنتقص من المرأة ومكانتها في المجتمع على اعتبار أن المرأة كائن من الدرجة الثانية. دعونا نضرب بعض الأمثلة:

عندما تحتك الفتيات مع المجتمع تشعر الفتيات بأنهن تسرن في غابة، بكل ما تعنيه كلمة «غابة» من معنى؛ فلا يسمح لها برفع صوتها؛ كي لا تثير غرائز الحيوانات من حولها، لا يحق لها الضحك أو الركض أو إشعار الآخرين بتواجدها؛ وإلا تعرضت إلى مضايقات لا حصر لها، أو على الأقل، لنظرات تقتل ـ أشدنا جرأة ـ إحراجًا، وكأنها قد قاطعت كلمة الرئيس على الهواء مباشرة.

حتى ركوب الدراجة أصبح جريمة مجتمعية تتيح للمجتمع التحرش بها، كل هذه الممارسات تنقص من ثقة المرأة بنفسها، وتجعلها تشعر بأن هناك نقصًا ما في تكوينها، وهو ما ينتج عنه الكثير من التشوهات المجتمعية على مستوى الأسرة والمجتمع، قد يستهين البعض بتأثير نظرة أو كلمة، ولكن لو تبادلت الأدوار، ووجدت نفسك ممنوعًا من الحديث بصوت عال، أو التصرف بحرية، وتكون نتيجة أية محاولة لكسر هذه القواعد نظرة استهجان من المجتمع بأكمله، فبالتأكيد ستشعر بالغضب، وعدم الرضا، والنفور من المجتمع، وربما ـ على المدى الطويل ـ اهتزاز الثقة في النفس.

بجانب كل هذا، تعامل الفتيات مجتمعيًا كحيوانات ضالة؛ يتم تفريغ الكبت الجنسي من خلالها، فنجد أن نسبة لا بأس بها من عموم الشعب يقوم بالتحرش علانية بالفتيات، سواء بالقول أو بالفعل، دون وجود أي اعتراض مجتمعي على ذلك، وكأن المجتمع، الذي يتفاخر بذكوريته، قد تحول إلى مجتمع «مخنث» تجاه هذه الممارسات، بينما يستجمع كل ذكوريته التي قد نسيها طوال اليوم صوب أية فتاة تصرخ في وجه من قام بالتحرش بها بعبارات مقززة، مثل «استري ع نفسك» و«هتعملي لنفسك فضيحة»… إلخ، وكأنها هي من ارتكب الذنب، والغريب أننا قد نجد من يبرر للمتحرش فعله، بقول مستفز يحملها مسئولية التحرش؛ لأن ملابسها ملفتة، أو بأنها غير ملتزمة بالحجاب، أو غيرها من التفسيرات والتبريرات التي لا تقل وقاحة عن فعل التحرش نفسه، أما إذا لم يجدوا أيًا من هذه المبررات، فسنجد مبررًا أكثر وقاحة، على غرار «ايه اللي موديها هناك وسط الولاد»… وكأن الطريق أو الشارع أصبح ملكًا للذكور فقط؛ لنجد موقفًا أكثر تناقضًا يحدث، عندما تعترض الفتيات على ركوب أحد لرجال معها في عربات «المترو» المخصصة للسيدات، وبدلًا من أن يلقى باللوم على الرجل، بطريقة «ايه موديه هناك»، تلام النساء المعترضات بعبارات «كلها محطتين» و«الدنيا زحمة» و«أصلها علت صوتها عليه»، وللأسف سجلت العديد من الحالات، وصور بعضها، لتعد بالضرب والشتيمة على النساء المعترضات، أما الصدمة الأكبر، فهي أن الكثير من الحالات المسجلة كان الاعتداء من قبل بعض العناصر الشرطية.

دعونا نضرب مثالًا آخر على التمييز ضد المرأة داخل المدارس، والتي تعتبر البيئة الأهم لتربية النشء، بعد المنزل. نجد أن معظم المدارس يتم إهمال أي من أنواع التعليم الرياضي للأنثى، ويمكنني القول إن 99% من الفتيات في مصر، على سبيل المثال، لا يحصلن على حقهم في ممارسة الرياضة داخل المدارس، على عكس الفتيات في الدول الغربية مثلًا؛ وذلك لعدة مفاهيم مجتمعية، مثل أن الرياضة للأولاد فقط، وأن الرياضة ستجبر الفتيات على ارتداء ملابس معينة، أو اتخاذ بعض الوضعيات المعينة التي قد تثير الغرائز؛ مما يكرس للمفهوم المجتمعي الخاطئ الذي يحصر الفتاة في الإطار الجنسي فقط لا غير، وهو ما يزيد من نفور المرأة من جسدها، واعتباره جزء من منظومة العار الشهيرة.

لغويًا، يتفوه المجتمع ببعض العبارات التي تزيد من سوء وضع المرأة في المجتمع: فعادة ما تستخدم بعض المفردات ومصطلحات التهديد على غرار «هحجبك زي النسوان» و«هحطلك أحمر شفايف»، بينما يتم حصر الصفات الحميدة، كالشهامة، والشجاعة، وغيرها في مصطلحات ذكورية مثل «دكر» و«راجل» وغيرها، بالرغم من أن هذه الصفات يمكن أن تتوفر لدى الرجل والأنثى على حد سواء، ولكن للأسف؛ عندما تتوافر مثل هذه الصفات في أنثى يتم الثناء عليها من خلال رفعها إلى مصاف الرجال، فيقولون «بنت بألف راجل» و«بنت دكر» وغيرها من المصطلحات، بينما تلصق المصطلحات المتعلقة بالنميمة والكيد وغيرها بالمرأة، دون الرجل، فيقولون «كيد النسا» و«كلام نسوان» وغيرها؛  ليبقى السؤال: هل تقتصر الصفات الحميدة على الذكور، والصفات السيئة على الإناث؟

فكرة تهميش المرأة تمتد لتصل إلى السينما: فللأسف؛ بدلًا من أن تؤدي السينما و«الدراما التلفزيونية» دورها في تصحيح المفاهيم المجتمعية الخاطئة، نجد أنه في كثير من الأحيان تقوم السينما بدور عكسي: بتكريس مفاهيم خاطئة؛ وذلك نتيجة للتراجع الثقافي الرهيب الذي تمر به مصر والمنطقة العربية؛ مما حول فن السينما إلى تجارة في المقام الأول، تبحث عن مشتر قبل أن تبحث عن رسالة لإيصالها إلى المجتمع، وهو ما جعل بعض العقليات المتخلفة تسيطر بصورة كبيرة على هذه الصناعة، وتحصر دور المرأة في معظم الأحيان في دور الراقصة أو الفتاة التي لا هم لها، سوى الزواج من حبيبها الذي يستأثر بكل الأحداث تاركًا لها مشهد الفرح، والوقوف وراءه، دون أي دور حقيقي مستقل لها في الحياة، إضافة إلى عشرات المشاهد التي تكرس لذكورية المجتمع والعنف ضد المرأة، فنجد أن السينما تظهر البطل الذي يضرب شقيقته أو قريبته أو حبيبته في الشارع؛ لتقويم سلوكها، دون أي وجه حق، في مظهر البطل الخارق الذي ينال استعطاف الجميع من حوله، وكأن ذلك حق أصيل له!

كما يشهد المجتمع تطفلًا غير محدود تجاه المرأة، مقارنة بالرجل، خاصة عندما تكون المرأة مستقلة، وتسكن وحيدة لظروف مرتبطة بالدراسة أو العمل أو غيرها، فيعطي المجتمع لنفسه حق الوصاية عليها والتدخل في أمورها، وربما يصل الأمر إلى تعليقات من صاحب السكن أو الجيران تطالبها بعدم التأخر في العودة للمنزل أو بتغيير ملبسها وجعله أكثر حشمة، وفي الأغلب ينتهي هذا الحرص الذكوري بتحرشات جنسية أو محاولات لاقتحام حياة تلك الفتيات من قبل مرضى نفسيين، وقد حدث هذا مع عدد لا بأس به من الفتيات اللاتي أعرفهن على المستوى الشخصي.

إن المجتمع الذي ورث ذكوريته من الأجداد، ولم يتخلص منها حتى يومنا هذا، كان يمنح – قديمًا – بعض المميزات للفتيات، مثل الدفاع عنهن أو ترك مقعد الحافلة لهن… إلخ، ولكن للاسف حتى المجتمع الذكوري الذي لا يحترم مبدأ المساواة بين الجنسين تخلى عن بعض الصفات الحميدة القليلة التي كان يمن بها على المرأة، ويقنع بعض النساء من خلالها بأهمية ذكورية المجتمع، ولم يتبق لنا سوى الذكورية العفنة التي نعيشها اليوم، والأغرب من ذلك وجود عدد لا بأس به من السيدات اللاتي يدافعن عن ذكورية المجتمع إلى يومنا هذا.

لقراءة الجزء السابق المتعلق بعلاقة المرأة بالنصوص الدينية: افتخري.. فأنت أنثى «الله»

لقراءة الجزء الثاني المتعلق بعلاقة المرأة بالأسرة: تمردي.. فأنت أنثى «الاسرة»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد