(1)

بعض العناويين أكثر إيحاءً بالمضمون من غيرها، دعنا نتفق على ذلك، فإن وافقت على الاتفاق، وتجاوزت تلك النقطة، فدعنا نتفق على التالي: بعض العناوين قد تحمل لك إيحاءً خادعًا، حسنًا جدًّا، أنت الآن تقف أمام أحدهم.

قد يتبادر إلى ذهنك بمجرد قراءة العنوان، وقبل قراءة المقدمة السابقة، أننا هنا بصدد حديثٍ مفصلٍ مكررٍ عن المخنثين من الرجال والمسترجلات من النساء، وأنك بصدد شجبٍ، وانتقادٍ، وسخريةٍ لاذعةٍ، مصحوبةٍ بعبارات شديدة القوة، تستشعر منها أن الكاتب يضرب كفًا بكف من حال أولئك الشباب والفتيات الذين قبِلوا على أنفسهم أن يكونوا نسخًا مشوهة و… إلخ.

أجد نفسي لذلك آسفًا للغاية، فأنا حقًّا لم أعن خداعك، ولم يكن ذاك هو المستهدف إطلاقًا و… حسنًا هل استطردت كالمعتاد ونسيت الموضوع الرئيسي للمقال؟! في الواقع ذاك هو العنوان الرئيسي.

(2)

يجد ذكور مجتمعي متعةً عظيمةً في تصوير نشاط الحكي كنشاط أنثوي بحت، ويجدون متعةً عظيمةً في تسميته بغير مسماه، في الواقع الحكي هنا هو ما اصطلح على تسميته بـ«اللت»، وهو ما تفضل معاجم أخرى أن تكون الكلمة السابقة مصحوبة بكلمة «العجن» لتكون التسمية الرئيسية لذاك النشاط -المحبب من غالبية الإناث والمحتقر من غالبية الذكور- هي «اللت والعجن».

تخيَّل أنت بؤسك في مجتمع كهذا إن كنت قد جُبلت على أن تكون محبًا لدقائق التفاصيل، وتصور حجم المعاناة القادمة إن التصقت بك الصفة حقًّا لتجد أنك أصبحت تُعامل باعتبارك ذكرًا «لتاتًا»، خبرني بالله عليك ما هي خطوتك القادمة؟!

حسنًا لندعنا من خطوتك تلك الآن، ما هو تصرفك -كذكر- في مجتمع اجتمع بشقيه على تصنيف الذكور ككائنات مستهترة، وغير قادرة على تحمل المسؤولية، إن كنت غير قادر على ممارسة ذاك النشاط المجبب للنفس؟!

في الواقع السابق ذكره تافه حقًّا مقارنة بالقادم.

(3)

إن كنت من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي المُجدين، فإنه من المؤكد أنك قد وقعت على «كوميك» أو آخر يسخر من أولئك الفتيات الذين قررن أن ميولهن رياضية، أو -لحظهم العاثر- قررن أن يتخصصن في دراسة «الميكانيكا»، تلك الكوميكسات في الأغلب ستجدها تصفهن بالذكورية الزائدة، ومن المؤكد أنك أيضًا قد وقعت على أحد تلك المنشورات التي تسخر من أولئك الذكور الذين أوقعهم حظهم العاثر في كلية الصيدلة العظيمة، وحتى أولئك الذين قرروا أن يكون تخصصهم في الهندسة هو «العمارة»، وتصفهم بالتبعية بالتخنث!

لا بأس، إنما ذاك إفراز طبيعي للغاية من إفرازات مجتمعنا البائس.

(4)

يحكي أحد أصدقائي -بمرارة- عن موقف أصدقائه منه حين كان يحدثهم عن مواقفه مع إحدى المدونات، ليتساءل أحد أصدقائه بدهشة عن إن كان يكتب حقًّا، ولما كان الجواب بالإيجاب، فقد هنأه أحدهم قبل أن يبدأ باقي أصدقائه بالمزاح الذي تحول تدريجيًّا لسخرية يطلق عليها مجازًا في أوساط الشباب لقب «التحفيل».

يتابع صديقي: «قارن ذلك بموقف صديقات إحدى الفتيات التي بمجرد أن نشرت مقالها على إحدى المدونات، انهالت التهنئات عليها مصحوبة بالطبع بعدد مذهل من المشاركات، الأمر الذي وسع نطاق تداول هذا المقال في مدة قصيرة».

يعلق بعدها على الموقف قائلًا: «ذلك الدعم هو حقًّا ما يحتاجه أي كتاب، فهل حقًّا يحاصرنا أننا ذكور!».

(5)

قررت أني إن استمررت في حصر المواقف فلن أنتهي للأسف، لذلك بدأت في التفكير في منبع المشكلة، لأجد أن العقدة تكمن في هيكلة الميول من البداية، أنت فتى، ستصير مستهترًا حينما تكبر. أنتِ فتاة ستصيرين مستهترة أيضًا، ولكن إياك أن تعلني استهتارك. أنت طفل، حسنًا، ليس لك حق تحديد المصير.

روى البخاري في صحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لُعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال»، الأقرب إلى المنطق أن بؤس مجتمعنا لم يستوعب الحديث أصلًا، ليدرك أن التوغُّل في روح النص، سيدفعنا إلى استنباط أن الحديث يشير إلى أن كلًا منهما لا بد لدوره الفطري أن يحتل أولوية تفكيره، ولا يعني بالضرورة تقسيم ما عدا ذلك من الأفعال قسرًا إلى أعمال تخص الذكور، وأخرى تخص الإناث، هذا إضافة إلى أن الأكثر تأكيدًا أن المجتمع ربما لم يضع الحديث نصب عينيه من الأصل وهو يتعامل، هو فقط فعل!

عى الجانب العلمي، يُقر العلماء أن بداخل كل فرد شقًّا ذكوريًّا وشقًّا أنثويًّا، يحتاج كل منهما إلى التعبير عن نفسه، فإن قرر المجتمع استئصال أحدهما عنوةً -كما يحدث- فإن الناتج سيكون إخلالًا بالاتزان النفسي للأفراد.

تصير في النهاية أمامي العديد من الخيارات، فلا أجد أمامي إلا الخيار الأكثر راحة كالمعتاد، ليذهب المجتمع إلى الجحيم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد