تراها في اسم أو فعل أو صفة، تحكم على جنس صاحبها بها! «هذه ذكية» هي إذن فتاة أو امرأة، لا حاجة لبحث أو سؤال! وبهذا المنطق، «هذا ذكي» هو ولد أو رجل بلا جدال!
 لكن السؤال الأهم، هل تلك التاء فقط هي المؤشر على التأنيث؟ وهل افتقادها يؤكد التذكير؟ وما الفرق بين الرجولة والأنوثة؟ وأيهما يستخدم للمدح وأيهما للذم؟ وهل يصح هذا الميزان؟
الفرق بين الذكر والأنثى على نوعين، فرق من حيث الوصف المادي الحسي، وفرق من حيث الوصف المعنوي، أما الأول فواضح وضوح الشمس، في كل مخلوق معروف ذكره من أنثاه، «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا». [النساء: 1]
أما من حيث الوصف المعنوي فهذا هو الأهم:
الرجولة رمز للنضج والكمال، «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا». [الكهف: 37]
الرجولة رمز للمروءة والشهامة، «وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ۚ قَالَ يَا قَوْمِ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ۖ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ». [هود: 78]
الرجولة رمز للقوة والشجاعة، «قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». [المائدة: 23]
الرجولة رمز للحكمة والتعقل، «وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ». [غافر: 28]
الرجولة رمز للنجدة والعون، «وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ». [القصص: 20]
الرجولة رمز لتحمل المسؤولية، «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا». [النساء: 34]
الرجولة رمز للطهر والعفة، «لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ». [التوبة: 108]
الرجولة رمز للعزم على الطاعة وعدم الاغترار بالدنيا، «رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ». [النور: 37]
الرجولة رمز لصدق العهد والوفاء بالوعد، «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا». [الأحزاب: 23]
الرجولة رمز للتضحية بالنفس في سبيل قول الحق، «ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه، فقتله».
إذن فإن الرجولة رمز لكل خصلة حميدة، الرجولة صفة نضفيها على كل من نود أن نمدحه، أو نرفع من شأنه، أو نميزه عن غيره، أو ننفي عنه العيب أو النقص.
ليس معنى ذلك أن الأنوثة عكس ذلك كله، بل هي رمز لجوانب أخرى من المدح، لكنها غالبًا تستخدم لمدح النساء دون الرجال. فالأنوثة رمز للرقة والخفة، الأنوثة رمز للجمال والروعة، الأنوثة رمز لطيبة القلب ورهف الشعور، الأنوثة رمز للدلال الجميل، الأنوثة رمز للإخلاص والتفاني، الأنوثة رمز لضعف البنية ونعومة البدن، الأنوثة رمز للعطف والحنان، الأنوثة رمز لغلبة التفكير العاطفي الوجداني، وغير ذلك كثير، وعليه فإن الأنوثة إجمالاً هي رمز للجمال.
أما استخدام الأنثى والأنوثة للسب والعيب والشتم والانتقاص من الآخرين فإنه غالبًا ناتج عن ثقافة المجتمع الذكوري المتحيز للرجل، والمتعنت ضد المرأة، وهي ثقافة مخالفة للدين والفطرة، قبل أن تكون مخالفة للعقل السليم.
والتبجح بالاستدلال بأن شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين، «… وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ…» (البقرة- ٢٨٢)، وأن حظ الرجل في الميراث ضعف حظ المرأة «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ…» [النساء: 11]، وأن مسؤولية البيت على عاتق الرجل في المقام الأول، «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ… الآية» [النساء: 34]، وأن النساء «ناقصات عقل ودين» وأن المرأة «خلقت من ضلع أعوج»، أنه «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، فإن كل تلك الاستدلالات هي من سوء فهم النصوص، وتحريفها عن معانيها، وإخراجها عن سياق النص الصحيح، وكل ذلك مردود عليه، وتوضيح أن كل ذلك ليس سبة في جبهة المرأة، كل ذلك سهل يسير، على من يسره الله عليه.
إن المرأة عاطفية، تغلب العاطفة على العقل عندها، فإذا وقع حادث أمامها مثلًا فإن تركيزها يكون هو التعاطف مع المتضرر وضد مسبب الضرر، أما تركيزها على ترتيب الأحداث فيكون أقل من ذلك، لذا كانت الشهادة مطلوبة من امرأتين بدلاً من شهادة واحدة، لعل واحدة إذا نسيت واحدًا من التفاصيل فإن الثانية تذكرها، وبهذا تعدل شهادتهما شهادة الرجل الواحد، وهذا هو ما أوضحه رب العزة تصريحًا وتوضيحًا، «… فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ…» وللسبب ذاته فإن ولاية المرأة كالحكم والقضاء يشوبهما النقص وعدم الكمال، فربما تأثرت الأحكام وإطلاقها بتلك العاطفة.
وللسبب نفسه، أن المرأة عاطفية، وأن عاطفتها تتغلب على عقلها، فإنها بذلك «ناقصة عقل»، ليس بمعنى الغباء أو الجنون إطلاقًا، بل إن الواقع يكذب كل ذلك، انظر كمثال واحد إلى نتائج الاختبارات في مدارس البنين والبنات لتعرف بنفسك، أما «نقص الدين» فهو لنقص التكاليف الشرعية لها عن الرجل، فالمرأة في الحيض والنفاس لا تصلي ولا تصوم ولا تمس المصحف الشريف، والمرأة غير مكلفة بالجمعة والجماعة والجهاد بحمل السلاح، حتى إنها غير مكلفة بإعالة أسرتها ماليًّا حتى وإن كانت غنية، بل إن النفقة في عنق الرجل وليس له أن يمس ذمة المرأة المالية بحال، إلا أن تجود بطيب خاطر بما شاءت.
أما أنه للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث ففيه كلمتان، الأولى أن هذا الحكم ليس مطلقًا، فهناك أكثر من عشر حالات يكون نصيب المرأة فيها أكثر من نصيب الرجل، لكن الشائع أن «الأخ» له نصيب «الأختين»، فكان هذا المثال هو الغالب على تفكير العامة، والكلمة الثانية أنه حتى مع حالة الأخ والأختين، فإن «الأخ» يرث «قرشين» لكنه مطالب أن يؤسس بيتًا وينفق عليه منهما، بينما ترث «الأخت» «قرشًا» واحدًا تضعه في جيبها في ذمة مالية منفردة، غير مطالبة بالإنفاق حتى على نفسها، ينفق عليها زوجها، أو أبوها، أو أخوها، أو عمها، أو خالها، أو ولي أمرها حيث كان، فإن لم يكن أحد من هؤلاء فينفق عليها ولي أمر المسلمين، وفي كل الحالات لا يجوز لأحد أبدًا أن يمس ذمتها المالية، فمن أفضل إذن؟ صاحب القرشين المطالب بالنفقة، أم صاحبة القرش التي لا يقرب ذمتها أحد؟
وكل ما سبق ذكره هو حكم الغالب والعموم لا الإجمال، بمعنى أنه ليست كل نساء الدنيا يندرجن تحت ذلك التصنيف، لا قديمًا ولا حديثًا، فالتاريخ والحاضر زاخران بأمثلة لنساء رائعات سبقن الرجال في مجالات كثيرة، منهن المجاهدات بالنفس والنفيس، ومنهن العالمات المفكرات المبدعات، ومنهن صاحبات المراكز السياسية والمجتمعية والفكرية وغيرها من المجالات، من الثابتات على الدين والصابرات على الفتن، مثل مريم، وآسيا امرأة فرعون، وماشطة ابنة فرعون، إلى المجاهدات المقاتلات كأم عمارة، وصاحبات العلم كعائشة، والشاعرات الملهمات ضاربات المثل في الصبر والجهاد كالخنساء، إلى الطبيبات الماهرات كرفيدة، إلى مربيات العلماء كأم الشافعي وأم ابن تيمية، هذه أمثلة تعد على الأصابع من أصل عدد لا يحصى من النساء المذهلات في كل المجالات في كل العصور، وفي كل الحضارات، الإسلامية منها وغير الإسلامية، منذ القدم وحتى اليوم.
نخلص من ذلك كله أن الرجولة كصفة وسمت ومدح ليست خاصة بجنس الرجال دون غيرهم، حتى إننا نقول أحيانًا لمدح امرأة أنها «بألف رجل»، وأن الأنوثة إذا وصفت بها المرأة فليست عيبًا لها، إنما هي عيب وانتقاص حين وصف الرجل بها، لأنها وصف له بالضعف مثلًا، أو الحاجة إلى الحماية، أو نعومة اليد عن الكد والعمل الشاق، ومثل تلك الأمور التي تعيب الرجل لكنها من مميزات المرأة في الوقت نفسه، بل أحيانًا تكون الأنوثة وصفًا مدحًا للرجل حين نقول مثلًا عن رجل إنه في حيائه «كالبنت العذراء في خدرها»، والحياء صفة حميدة رائعة عند بعض الرجال، لكنها عند أغلب النساء أصل وأساس وتكوين طبيعي فيها.
لا داعي إذن للتفرقة الظالمة بين الرجل والمرأة، ولا داعي أبدًا للحساسية المفرطة لدى النساء تجاه تاء التأنيث، وليذكر الجميع أن الله تعالى يعامل الذكر والأنثى ويجزيهما ويحاسبهما على أنهما سواء، «وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا» [النساء: 124] «مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [النحل: 97] «مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ» [غافر: 40]

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد