تاريخ موجز للحركة النسوية

الحقبة الأولى للنسوية First wave Feminism

– في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان الظهور الأول للحركة النسوية حركة اجتماعية سياسية، وكان الهدف الرئيسي منها هدفًا بسيطًا، وهو إصدار وتعديل قوانين تُعطي المرأة حقوقًا متساوية مع حقوق الرجل في الزواج، وقضايا الأمومة، وحقوق ملكية العقار، وحق التصويت.

الحقبة الثانية للنسوية Second wave Feminism

نشأت الحقبة الثانية في نهاية الستينيات، وركزت الحركة النسوية في هذه الحقبة على مشكلات التحيز الجنسي، من تعدد واختلاف الميول الجنسية، والحق في الإنجاب، ومشكلات العنف الأسري.

يمكن التفكير في هذه الحقبة من تاريخ النسوية بحقبة محاربة التمييز الجنسي ومُشتقاته، وما يزال صراع هذه الحرب قائمًا حتى يومنا هذا في بلدان كثيرة.

– طرحت الحقبة الثانية للنسوية أيضًا فكرة التحيز الجنسي الطاغي في هيكلة السلطات وهيكلة المراكز ذات النفوذ. ويؤمن النسويون إلى يومنا هذا بوجود هذه القوى الهيكلية الجنسية المتحيزة في المجتمع ونظم السياسة، وأن المتحكم في طرق معيشة النساء هي الهيكلية الجندرية المحددة مسبقًا بأشكالها العديدة، حتى وإن لم يدعمها أي قانون أو دستور.

الحقبة الثالثة للنسوية Third wave of Feminism

نشأت في أوائل التسعينيات، وكان المحرك الرئيسي لها هو فشل الحقبة الثانية من منظور النسويين، وأحد أسباب هذا الفشل تعود إلى أن النساء من ذوات البشرة الداكنة لم يكن مشمولات في حركة الحقبة الثانية، كما سعت الحقبة الثالثة للنسوية لتعديل مفاهيمها الخاصة في ما يتعلق بمفاهيم الميول الجنسية والحريات، منها ذاك المتعلق بالأفلام الإباحية.

ولنستخدمه كالمثال:

في الحقبة الزمنية الثانية كانت النظرة النسوية إلى الأفلام الإباحية نظرة مُعادية؛ إذ كان العمل في صنع الأفلام الإباحية عارًا وأمرًا مهينًا للمرأة بشكل قاطع، بينما في الحقبة الثالثة تغيرت هذه النظرة تمامًا، وأصبح العمل في صنع الأفلام الإباحية إحدى الحريات التي تطالب بها الحركة النسوية، ويندرج تحت بند حرية المرأة ما دامت من ستمتهن هذا العمل بالغة قانونيًّا.
وبجانب توسيع النسوية وشمول النساء ذوات البشرة الداكنة، والنساء من مستويات اجتماعية مُتعددة، أنشأت الكاتبة النسوية ربيكا ووكر مفهوم الحقبة الثالثة لتسليط الضوء على النساء المثليات، والنساء ذوات البشرة الداكنة بالتحديد، ولذلك يُلحظ عدم تركيز هذه الحقبة على التغيرات السياسية والقانونية، واتجهت عوضًا عن ذلك للسعي نحو قضايا الهوية الفردية وتعدد الميول الجنسي.

أين المشكلة؟

قد لا يجد القارئ أي مشكلة في النقاط السابقة والمطالبات النسوية. بالطبع من حق المرأة أن تعيش بكرامة، وتُتاح لها فرص العمل في مناصب سلطوية أو المناصب ذات النفوذ، كما هو الحال للرجل، وضمان الحقوق الكاملة لها أمر واجب ليس أكثر، ولا يوجد فيما سبق ذكره أي تشويه، فكيف له أن يؤثر سلبًا في حقوق المرأة؟

التغيرات في القرن الواحد والعشرين

أولًا: اللغة

لم تتوقف التغيرات والتعديلات في الحقبة النسوية الثالثة إلى يومنا، ولكن تغيرها الحالي يميل ا٦لى إتجاهات مجهولة، وفي غالب الأحيان مُختلفة تمامًا عن سابقها، وربما تكون النقيض حتى.

فبدلًا من التركيز على حقوق النساء المضطهدة، تميل النسوية اليوم إلى إعادة تبني مصطلحات كانت تستخدم سابقًا في الحط من قدر المرأة، مثل مصطلح «عاهرة»، الذي كان في الماضي يُسقط على كل امرأة تفكر وتطالب بحقوقها، كوسيلة لردع النساء وإسكاتهن.

يرى النسويون اليوم أنه من المهم إعادة استخدام هذه المصطلحات، وتُطلق بعض النساء النسويات على أنفسهن القاب «أنا عاهرة، أو أنا ساقطة، أو أنا زانية» في سبيل أن يتحول المصطلح إلى مصطلع عادي لا يحمل قيمته السلبية السابقة، بدلًا من تجنب استخدامه، ويطمح بعض النسويون إلى الانتهاء على كل مصطلح يحط من قيمة المرأة من قواميس اللغة الحديثة. ولدعم ذلك يوجد مواقع إلكترونية نسوية تحمل هذه المصطلحات مثل موقع Bitch Media ومواقع الـ Slut walk .

في الحقيقة تغيير المعنى السلبي لمصطلح ما، أو حتى تحويل المفهوم المرتبط به إلى مفهوم مختلف تمامًا من الأمور الممكنة والناجحة التي استعملت مسبقًا. 

من هذه المصطلحات مُصطلح «gay» باللغة الإنجليزية.

إذ منذ سنوات ليست بالبعيدة كان هذا المصطلح مصطلحًا مُشينًا وبذيئًا للغاية، بينما هو اليوم يُستخدم يوميًّا من قبل هؤلاء الذين يحملون هوية مثلية لوصف أنفسهم، أو في نشرات الأخبار، ويكتب على الصحف وعلى المدونات، وفي الكتب العلمية حتى، دون أن يبدو مشينًا، والسبب يعود إلى الممارسة والتكرار الذي أفقداه معناه السلبي.

لكن للدكتورة بيتسي كايرو المُختصة في علم الأحياء الإنجابي وجهة نظر أخرى فيما يخص اللغة التي نستعملها. وتقول:

«عند استخدامنا لمصطلح مثل مصطلح «النسوية» فإننا نُركز على الاختلافات بدلًا من التركيز على النقاط المتشابهة بيننا كبشر، وعندما نتجاهل النقاط المتشابهة بيننا كبشر يَصعب علينا الوصول إلى المنتصف، بينما هذه المساحة في المنتصف هي أساسية ومهمة لحل أي معضلة، وبمجرد وصولنا إلى نقطة المنتصف سنتمكن من العيش في مجتمع يكفل لنا مساواة حقيقية.
قد يبدو الحل سهلًا، مجرد التخلص تدريجيًّا من المُصطلحات التي لا تخدم هذه الغاية العُليا».

ثم تُضيف:

«كلمة نَسوية هي إحدى المُلحقات التابعة بصرامة إلى المصطلحات الثنائية الجندرية. فعندما يقول لي أحد ما إنه نسَوي آخذها باعتبار أنه شخص يرى فروقات هائلة بين الذكور والإناث والقليل من النقاط المتشابهة، وهذا ما هو إلا استقطاب.
أنا أنثى، عالمة، مديرة أعمال، زوجة، أمًّا ومُعلمة، وحاصلة على شهادة الدكتوراه. أنا أشياء كثيرة لكني لست نسوية».

«على سبيل المثال فإن حركة المطالبة بزواج المثليين بدأت منذ عشرات السنين، لكن تسميتها ب«زواج المثليين» من قبل الإعلام والجميع تقريبًا سمح بأن يكون الجزء المروج له من الزواج هي نقطة الاختلاف، واستمر التركيز على الاختلاف لسنوات وسنوات، لم يتم فيها لمرة واحدة التركيز على جوهر هذا الزواج، وهو وجود شريكين اثنين يحبان بعضهما في علاقة واحدة، ومع مضي السنوات تغيرت هذه المواقف وشعارات اُخرى أكثر فاعلية وقوة حَملت القضية عوضًا عن شعار (زواج المثليين)، مثال عن ذلك شعار (حقوق الزواج)، أو (المساواة في الزواج)، وهذه اللغة الجديدة غيرت بالفعل النظرة إلى القضية، وتَطلب منا كمجتمع آن ذاك أن نتوصل إلى حلول لهذه المشكلات، وقد حدث ذلك بالفعل. كذلك الأمر مع المصطلحات التي تفرق بين الجنسين، هذه المُصطلحات تصنع عقبات ومصطلح نسوية أيضًا يصنع عقبات بكونه يركز على نوع جنس واحد تاركًا الأشخاص في الخلف، كما أشعر أنه يوقف القضية، وهؤلاء الأشخاص الذين يتركهم وراءه لا أقصد بهم الرجال فحسب. يوجد مصطلحات كثيرة علينا توديعها لأننا قد تطورنا اليوم كمجتمعات وسَبقناها. وقد يرى البعض أن هذا في حد ذاته تهميش للنساء أو عدم تقدير لهن، لكن المعنى الحقيقي هنا يكمن في أننا سنصنع عالمًا جديدًا يتبنى ويسعى لمساعدة جميع الأفراد في جميع أنواع المعاناة التي يمرون بها وهنا يمكننا استخدام مصطلح (المساواة).

لا تندرج المساواة تحت أي نوع جندري، وهي واضحة للغاية في وصف أهدافها لهذا أنا Equalist».

 

ثانيًا: السعي وراء التمييز الجنسي من جديد

يرى البعض أن النسوية الحديثة تسعى للتفوق على الرجل، وليس إلى المساواة كما في السابق ذلك لأنها قد نالت المساواة بالفعل، فالمرأة تستطيع التصويت ودخول الجامعات والوصول إلى مراكز سلطوية وذات نفوذ، كما أنه يوجد قوانين كثيرة تُجرم تقليص الرواتب أو تحديدها وفقًا لجنس العامل أو الموظف على الأقل، هذا يحدث في معظم الدول الأوروبية ومقاطعات عديدة في أمريكا وغيرهم، لكن الاحتجاجات النسوية كما المطالبة بالتفوق والمطالبة بمزايا أكثر للنساء لا تتوقف.

ثالثًا: قيمة الوصول

علقت القاضية جودي الشهيرة على موضوع النسوية قائلة:

 « عندما كنت أنضج وأذهب للدراسة وعندما أصبحت محامية، ثم حاولت العمل في القضاء، لم أقم بذلك عبر مؤسسة. وأعتقد أن القيام بذلك عبر مؤسسة ما يأخذ الكثير من تقديرك لذاتك؛ فقولك إنكِ وصلتِ إلى مكانة ما بناء على عمل ودعم مجموعة كبيرة يختلف عن الوصول إليها باجتهادك الشخصي. بالطبع من الجميل الحصول على عائلة أو «شبكة أمان»، ولكن إن كنتِ تفتقدين تقدير الذات ولا تُقاتلين من أجل نفسك، كل ما يمكن لشبكة الأمان هذه فعله هو إعطاؤك أدنى ما يمكن؛ ولهذا لا أصف نفسي بالنسوية، لأني أعمل بفردية وهذا ما يجعل الشخص بطل قصته».

إلى الأن هل ما زلنا نرى أن النسوية تساعد حقًّا في حقوق المرأة؟ وكيف يحدث ذلك؟ ماذا عن المرأة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ حسنًا، أين هي النسوية عن قضايا الشرف والوصاية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ كيف تؤثر القضايا النسوية الحالية في المرأة؟ وهل تعمل لصالحها أم ضدها؟

وإن كان جوهر المشكلة يمكن في عدم المساواة بين الجنسين وغياب العدالة، هل طريق الإصلاح سيكون عبر النسوية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد