تعايشت المرأة الأوروبية لفترات زمنية طويلة، مع وضع خاص بالغ التردي، خلَّفه التسلط الذكوري Gender bias الذي انعكس تأثيره على جميع مناحي الحياة، السياسية والاجتماعية والثقافية، واستمر ذلك حتى القرن التاسع عشر، حيث ظهرت مجموعة من الحركات المطالبة بتصحيح هذا الوضع، أطلق عليها النسوية Feminism، وهو المصطلح الذي ما يزال أمر تحديد أصوله وجذوره جدليًّا وغير مؤكد،  فهناك من أرجعه  إلى القرن العشرين، لأنه تم التعامل معه بوصفه أسلوبًا في الحياة الاجتماعية والفلسفية والأخلاقيات.

تُعرف النسوية بأنها: «منظومة فكرية أو مسلكية مدافعة عن مصالح النساء وداعية إلى توسيع حقوقهن». ولقد صنف نشاطها في القرن التاسع عشر، بالموجة الأولى التي عملت  على معالجةعدم المساواة الاجتماعية والقانونية، مثل قضايا (الملكية الخاصة، والتعليم، والتوظيف، وقانون الزواج)، ولم تصنف النساء المطالبات بها  من «النسوية»، وهذا ما يؤيد ما أشرنا إليه حول جدلية تأصيل المفهوم. تصدت هذه الموجة للأفكار والنظرة السلبية عن المرأة، التي توارثتها الذاكرة الجمعية والفردية للمجتمعات الأوروبية، المستمدة من التراث الديني والفلسفي. فسعت إلى هدم النظم العقائدية،  وطالبت بحقوق المرأة وتحريرها من «الأبوية».

وما يخص التراث الفلسفي وما حمله من نظرة دونية عن المرأة، فإنه من المهم معرفة أنه يرجع بداية إلى أفلاطون، الذي صنفها مع درجة العبيد والأشرار والمرضى، ومن الفلاسفة المتأخرين، يرى جون سكوت: «أن النسوية كانت من نتاج الحداثة ونقدًا لها، حيث تكمن أصولها الأوروبية الغربية إلى المشاريع التحررية لدى حقبة الأنوار (…) وكان على النسوية أن تتخاصم مع ميراثها المزدوج، وهو الشمولية في تناقضها مع الخصوصية، والتشابه التام الذي ينجز من خلاله التغلب على الاختلاف، أو العمل على تجاهله، أو إلغائه، أو رفضه».

وهنا سنتناول عددًا من مفكري الحركة النسوية في القرن التاسع عشر، أبرزهم:

 جون ستيوارت ميل (1806-1873):

ساعد على بلورة أفكاره هاريت تايلور عام 1830، بعد أن دار بينهما نقاش حول وضع المرأة ودورها في المجتمع الإنجليزي، والعلاقات الاجتماعية بين الجنسين، إذ اتفقا على سوء الوضع الذي تعانيه المرأة، وكان قبلها قد ألف كتابه «استعباد المرأة» الذي أشار فيه إلى صعوبة مناقشة وضع المرأة وصفها قضية تدين المبدأ المنظم للعلاقات الاجتماعية بين الجنسين، القائم على التبعية، ومن ثم الدعوة إلى إلغائه، لإحلال مبدأ المساواة الكاملة. ويعتقد بأنه جرى استخدام الدين لحرمان المرأة من حقوقها واستعبادها، إذ أشار  القديس بولس إلى وجوب خضوعها للرجل، كخضوعها للرب. ركز جون بصفة خاصة على ثلاثة أمور، وهي: (حق الاقتراع أو التصويت، والوظائف العامة، والفروق العقلية). وأشار في مؤلفه إلى ضرورة تجاوز مسألة الجندر في الحياة الزوجية، كونها علاقة تكاملية، لا سيطرة واستحواذ، وأن تحرير المرأة سيقود إلى تطور  الملكات العقلية، وهو المبدأ الذي يفترض أن العقل مكون من: (الذاكرة، والمحاكمة، والإرادة، والانتباه). وإلى تحسين العلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل.

شارل فورييه (1772– 1837):

دافع فورييه عن حقوق المرأة في الوقت الذي ازدهرت فيه الآراء المعادية لها، وذلك من منطلق اعتبارها إنسانًا كاملًا، فنادى بحقها  في الوظائف العامة، ورأى أن مؤسسة الزواج التقليدية سلبت الكثير من حقوقها.

 باريرا لى سميث (1827-1891):

نظمت باريرا بمشاركة صديقتها بسى رينر باركس، في عام 1856مـ لجنة لجمع الالتماسات لمشروع قانون ملكية المرأة المتزوجة. وفي 1858مـ أسستا جريدة «المرأة الإنجليزية» English Woman Journal، التي ناقشـت قضايا المرأة وتعليمها وحقوقها القانونية، وحقها في التصويت في الانتخابات. ومن ثم أسستا جمعية تشجيع توظيف المرأة، التي أنشأت متجرًا نسائيًّا، ومطبعة فكتوريا، ومعهد للسيدات في لانجهام بليس. وفي عام 1865 نظمت سيدات لانجهام بليس التماسات لمشروع قانون حق المرأة في التصويت، حتى يقدمه للبرلمان العضو المنتخب جون ستيوارت ميل.

فريدريك إنجلز (1820- 1895):

ساند إنجلز  قضية المطالبة بحقوق المرأة، وتصويتها في الانتخابات، واستخدم في كتابه «أصول العائلة والملكية الشخصية والدولة»، الأدلة التاريخية والإثنوجرافية لتأكيد أن الوضع الاجتماعي للمرأة لم يكن متدنيًا على الدوام، وأرجع أمر التبعية إلى أصول الملكية الخاصة في العصور القديمة. تبنى أفكاره  الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، في نهاية القرن التاسع عشر، وجرى الترويج لها في كتاب زعيم الحزب أوجست بيل  «المرأة في ظل الاشتراكية».

 جوزفين بتلر (1828- 1906):

عدت جوزفين من أبرز رائدات الحركة النسوية للجيل الثاني «النقاء الاجتماعي»، التي ظهرت في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، كانت من أوائل أعضاء لانجهام بلبيس، ولقد اتصلت برائدات حقوق المرأة في أمريكا. تحدت علنًا المجتمع الفكتوري الذي هيمن عليه الرجال، فقامت بإيصال مبادئ الحركة إلى الشوارع. وطالبت بإصلاحات الفقراء والمساجين، وأنكرت القدر التناسلي. نادت بالمساواة الجنسية التي تمكن المرأة من العمل في المجتمع دون قيود منزلية، التي رأت أن لها ثقافة مميزة خاصة بها، تسمو على ثقافة الرجل أخلاقيًّا. قادت حملات قوية ضد قانون (الأمراض المعدية)، الذي سنته الحكومة البريطانية في ستينيات القرن التاسع عشر.

 ريه ستراكي:

ألفت ريه كتاب «القضية The Cause» الذي عُد المقدمة الأفضل للحركة ونتاجها في مطلع القرن التاسع عشر. كانت ريه إحدى المشاركات في اتحاد جمعيات التصويت للمرأة، وكان اهتمامها الرئيس رسم خارطة للحركة النسوية خلال (1860- 1920)، والذي تزامن مع فترة اتخاذ مصطلح «النسوية» مفهوم «الدفاع عن مطالب المرأة»، والتي عدت مغايرة لغيرها من الحركات النسوية المعاصرة، حيث لم تُعرف بأنها من صنع المرأة وحدها، بل شارك فيها أيضًا الرجل، وتميزت بوحدة جهود نساء في الحركة.

وفضلًا عن هذه الأدوار التي لعبها رواد الحركة، من المفيد الإشارة إلى الدور الذي قامت به الصحافة (الأنثوية/ النسوية)، التي استخدمت لإيصال أفكار النساء، وكانت الأولى في الظهور  الصحف والمجلات الرومانية في أربعينيات القرن التاسع عشر، التي اهتمت بنشر ترجمات النساء وإسهاماتهن الأدبية. ونستطيع وصف النسوية في هذه المرحلة بأنها:

– فئة شمولية متجانسة.

– رفضت التبعية للرجل بوصفه تواطؤًا دينيًّا.

– قضية سياسية، برزت في قضايا التعليم والتوظيف والمواطنة والقانون.

– كرست دور الضحية للمرأة.

– طالبت بـ«تسوية المساواة»؛ أي عدم الاعتراف بوجود أية اختلافات بين أدوار الجنسين.

تطورت الحركة النسوية بعد ذلك لتصبح ذات نظرة أكثر شمولية،  جردت فيها جنسي الذكورة والأنوثة من كافة الفوارق البيولوجية والتاريخية، ومن ثم برزت إشكالية كيفية تحقيق المساواة، وتحديد الشكل الذي يجب أن تبدو عليه، فأدى جميع ذلك إلى  فشل الحركة في الفترات اللاحقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد