أثناء مطالعتي لصفحتي على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وجدت منشورًا لبنت تطرح فيه تساؤلًا للمجتمع عامةً وللشباب خاصةً، كان مضمونه «هل ترضى أن تتزوج بنتًا تدخن السجائر؟»، الأمر الذي دفعني للدخول إلى صفحتها الخاصة فوجدت أنها تضع صورة لعروسة تدخن الشيشة بجانب زوجها في ليلة فرحها، في ادعاءٍ منها أنها ممن يدافعن عن حقوق النسوية أو ما يطلق عليهن اليوم الفيمينست، وعندما بدأت النقاش معها لم أجد سوى قبح الكلمة وتعليقـًا خارجًا.

وبالانطلاق نحو مؤشر البحث جوجل لأبحث عن كلمة الفيمينست وجدت نفسي وسط معركة وهمية بين النسوية المصرية، ومجتمع يدعون ذكوريته، بل معركة تخطت محاربة ذكورية المجتمع، لتدخل في جولة جديدة ضد قيم المجتمع وعاداته سواء كانت تلك القيم والعادات من منطلق ديني أو من منطلق عرفي، ولاحظت تجاهل تلك الحركات لقضايا المرأة الحقيقية، فقد تجاهلت ما تعانيه المرأة في الريف، فأصبح هناك 36% من الفتيات في قرى مصر لا يقدرن على مواصلة تعليمهن بسبب رفض الأهل، كما لم تنشغل بإيجاد حل لـ44% منهن يتعرضن للعنف الجسدي بداية من سن الـ 15 عامًا.

وفي تناول لتاريخية الحركات النسوية وجدت أن الحركة النسوية قد شهدت تطورًا كبيرًا منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتَّى الآن، فقد تجاوزت الأحادية فأصبحت لها عدة مدارس، بل إنها تخطت كونها فلسفة أو إيديولوجيا لتكفل بعد ذلك حق المرأة في الممارسة السياسية ثم الاجتماعية ثمَّ وأكثر من هذا الممارسة الشخصية والذاتية، حيث إنها تعبر عن مجموعة من الأفكار والمبادئ التي تتبناها النساء حتى في تعاملهن مع أزواجهنّ.

فهناك النسوية الإصلاحية «الليبرالية» والتي تعتمد بالأساس على فكرة أن الرأسمالية قادرة على إعطاء المرأة حقوقها، وتعمل هذه المدرسة بشكل «إصلاحي» تمامًا وتناضل من أجل قوانين تكفل كافة أنماط المساوة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وتعتبر هذه المدرسة امتدادًا للثورة الفرنسية 1789م.

كما أن هناك المدرسة الراديكالية وهي أكثر تيارات النسوية تعصبًا للمرأة، حيث ترى أن المشكلة في الأساس هي أنَّ الرجال يحاولون دائمًا السيطرة على كل شيء منذ بداية التاريخ، وعلى المرأة أن تناضل من أجل حقوقها المنهوبة، وقد تطورت فكرة نضال المرأة لدى هذا التيار حتى اقتراح أن تنفصل النساء تمامًا عن مجتمع «الذكور» وتقيم مجتمعًا خاصًا، باعتبار أن المرأة في حالة عداء دائم مع الرجل، انتهاءً بالمدرسة الماركسية وتنطلق مسلماتها من فكرة  أن «الذكور» دومًا يحاولون السيطرة على كل شيء – فإن هذا التيار يتبنى وجهة نظر طبقية تجاه الأمر، وفي اعتقادهم أن تهميش المرأة بدأ بظهور الملكية الخاصة، وبالتالي فإن اشتباك المرأة مع الواقع الطبقي سيقوم بقلب الأنظمة الرأسمالية لمجتمع لا طبقي!

وعند البحث عن مفهوم علمي للنسوية وجدت تعريفًا وضعته جامعة أوكسفورد لتصف النسوية باعتبارها «الاعتراف بأن للمرأة حقوقًا وفُرَصًا مساوية للرجل، وذلك في مختلف مستويات الحياة العلمية والعملية»، وبالنظر لذلك التعريف يراودني تساؤلًا هل النسوية في صراع مع الرجل؟

حق المرأة في التعلم وحقها في بناء تكوينها الثقافي والعلمي والعملي يجب الدفاع عنه، ويجب على المجتمعات العربية أن تكفله وأن تحميه، إلا أن ما تناوله المجتمع العربي هو الجانب المتطرف من الحركة النسوية العالمية وتغافلت الجانب الإصلاحي منها؛ حيث لم تعد تدافع عن حقوق المرأة بقدر ما صارت تتمركز حول المرأة نفسها والنداء الدائم بإقصاء الرجل، بل إنها تتصور دومًا أنها في حالة صراع معه، الأمر الذي دعا العديد من النسويات الشهيرات للدعوة لعدم ممارسة الجنس مع الرجال! بدعوى أن هذه أحد أدوات السيطرة، كما أن العديد من النسويات الشهيرات كنَّ سحاقيات ويبررن لذلك بأنَّ المرأة تستطيع أن تعيش وحدها دون وجود رجل في حياتها، أشهر هؤلاء هي الفيلسوفة والأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار.

فأصبحت القضية النسوية تنحصر في «لماذا لا يتحجب الرجال كالنساء؟ فالرجال لهم مفاتن مثل النساء» في حين أنها تناقض نفسها «إذ تكفل حق المرأة في أن تتعرى وأن تتجرد من ملابسها أمام العامة» وكأنها نسيت دعوتها لتغطية مفاتن الرجل بل انصرفوا إلى قضايا تدخين المرأة، وكأن ذات المرأة لن تتحق بلا التدخين وانتشار الدعوات حول أن الزواج هو مؤسسة فاشلة.

فيا من اختزلتم القضايا المشتركة بين الرجل والمرأة في اتهام المجتمعات بالذكورية والنسوية، لقد أوقعتم مجتمعنا في آفة كبيرة؛ فلا المرأة مقتنعة بواجباتها تجاه المجتمع ولا الرجل مقتنع بواجباته بالرغم من أن ديننا الإسلامي خرج بالعلاقة بين الرجل والمرأة من النمطية إلى الرقي، فجُعل الرجل قوامًا على النساء في أمور الجلد والصبر، وجعلت المرأة طبيب المجتمع وريحانة صلاحه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفيمينست
عرض التعليقات
تحميل المزيد