(لأنه مجتمع ذكوري ولا أحد ينكر ذلك)

 

“البنت من حقها…”

“إشمعنى الولد مسموح له…”

“مظلومة ومهمشة…”

“مجتمع ذكوري ابن…”

***

فتاة تقف برقة مصطنعة تراقب زحام طابور تذاكر المترو، ثم تتقدم على استحياء كأنها تدخل صالون حلاقة رجالي مثلاً لا يفترض بها التواجد فيه، تطلب من أحدهم أن يشتري لها تذكرة معها، وتهرع مبتعدة عن هذا الزحام المقزز.

***

كاتبة شابة، بل مدونة في الواقع، نسوية شرسة، تكتب هنا وهناك عن ظلم المجتمع للبنات وعن حقوق المرأة وعن المساواة، المساواة التي يجب أن تكون تامة غير منقوصة، حتى لو دخلنا في جدالات دينية عن الشرع والميراث، لكنها فجأة تنسى كل شيء عندما يأتيها “العدل”، فتهجر كل هذه الأفكار وترضى بحياة زوجية تقليدية تمامًا، يعولها زوجها وتستقر هي في البيت دون عمل، وتضطلع بشغل البيت وتربية الأطفال دون مساعدة من زوجها الذكر الغاشم المستبد الذي أصبح على قلبها عسلاً.

أين ذهب “الفينزم” إذن؟ أهي ادعاءات فراغ؟ ميكانيزمات دفاعية لإبعاد اتهامات العنوسة، وتغطيتها بغطاء من المبادئ والأفكار التقدمية التي سرعان ما تتبخر فور قدوم العريس المنتظر، فتبدو تحتها الأنثى القديمة ذاتها، “أمينة” أخرى وجدت سي السيد الخاص بها، وحولت دفة اهتماماتها فجأة من القتال في سبيل حقوق المرأة ودورها في المجتمع إلى التطلع نحو “فرحة” كاملة كالتي تنالها الفتيات من حولها منذ زمن وهي تتظاهر باللامبالاة.

فرحة لا تنقصها “شبكة” أو “طرحة” أو “طقم جيلي” أو “طقم خشاف”، تنجح كأنثى بمقاييس جدتها في النجاح، وتتحول إلى ربة بيت أخرى من الوزن الثقيل، أو تفشل وتواصل انتقامها الشرس من الذكور الأغبياء، لا غرابة إذن إن لم تؤخذ على محمل الجد، فهذه ليس رغبة في إصلاح المجتمع والذكور يدركون ذلك.

 

هو مجتمع ذكوري ونحن ندرك ذلك، ولأنه مجتمع ذكوري فهو يظلم الأنثى ويضيق عليها ويبخسها حقها في كثير من جوانب حياتها، ترى الأنثى المصرية ذلك وتستشعر الظلم الواقع عليها وعلى بنات جنسها فتلوم المجتمع الذكوري وتسبه وتلعن الظروف التي ألقت بها فيه، وبالمرة تسب وتلعن (سنسفيل) الذكور في هذا المجتمع الذكوري العفن، أليسوا ذكورا في هذا المجتمع الذكوري؟ إذن فهم الجناة الأشرار في الموضوع، هذا واضح، أليس كذلك؟

 

ربما يبدو الأمر واضحًا، لكنه لا ينبغي أن يؤخذ بهذه الصورة السطحية، لاسيما من قبل البنت “الفيمنست” التي تقدم نفسها بوصفها جزءًا من تيار يسعى لإصلاح خلل في المجتمع، إذ يتطلب الأمر هنا فهمًا أعمق للأمور.

 

الحقيقة أن ذكورية المجتمع لا تظلم البنت فحسب، وإنما تظلم الرجل كذلك، فالمجتمع يحمله تكاليف الزواج والمعيشة وحده، فقط لأنه الرجل، بينما البنت ليست مطالبة بشيء تقريبًا وسيعولها زوجها، باعتبارها الطرف الضعيف قليل الحيلة مكسور الجناح، افترض معي شابًا تقدميًا متفتحًا مؤمنًا بالمساواة وأبعد ما يكون عن العنصرية الذكورية، هل يمكنه التمرد على هذه التقاليد المجتمعية الذكورية؟ هل يستطيع أن يؤسس أسرة مع شريكة حياته القادمة بعيدًا عن المتطلبات المفروضة اجتماعيًا عليهما؟ لا، المجتمع يفرض عليه توفير شقة وأثاث وأجهزة كهربية و”نيش” وأطقم صيني وخشاف وجيلي وستائر ونجف وسجاجيد، وإلا فلن يتم الزواج، ومن يتحمل كل هذا؟ الشاب، وأبو الفتاة، الذكور!

من البديهي أن الشاب لا يريد التقيد بكل هذه المتطلبات، لكن أحدًا لن يستمع إليه بالتأكيد، لكني لم أسمع من قبل عن فتاة “فيمنست” رفضت هذه الطريقة – أو حاولت – انتصارًا لمبادئها، ربما إدراكـًا لعدم جدوى الرفض وعدم قدرتها على فرض رأيها على أسرتها، وربما ترحيبًا بمزايا مجانية وحقوق إضافية نشأت لتجدها حقـًا مكتسبًا لها، فلم الرفض إذن؟

 

أصبح مألوفـًا أن نرى الخطاب النسوي المهاجم للرجل المصري في كل مناسبة وبدون مناسبة أحيانًا، لكن عندما يأتي الأمر للمكتسبات التي أورثها المجتمع الذكوري للمرأة مقابل تهميشها فإنها تلتزم الصمت وتقبل بالوضع القائم عن طيب خاطر.

البنت “الفيمنست” تفهم “الفيمنزم” على أنه يتلخص في أن الرجال كائنات بنت ستين كلب تستحق الحرق، ولنلعن أسلافهم ليل نهار.

تقف في طابور تذاكر المترو فتجد فتاة تجاوزت الطابور كله ودخلت إلى الشباك من ممر الخروج، وكأنها تظنه موضع طابور السيدات، برغم وجود فتيات وسيدات أخريات يقفن في الطابور بشكل طبيعي، فتاة مثل هذه، هل هي “فيمنست”؟ إن كانت كذلك فتلك مصيبة، وإن لم تكن فأين تعليق بنات “الفيمنزم” على مثل هذه السلوكيات التي تدعم ذكورية المجتمع وتأتي من بنات جنسهن؟

أليس من الأولى والأجدر بهن البدء بتوعية الفتيات أنفسهن بالتمسك بحق المرأة في المساواة والالتزام بقبول المسئوليات المترتبة على ذلك بدلاً من الإمعان في سب الذكور والذكورية ولعنهم كما اعتدن أن يفعلن دائما دون جدوى حقيقية؟

هو مجتمع ذكوري ولا أحد ينكر ذلك، لكن تغيير ذلك يحتاج إلى استهداف تغيير ذلك، لا إلى سباب وهجوم يتوقف فور وصول العريس.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد