كم مرة سمعت هذا اللقب فهززت كتفيك في سخرية وأنت تكتم الضحك وصورة امرأة شعثاء الشعر، جهورية الصوت، لا تحمل مسحة من جمال تقفز إلى رأسك؟ كم مرة ارتبط في ذهنك هذا المفهوم بكل ما هو سلبي من أفكار هلامية كنسب الأبناء لأمهاتهم، وإلغاء كل الفروق بين الجنسين حتى الفطري منها؟

الفيمينست لغويًّا هي تلك التي تأخذ على عاتقها التصدي لأشكال التمييز ضد المرأة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

بدايةً، أنا أكره المسميات! ولا أطيق الأيديولوجيات، لأنها تحبس معتنقيها في إطار واحد يجعل التفسير المنطقي المقبول لكل الأمور هو المؤامرة. فالاشتراكي في الأغلب يظن أن كل شيء يرجع لمؤامرة ضد العمال وحقوقهم، الإسلامي في كثير من الأحيان يعتقد أن العالم أجمع يتآمر لمنع إعلاء شأن الإسلام كما يراه هو، والفيمينست عادة ما تفسر كل الأمور من منظور اضطهاد الرجال للنساء.

لكن هل تكفي كراهيتي للمصطلحات والأيديولوجيات المعلبة أن أبتسم بسخرية في كل مرة أسمع فيها لقب “فيمينست”؟ هل كلهن مجنونات مشعثات الشعر يطالبن بأمور لا يقبلها العقل؟

شاهدت مؤخرًا فيلمًا وثائقيًّا عن مارجريت سانجر، والتي يُعَرفونها في الغرب بأنها أول من كافح لإدخال أحد الحقوق الطبية الأساسية للنساء، وهو ما نأخذه الآن كأمر مسلم به: الحق في تنظيم النسل. يحكي الوثائقي قصة مارجريت التي وُلدت في نهاية القرن التاسع عشر لأسرة كبيرة العدد. حيث حملت أمها ثماني عشرة مرة نجا منهم أحد عشر طفلاً، وأُجهض الباقون. كافحت الأم في تربية أبنائها على قدر احتمالها حتى انهارت صحتها وتوفيت وهي لم تكمل بعد الخمسين عامًا.

يقص الفيلم كيف كانت مارجريت طموحة، كيف أصرت على أن تتعلم في أرقى المدارس برغم تواضع حالتهم المادية، فتطوعت شقيقتاها الأكبر منها بالإنفاق على دراستها من عائد خدمتهما في البيوت. يحكي أيضًا كيف اضطرت مارجريت للتوقف عن الدراسة لمراعاة أمها في مرضها، كيف عادت لتدرس التمريض، ثم كيف انخرطت بعد ذلك في العمل السياسي واتخذت من قضية صحة المرأة التناسلية هدفـًا لها.

لم تكن الأمور سهلة في ذاك الوقت، فمجرد الحديث عن حق المرأة في تنظيم النسل والحفاظ على صحتها من خطر الحمل والإجهاض المتكررين كان سببًا كافيًا للسجن. لكن هذا لم يثنها، لأنها كانت ترى أنها بهذا تكافح لكي توفر لابنتها مستقبلاً أفضل من حاضرها.

حاربت مارجريت الأعراف والقوانين المجحفة، طوردت من الشرطة، حوكمت، سجنت، حتى نالت قضيتها تعاطف الجماهير فأُطلق سراحها.

لكن ثمن المطاردات والهروب والملاحقات كان فادحًا. حيث خطف الموت طفلتها الوحيدة، وخطف نشاطها السياسي الذي امتد عمرها كله حتى آتى ثماره استقرار وأمان طفليها الآخرين.

استوقفتني بشدة قصة تلك المرأة، ليس لكونها نموذجًا يُحتذى به، بل ربما كانت العكس؛ فقد كان لها من الأخطاء الكثير. كقناعتها مثلاً بأفضلية الجنس الأبيض عن باقي الأجناس، وارتباطها بحملات كانت تروج للانتقاء الجيني. بل حتى على المستوى الشخصي، فقد كانت حياتها واختياراتها مثيرة لكثير من الجدل.

ما استوقفني في قصتها هو أنها رأت ظلمًا ما فأخذت على عاتقها أن تجعل قضيتها طيلة عمرها محاولة تغييره. ما استوقفني هن تلك النساء الأوائل، “الفيمينست” كما يحلو للبعض أن يلقبهن، اللاتي حاربن لأجل إقرار أبسط الحقوق الآدمية للمرأة فعاملهن المجتمع كالمجاذيب.

تخيلت أول مجذوبة خرجت على الملأ لتطالب بحق الفتيات في التعليم كإخوتهن الصبية. المجذوبة الأخرى التي تساءلت: ولم لا يحق للنساء التصويت في الانتخابات؟ أنا لا أعرف أسماءهن، لكن التاريخ لا بد أنه مليء بالمجذوبات اللاتي لولا جنونهن لكانت النساء اليوم في حال غير الحال.

سأسر لك أمرًا.. أنا أيضًا لا أميل لأولئك الفيمينست المشعثات اللاتي يفسرن كل شيء – ولو كان حرارة الطقس- بأنه نتيجة لاضطهاد الرجل للمرأة. لكني أبتسم في فخر حين أتذكر “فيمينست” أخريات ربما يخجلن أن يلقبن هكذا، أو ربما حتى لا تعرف بعضهن معنى الكلمة.

أبتسم حين أتذكر منال الشريف المرأة السعودية التي قادت سيارتها رغم أنف الأعراف السخيفة، دفاعًا عن حقها في أن تنقل طفلها للطبيب إذا حدث له طارئ. فكانت النتيجة أنها سُجنت، وشُوهت سمعتها، وضُرب طفلها من أقرانه. ومع هذا خرجت من السجن لتواصل التوعية بحقوق النساء في بلادها.

أبتسم لملالة يوسفزي، تلك الفتاة الباكستانية التي تناقل العالم صورتها كالأسطورة. لأنها أخافت هؤلاء الذين يرون في تعليم الفتيات تهديدًا، تستحق من جعلت الدفاع عنه رسالة لها -وهي بعد ابنة الحادية عشر- محاولة إسكاتها برصاصة في الرأس.

بل أبتسم حين يخطر على ذهني صورة لفلاحة في ريف مصر تتصدى لشقيق لها أراد أن يُغمضها حقها في إرث، أو تواجه أبًا سعى في بيعها لأول ثري عربي يطرق بابه.

كلهن بالتعريف اللفظي للكلمة “فيمنست”.

ربما حين تسمع هذا اللقب في المرة القادمة لا تخطر على بالك صورة المرأة الشعثاء الغاضبة باستمرار فتبتسم بسخرية. ربما تزور خيالك صورة إحدى هؤلاء الأخريات فتبتسم عندها ابتسامة، ولكن من نوع آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد