الثالث عشر من أغسطس (أوت) كل سنة هو العيد الوطني للمرأة التونسية وقد تزامن عيد هذه السنة مع الذكرى الحادية والستين لصدور مجلة الأحوال الشخصية التي تمثل منعطفًا هامًا في حياة المرأة التونسية، وقد تمكنت المرأة التونسية بفضل ما اكتسبته من الحقوق من اقتحام أبواب المدارس والمعاهد وغيرها من المؤسسات التعليمية والخوض في كافة المجالات مثلها مثل الرجل.

الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمرأة في تونس

لئن كان للنساء التونسيّات مواقع متقدّمة في كلّ المحطات النضالية التي شهدتها البلاد، فهي رمز للنضال السياسي والاجتماعي. ولعلّ مساهمتهنّ في انتفاضة الحوض المنجمي وثورة 17 ديسمبر – 14 يناير 2011 خير دليل على ذلك. ولكن رغم الدور الكبير للنساء التونسيات وما حقّقته من مكاسب سياسيّة وقانونيّة فإنّ المرأة لم تجن على المستوى الاقتصادي والاجتماعي سوى المزيد من التفقير والتهميش. وتجمع الدّراسات على أنّ نسب البطالة والفقر عند النّساء تتجاوز بكثير نسبها عند الرجال هذا إضافة إلى استغلالهنّ في العمل الهامشي وسوق المناولة، ولعلّ وضع عاملات المنازل مثال واضح على هذا الاستغلال، ولا تزال أجور النساء أقلّ بكثير من أجور الرّجال في العديد من القطاعات وخاصة في العمل الفلاحي، وتجابه النساء العاملات متاعب اليوم المضاعف بين العمل داخل المنزل وخارجه. وتتقاسم المرأة الريفية الاضطهاد الاقتصادي والاجتماعي شأنها شأن المرأة في المدن رغم بعض الاختلاف.

المرأة الريفية في تونس

تمثّل المرأة الرّيفيّة في تـونس أكثر من 5،35% من مجموع عدد النساء. كما تشير آخر الإحصائيات لسنة 2011 أنّ نسبة الأمّيّة تتجاوز 30% من مجموع الريفيات. وتتجاوز نسبة المنقطعات عن التعليم في سنّ مبكّرة 65% أغلبها لظروف اقتصادية وعدم قدرة الأسرة الريفية على تأمين ذلك، حيث تضحّي عادة بالفتاة لتمكين الولد من الدراسة. كما تبين الأرقام أن 64،5% من الرّيفيات تشتغلن بالفلاحة دون عقود عمل وتغطية اجتماعية وفي ظلّ ظروف غير محترمة لقوانين الشغل من حيث عدد ساعات العمل والمقابل الزهيد الذي لا يكفي للإيفاء بأبسط الحاجيات الحياتية. ولكن الأنظمة المتعاقبة قبل الثورة وبعدها همّشت المرأة الرّيفيّة وقلّصت من فاعليّتها في النهوض باقتصادنا. وتناست أنّ إحداث تنمية ريفية حقيقية لا بدّ وأن ينطلق من اعتبار المرأة الريفية شريكًا أساسيًّا وفاعلًا في كلّ برامج ومشاريع التنمية، بل ومكوّنًا رئيسًا قادرًا على المساهمة في تحقيق معدّلات نمو سريعة في كلّ قطاعات الاقتصاد الوطني خاصة القطاع الزراعي إذا ما تمّ تهيئة محيطها الاجتماعي والاقتصادي الذي يمكّنها من أداء عملها بكفاءة. وعلى هذا الأساس ينبغي أوّلًا العمل على القضاء على أميّتها‏، وتحسين ظروف العمل المحيطة بها خاصة في الزراعة، والسماح لها بالحصول على القروض، والعمل على تنمية مهاراتها في الزراعة، وتخفيف حدّة فقرها، وإدماجها في مسارات صنع القرار، والحدّ من كلّ أنواع التلوث في البيئة الريفية التي تضرّ بصحّتها‏، وتوفير الرّعاية الصّحّيّة الجيّدة في الوقت والمكان المناسبين، والتأكيد على ضرورة ضمان حصولها على دخل مادي عادل يتّفق مع الجهد الذي تبذله.

المرأة التونسية في المدينة

في الواقع الوضع الاقتصادي للمرأة الحضرية ليس بأحسن حال من المرأة الريفية. فرغم مساهمتها المهمّة في القطاع الصناعي فإنّ اضطهادها وانتهاك حقوقها الاقتصادية تؤكّده العديد من الدراسات والبحوث الميدانية وخاصة في قطاع النسيج. فعاملات المصانع يعانين العديد من أشكال الاضطهاد من بينها:

العديد من فضاءات العمل في قطاع النسيج والخياطة لا تتوفر فيها مواصفات وشروط ممارسة العمل الصناعي، من شروط الحماية والوقاية وغياب قواعد السّلامة المهنيّة وظروف العمل المريحة.

العديد من المؤسّسات تفتقر إلى فضاء مخصّص للأكل

تعاني نسبة كبيرة من العاملات من العديد من الأمراض والآلام على مستوى الظهر والأيادي والقدمين بسبب استعمال الكراسي غير المريحة.

تعمّد العديد من المؤسّسات تشغيل العاملات بغير الصيغ القانونية لعدم إثبات العلاقة الشغلية.

تعرّض العاملات إلى الطرد التعسفي في أيّ وقت ودون سابق إعلام.

تعمّد تشغيل العاملات أكثر من عشر ساعات في العديد من المعامل.

عرقلة التّنظّم النقابي في عدد كبير من المعامل.

إنّ من أوكد المهام في تونس بعد الثورة العمل بصفة مزدوجة ضد الاستغلال والتفقير للنساء، وضدّ التمييز والعقلية الذكورية. والعمل على  القضاء على كافّة مظاهر التمييز ضدّ المرأة بما يعنيه ذلك من مساواة داخل العائلة وفي الإرث، وتبنّي خطّة فعاّلة للتّصدّي للعنف المسلّط على النساء وسنّ القوانين اللازمة لذلك، والعمل على مجابهة تأنيث الفقر عبر منع تهميش عمل النساء وتجريم المناولة وتحقيق ظروف العمل اللائق لهنّ والمساواة في الأجر، وتدعيم المشاركة في الحياة السياسية والحياة العامة عمومًا عبر اعتماد المناصفة مبدأ عامًّا، والعمل على مجابهة العقليات المحقّرة للنساء والتي تعرقل حضورهنّ في الحياة العامة.

بينت الدراسة الميدانية المنجزة في تونس من قبل الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري التونسي سنة 2010 والتي شملت عينة تتكون من 3873 امرأة تتراوح أعمارهن بين 18 و64 سنة أن:

47.6 % من النساء في تونس تعرضن إلى أحد أنواع العنف.

87.1 % من النساء تعرضن للعنف النفسي.

47.4 % من النساء تعرضن للعنف الجنسي.

41.2 % من النساء تعرضن للعنف الجسدي.

تحدثت مع مجموعة من النساء التونسيات اللواتي يحملن مواقف وآراء ونظرات مختلفة لعيد المرأة.

مباركة جمال؛ طالبة جامعية تبلغ من العمر 21 ربيعًا تقول «عيد المرأة، حقوق المرأة، مكانة المرأة، المساواة بين الجنسين، التحضر الأسري إلى غير ذلك من مبادئ وقيم، صحيح أنها بلورت في أحكام وقوانين، لكن الرؤية الواقعية والممارسة الفعالة في مجتمعي تقول عكس ذلك، وشخصيًا أرى أن عيد المرأة لا يمثلني ولا يجوز أن نهلل احتفالًا به، وتضيف كيف نحتفل باستقلالية هذا الكائن ونحن نرى ونشاهد ممارسات شنيعة في حق المرأة، التعذيب، العنف، الحرمان، التهميش، التمييز ناهيك عن كل أشكال التحرش الجنسي والاغتصاب. في مجتمعي الصغير أم لخمسة أطفال تنهض منذ ساعات الفجر الأولى تجوب الطرقات الملتوية بحثًا عن رزقها وقوت صغارها والرجال في المقاهي والخمارات، تريدون منها أن تحتفل بعيد المرأة.

نساء متشردات في الشوارع لا مأوى ولا مسكن لا أظن أن عيد المرأة يعني لهن شيئًا، بنت تجبر على التحجب والزواج بمن لا ترغب به لا أظن أنها قادرة حتى على التفكير بهذا العيد. امرأة تبيع جسدها لتقتات لا أظن أن هذا العيد يعني لها شيئًا، زوجة تشتغل حاضنة عند زوجها لو حدثتها عن حقوق المرأة لنزل الدم من مآقيها لا أظن أنها تحتفل بمثل هذا العيد.

وتختم كلامها «وما أذهب إليه أنه من الأجدر أن نجسد هذه القوانين والحقوق ونزرعها على أرض الواقع وأن نمارس حرية المرأة قبل أن نضع لها عيدًا، في مجتمعي الشرقي الذكوري عيد المرأة وحقوقها تبقى وستبقى حبرًا على ورق بل إن المرأة عند الأغلبية فريسة على فراش لا حقوق لها.

هكذا كانت نظرة أول المستجوبين ورأيها في عيد المرأة.

رفقة المزوغي في العقد الثالث من عمرها، ناشطة سياسية في أحد الأحزاب السياسية اليسارية المعارضة في تونس، تقول «بالنسبة لي المرأة لا تستحق عيدًا ولا احتفالًا لأن حقوق المرأة بالرغم من وجود قوانين مثل مجلة الأحوال الشخصية والدستور إلا أن حقوقها مهضومة بمعنى أن هذه القوانين تظل حبرًا على ورق، وتواصل حديثها بأن المرأة في تونس رغم نضالات المنظمات الحقوقية والنسوية ولكنها ما زالت غير متمتعة بكافة حقوقها ولم تحظَ بمكانتها المرجوة خاصة في المجال السياسي فالمرأة مغيبة تقريبًا، وكذلك في المنظمات النقابية كالاتحاد العام التونسي للشغل الحاصل على جائزة نوبل للسلام ضمن الرباعي الراعي للحوار بتونس تقول المزوغي إن المرأة شبه مغيبة في مناصبه القيادية.

رأي هذه المرأة التونسية لا يختلف كثيرًا عن رأي الشابة الأولى.

نورهان صويد ناشطة في المجتمع المدني تبلغ من العمر 25 سنة تحدثت لنا بشكل مختصر على عيد المرأة «ما نستعرفش بيه عيد المرأة» هذه الجملة باللهجة التونسية تعني «لا أعترف بهذا العيد ولا يمثل لي شيئًا» فالمرأة التونسية حسب قولها قادرة أن تكون أفضل من الرجل إذا أرادت ذلك ولم ترضخ للأمر الواقع.

آراء ومواقف مختلفة حول العيد الوطني للمرأة التونسية وهو ما يطرح عديد التساؤلات هل هذه هي المرأة التونسية التي لطالما افتخر بها أول رئيس للجمهورية التونسية «الحبيب بورقيبة»  لما تتمتع به من حقوق وحريات ومكاسب؟ أم أنها كانت فقط قطرة من بحر لمشاكل وصعاب عاشتها وما زالت تعيشها المرأة في تونس كغيرها من النساء في العالم العربي؟

ساسة بوست لم يقتصر فقط في حديثه مع النساء اللواتي يعشن في تونس فقط بل كذلك تحدث مع نساء تونسيات يعشن خارج حدود الوطن.

فاطمة الجمالي إعلامية تونسية في عقدها الثالث مقيمة بدبي، تقول المرأة التونسية رائدة في كل المجالات وباعتباري تونسية مقيمة خارج حدود الوطن أشعر بالفخر لأن عيد المرأة مناسبة لاستعراض ما وصلنا إليه نحن النساء التونسيات، وفي إشارة إلى مدى فخرها واعتزازها بحقوق المرأة التونسية تقول «عندما يتحدث الزملاء والأصدقاء العرب والأجانب عن هذا التاريخ ويسألونني عن وضع المرأة التونسية أقول لهم بكل ثقة في النفس وجودي بينكم خير دليل عما بلغته المرأة في بلدي».

منال ڨروز كذلك تونسية مقيمة بفرنسا درست المرحلة الابتدائية والثانوية بتونس وأنهت المرحلة الجامعية بباريس، أم لطفلين تشتغل في التدريس بفرنسا حيث استقرت مع أبنائها وزوجها تقول «إن نظرة الفرنسيين والأوروبيين عامة للمرأة التونسية قد تغيرت إلى الأسوأ خاصة بعد الثورة التونسية وتضيف أنها لا تكف عن سعيها لنشر صورة المرأة التونسية المثقفة والمتعلمة والناجحة في شتى المجالات».

عديد القوانين والتشريعات والمنظمات تنصف المرأة التونسية من التحرش والضغوطات الجنسية. «رنيم محمد» اسم مستعار لشابة تونسية أنهت دراستها الجامعية في مرحلة الإجازة منذ أشهر، ذهبت إلى إحدى المؤسسات الحكومية للقيام باختبار قصد قبولها في وظيفة بهذه المؤسسة، وخلال مقابلتها لأحد المسؤولين طلب منها أن تدخل معه في علاقة جنسية خارج إطار الزواج أو أنها لن يتم انتدابها في العمل وقد واجهته هذه الفتاة بالرفض وعدم العودة لهذه المؤسسة مرة أخرى، واختارت العودة للدراسة وإتمام مرحلة الماجستير على أن يتم قبولها في العمل بشكل غير قانوني وبطريقة غير أخلاقية.

نسرين الحموادي كتبت منشورًا على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك قبيل يوم من اليوم الوطني للمرأة التونسية مفاده «غدًا العيد الوطني للمرأة التونسية وككل سنة ستقوم شركة الخطوط التونسية بالقيام برحلة طاقمها نسائي وستصدع رؤوسنا بالمناشير والصور على مواقع التواصل الاجتماعي من قبيل «اللّٰه يعيش النساء، نساء بلادي نساء ونصف»».

شهادات مختلفة من نساء تونسيات لا ينظرن بنفس النظرة للعيد الوطني للمرأة التونسية وحقوق النساء في بلادهن ومكانتها خارج حدود الوطن.

تجدر الإشارة إلى أن أحد النواب في مجلس نواب الشعب التونسي، النائب مهدي بن غربية قدم مشروع قانون لتسهيل المساواة في الميراث بين الرجال والنساء مؤكدًا على الطبيعة الاختيارية لاقتراحه بعد الجدل الذي أثارته هذه القضية الحساسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

موقع صوت الشعب التونسي _المرصد الوطني للعمران البشري التونسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد