خيرية آدم
خيرية آدم

الحركات الإسلامية كما يصنفها الجابري لم تخرج من ثلاثة تقسيمات فرضها الواقع، ولم تختره، فهي بين الأصالة والمعاصرة، بين متمسك بالثرات (السلفية) يرى فيه طوق النجاة الوحيدة لمشكلات الأمة رافضًا كل حديث، وبين تيار آخر انتقائي حداثي يجمع بين النموذج الغربي والإسلامي القديم، ويسعى لإيجاد بيئة توافقية تجمع بين الاثنين.

النموذج (السلفي)

أصولي يسعى لإسقاط النموذج الإسلامي من بعيد على واقع مختلف الأدوات بجمود؛ حتى اضطر في مراحل متعددة أن يعارض نفسه بنفسه، وما حدث مؤخرًا في فتوى قيادة المرأة للسيارة، وكيف تحركت فتواه، وفي قضايا عدة، وفي العمق لم تستطع السلفية أن تقرأ النص (القرآن، والسنة) بلسان عصرها، ولا أن تنطلق من قلب وجوهر الإسلام (المبدع الخلاق) الشمولي، وأن تبحر به في ما تسميه ظلمات التطور؛ لتشق عمق جمودها، وتنتج حركة نابضة بالحياة.

إذا كانت الدعوة ذات هدف يدعو لاستجلاب الماضي وإسقاطه على الحاضر، فأنت أمام حاضر (ميت).

وضع الربيع العربي الجماعات والحركات وأوطانها أمام اختبار حقيقي، تجربة عملية، واحتراق كشف النقاب عن حقيقة الموروث الذي تحمله هذه الجماعات، صحته نضجه إمكانية تحقيقه، صدقه وإخلاصه لعقائده وقيمه وأهدافه.

منذ تاريخ طويل تتغنى الأمة بماضيها ومقدساتها وآلامها وقادتها وصراعاتهم الداخلية والخارجية.

ما تحدثه هذه الحركات يلامس الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية والحياة الاجتماعية، و(السلفية) كما أسلفت جامدة أمام مجتمع تعصف به رياح التغيرات، وأمام جيل متحرك، إن لم يتجه نحو الاتجاه الصحيح ويتحرك ويوازي ويواكب فسينفجر ويفقد هويته.

الحقيقة أن في الإسلام دائرة صلبة: العقائد، العبادات، المحرمات القطعية، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. الكافرون. وهناك الدائرة المرنة: الوسائل والأساليب والسياسة الشرعية التي يناوِر فيها السياسيون: امحُها يا علي، اكتب محمد بن عبد الله.

الخوارج ومن ينتهج فكرهم جعلوا من الإسلام دائرةً واحدةً صلبة؛ فتكسَّروا؛ لأنهم لا يستطيعون المناورة، فينزلقون في مزالق التكفير والتبديد. والمرجئة جعلوا من الإسلام دائرة واحدة مرنة؛ فتميّعوا ومناوراتها تكون على كلّ الدوائر فينزلقون في مزالق التشدد والتضييق في جانب التعامل مع الحضارات الإنسانية والمنتج البشري المدني ورفض الإفادة من الوسائل بناء على اختلاف الأصول العقدية كمن يرفض تناول العسل لما أصابه من لسع النحل والقاعدة الضابطة لهذا الأمر، التفاعل بلا ذوبان والخصوصية بلا انغلاق.

حركات أو جماعات الإسلام السياسي

تجربة طويلة مختلفة ومتنوعة من أقصاها، وما حمله أبو الأعلى المودودي في مشروعه الدعوي الذي يتوجه رأسًا لضرورة المشاركة في العمل السياسي وإحداث (انقلاب)، يرفض كل حاكمية غير حكم الله وتشريعه، كانت على مدى متفاوت انحصر فيه دور هذه الجماعات في الصراع مع الدولة، مع ما حملته من رسالة دينية تربوية روحية، تعزف على وتر الغربة، وتملأ حيز فراغ تركته قطيعة هذه الدول مع إرثها الديني، وذاك الحنين للماضي وإيجاد مشروع حركي عملي يلامس بعض نواحي دولة الإسلام البعيدة في جوهرها القائم على بناء أمة ودولة دينية خاضت معاركها في سبيل تحقيق أهدافها، هي: دعوة محمد عبده، ورشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني.

رسالة جماعات الإسلام السياسي التي حملتها قادتها البعيدة تبدو نقية هناك، ثابتة وراسخة واضحة الأهداف، أما اليوم فمن المجحف أن نطال بعض هذا الإرث الطويل وننسف كل محاولاته للخروج بالأمة من أزماتها.

قيدت جماعات الإسلام السياسي نفسها ووضعت تجربتها في محرقة الصراع مع الدولة، فلم تنفك تخرج من هذا القيد، الذي ساهم في صناعتها بطريقة غير مباشرة عبر فترات انقطاعها مع تلك القيادات البعيدة لم تجدد نفسها، ولم تراجع دعواها، إلا داخل قيد الصراع مع الدولة.

ما الذي قدمه صراع الإسلام السياسي مع الأنظمة الحاكمة؟

بعض هذه الحركات تنظر لهذا الإرث من الخسائر المتراكمة، رصيد تضحيات،ولوحات شرف لمسيرتها، تهجير وسجن وإعدامات ونفي، وكل صنوف الإيذاء، ولم تشهد تبدلًا كبيرًا في توجهاتها، بل تنتهي لتعود مجددًا تحمل نفس الدعوة، يبدو أن هذا الإرث التراكمي من الهزائم وبالتحديد في نهايات القرن الماضي خرج لنا دعوات وجدت أرضًا صلبة في خسائر أقرانها انتشرت وتغذت بها لتتمخض عنها (السلفية الجهادية) بصورها المتعددة، عنف يقابله عنف.

وجدت هذه الحركات نفسها أمام اختبار الربيع العربي فاستخدمت موروثها البعيد، رغم اختفاء وضعف قياداتها الحالية وهشاشة دعوتها واتباعها، فانزلقت سريعًا، وفقدت ما اكتسبته بصورة أسرع.

الإسلام الاجتماعي

دعوة يختلف منهجها وأثرها، وعمقها التربوي والروحي والحركي. في عمقها صوفية تتدرج في مسالك العشق والوجد والشوق، إنك لا تكاد تبرح من فضاء الألم والمعاناة وهم الأمة، الذي تحمله هذه الدعوة، وينثر رحيق تجربتها في (الغرباء) و(نحن نقيم صرح الروح ) و(الضاربون في الأرض)، تنطلق من بناء الروح وبث الحركة فيها وتربطها بماضيها وتنقلها سريعًا في ميدان الواقع، وتقاربها من تجارب فلسفات الغرب وروحها النقدية؛ لتصافح عن قرب وتدعو في رسالتها العملية لتبني العلم وسائل التقنية الحديثة.

دعوة فتح الله كولن

أيها الشاب! توقف هنيهة، عد إلى داخلك لحظة، أنصت إلى أنفاس قلبك ونسمات روحك، اشحذ همتك، وتهيأ لمحاسبة نفسك، انهض مع فجر الإيمان الذي بزغ في أعماقك. ابدأ في هذا الدرب باكتشاف نفسك أولًا؛ ستشعر في كل خطوة بحقائق نسيتها، وكأنك تتذكرها لأول مرة، وتغوص في عالمك الداخلي من عمق إلى آخر حتى تنتهي إلى بُعدٍ فسيح من السكينة. وتتلألأ الأنوار وألوان الرضا تبتسم في كل نواحيه.

على كل من يرغب في أن يكون حمّالًا لفكرة خدمة الإنسانية أن يعلم أن مهمته مقدَّسة، وسفره طويل، ومسالكه عصيّة، وأنه إذا سار في هذا الدرب، فسوف تعترضه ألوان شتى من المصائب والأهوال، ويُباغته الموت بوجهه الكالح في كل منعطف.

إن كل شيء بلا تجديد يفنى ويتلاشى بلا انبعاث مرة أخرى، كذلك الإنسان ينبغي أن يجدد نفسه. فالدول والأمم بقدر تجديدها لذاتها في عمقها الفكري والعاطفي، وفي حياتها القلبية والروحية وتدفّقها فتوة وشبابًا، تتأهل لتحمُّل مسؤوليات كبرى على مستوى المعمورة، وتغدو جاهزة لفتح العالم. أجل فتح العالم من خلال إثراء العلوم بنور البصيرة، وتزويد التكنولوجيا بقيم الإيمان ورسائل تمكنها من الانبعاث، ولكن حذار من الخلط بين تجديد الذات والهُيامِ بكل محدَث جديد أو الشغف بكل تقليعة مبهرة. فالتجديد الثاني ليس إلا محاولة لإخفاء التجاعيد بوضع طلاء على حشودٍ سَرَى في وجوهها التمزق والتآكل، وامتد إلى جميع أطرافها. أما التجديد الأول فسعي حقيقي لإرواء المجتمع بماء حياة من معين الخضر، ومنحِه سمةَ الخلود إذا استطعنا أن نستثمر العلوم في تقدمها الهائل، والتكنولوجيا في إعدادها لنا إمكانات جديدة أفضل ما يكون الاستثمار، وتمكنّنا من أن نلتفت إلى أعماق قلوبنا بالمجهر في أيدينا مرة بعد أخرى، نرصد مشاعرنا وأفكارنا، ونتتبع تصوراتنا ورؤانا، ونضيف معاني جديدة إلى خلية العرفان الكامنة في قرارة أفئدتنا كل يوم.

عبقرية كولن؟!

خدمة إنسانية، هي ليست منظمةً أو تكتلًا كما يصفها كولن، بل انبعاث الروح المسلمة بين جوانب الحياة الاجتماعية والإنسانية التي نحياها.

كان المنبعث الحقيقي وراء نجاح دعوة كولن في تأسيس المئات من المؤسسات التعليمية داخل تركيا وخارجها، ترتكز على التعليم الذي ينهض بالأمة التركية، وهذه المؤسسات لها سمعتها العلمية المرموقة وحققت نجاحات كبيرة.

ملء الفراغ الإنساني الذي تجاهلته بعض الدعوات وخلق بيئة شمولية متحركة بتعاليم الدين وقيمه ومثله والحياة بها وسط مجتمع ذي طابع علماني، وعدم الدخول في مواجهات مع السلطات في بداية وأوساط دعوته جعلها تنمو وتمدد إلى أن تشكل تيارًا كبيرًا جدًا يصل إلى حد وصفه بالكيان الموازي. والتيار الذي وصفته الأوساط العلمانية بأنه الأكثر خطرًا على العلمانية؛ لأنه يمتد بهدوء، وعبر مراحل؛ حتى كون قاعدة اجتماعية كبيرة جدًا يعزى لها نجاح الإسلام السياسي ووصوله للسلطة كما يقول المحللون، وما جمعه مع رأس السلطة الحاكمة اليوم في تركيا ليست مجرد صداقة كما يقول البعض أن كولن هو أستاذ أردوغان.

كولن استطاع بحركة (خزمت) أو خدمة أن يلامس جوهر الدين في البذل وتقديم الخدمة للمجتمع دون أي مقابل كما يقول (لن تجدوا معنا ثمن أكفاننا حين موتنا)، وفتح باب الحوار مع الغرب، فكان له لقاء مع بابا الفاتيكان حول حوار الأديان، وله عدة رؤى حول تطبيق الشرع، ويرى أن القانون يجب أن يحترم ويطاع، ويستخدم للمطالبة بالحقوق ويرغب أتباعه في سلوك احترام القانون وإن كان مخالفًا للشرع؛ فسبيل التغيير يأتي بتكوين جيل قادر على حمل رسالة الإسلام نقية غير مشوهة، شمولية تقبل الآخر وتتحاور معه، وتحل قضاياها باستخدام الدبلوماسية.

هنا تكمن عبقرية كولن الذي خرج من تأثير محرقة الصراع مع السلطة وحمل رسالة (خدمة)، وسعى لنشر القيم والمبادئ والأخلاق، عبر مؤسساته ومؤلفاته وكتبه وخطبه، وبإدارة حركته لأكثر من 1500 مؤسسة تعليمية إضافة إلى 15 جامعة في أكثر من 140 دولة، قوة العلم والفكر والمعرفة، والحركة مع متغيرات العصر ويقين إيماني روحاني يحمل بين جنباته روحًا تمتد للبعيد، ترتكز فهمًا وعلمًا وعملًا على فهم النص، تكابد ما كابدوه من الآلم وسط غربة ينشئون بها قلاع الماضي بلبنة الحاضر.

(خدمة إنسانية) جمعت اليقين والعمل بساحات أكثر اتساعًا وبفضاء أكثر شمولًا، وكانت سببًا من أسباب نهضة تركيا الحالية رغم ما تعرضت له من هزات مؤخرًا، ولكنها عادت وتمسكت بقيمها وآثرت استخدام القانون ضد الظلم مثلما يقول زعيمها محمد فتح الله كولن.

تجربة تحتاج إلى صدق وإخلاص، وحري بنا الاطلاع عليها والنظر إليها بإنصاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • إشكالية الفكر العربي المعاصر دكتور محمد عابد الجابري

  • الغرباء فتح الله كولن

تعليقات الفيسبوك