نصف عام مرت لندخل النصف الثاني من عمر نهوض قوة خاملة لطالما خدرها «مقعد»، حررت الجزائر والجزائريين فرادى وجماعات ومؤسسات كانت تحت قبضة نظام اختلف فيه الساسة والمنظرون في تصنيفه، لكن لا يعدو أن يكون إلا مزيجًا من الاستبداد والتسلط، استعبد مهندسه قبل المواطن البسيط. سمي نهوض العملاق الذي طال تخديره بالحراك الشعبي، والذي كان ضد الاستفزاز والاستهتار لا ضد الظلم والعبودية، الذي كان سياسيًّا خالصًا لا بمطالب اجتماعية.

الجزائريون أخرجتهم السياسة وتوقهم إليها، لا بطونهم الجائعة أو جيوبهم الفارغة، هم نفسهم الذين أخرجتهم الروائح النتنة التي كانت تنبعث من أعالي المرادية ليصل صداها حتى آخر نقطة من قرى ومداشر الجزائر العميقة. ولا يزالون مختلفين لكن جمعتهم كلمة رحيل ما تبقى من سلوكات وذهنيات الفساد لا الرموز والأشخاص، لأنهم وعوا أن الأهم هو كيف نحكم وليس من يحكم.

دماغي كان كدماغ باقي الجزائريين مقولبًا ومتمركزًا، فكوني ترعرت في مدينة صغيرة على غرار كل المدن التي تقتل روح المبادرة والاندفاع، شاء القدر وأن نقلني إلى العاصمة بل وأكثر من ذلك أن تصادف وجودي بها مع مرحلة مفصلية في تاريخ الجزائر السياسي، فما إن مكثت حوالى أربعة أشهر حتى اندلعت شرارة القوى والضمائر الحية ضد نار ترسيخ العفن و«العهدة الخامجة» كما اصطلح عليها، بفضل مهندسين –تلك الشرارة- لطالما وهبوا حياتهم لنصرة قضية لا يمكن وصفها إلا «بقضية وطن». ولا يزالون بالشوارع متمسكين، وكان لي الشرف أني تلقنت على يد أحدهم أدبيات عدم الرضوخ، كيف لا وقد اجتمعت فيه «خصال أبوة النضال».

أذكر أنني في بدايات شهر فبراير والدعوات تتعالى عبر صفحات «فيسبوك» للنزول إلى الشوارع، كنت عائدًا مع صديقي في الثانية صباحًا والسماء تمطر بغزارة من الميناء بعد أن عملنا في شحن مقطورات الموز، وبالتحديد على مستوى معقل «الحراكيين» البريد المركزي، استوقفتنا ثلاث سيارات للشرطة طالبة منا وثائق الهوية ومحاولة تفتيشنا إلا أننا رغم تلك الرهبة والخوف الذي تملكنا حاولنا عدم الانصياع لهم، لكن القليل من الحكمة كان فاصلا لأن القاصي والداني كان يدرك أن الجو لا يسمح بالتعنت وهو مشحون أكثر من أي وقت مضى.

بعد 22 فيفري (فبراير) وهو يوم سعد الجزائريين، تغيرت نظرتي على غرار كل الجزائريين إلى الشرطي، فلا هو قد يحاول استفزاز مواطن أعزل ولا الأخير قد يتعرض إلى الأول، فالمواطن أدرك أن التغيير ممكن في ظل الحفاظ على مؤسسات الدولة وعلى رأسها الأمنية، والشرطي أدرك أن الوضع لا يسمح بتجاوزات في حق أخيه، لأنهما يتقاسمان نفس الهم ونفس الوطن ونفس المصير، فالأجواء تغيرت وتلك المخاوف الزائدة حول أجهزة الأمن تغيرت كلية.

خامسة المخلوع علمتني أن أكسر كل قدوة قد آلفت أن أضعها على ناصيتي، فلا ذلك الأستاذ، ولا ذلك الجمعوي أو النقابي ولا ذلك الإعلامي قد أتبع بعد الآن، لأن جرعة من الجبن بلعوها وبجرعة لم تكن عهد «سارق الكاشي» قد تجرعوها خوفا أو طمعا، وقد كنت أتنماه جهلا. فالناس في 50 مسيرة أو أكثر والمخلفون إلى الجبن يستندون.

علمتني خامسة المخلوع أن سنة التدافع حقيقة تاريخية لا مفر منها، وأن التغيير آت لا محالة، فمن يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس إلى قلبه كما قال أحدهم، فقد كنا بالأمس نلبي نداء أن أنقذوا الجزائر وأحسننا ظنًا لم يتوقع نهاية «المقعد» في ما آلت إليه البلاد، أكثرنا تفاؤلا لم يتوقع أن نجتث «الخامجة»، لكن شاءت الأقدار أن أجهضت، وأجهض معها مشروع التمديد وندوته وسحبت جموع إلى معاقل الفساد والخراب، وما أدراك فوزير السجون بالحبس.

الجامعة كان لها نصيب كبير في هذا التحول الذي عرفته هذه الأرض، ففي الوقت الذي كان فيه أساتذة يخوفون فيه طلبتهم ويكبحون جماحهم ويذكرونهم بويلات مضت، جعل الطالب وثبته تتعدى كل أستاذ رعش وهن، تعلمه معنى الجهاد ومعنى أن تكون ذا قضية. بعد نسائم حركة شاب مقدام، صار الأستاذ يشري وده، حيث لم يكن بمقدوره أن يبرر فعلًا أو أن يصدر ضجيجًا.

خامجة المخلوع أوضحت للعالم أن الجزائري لا يثنيه قر فبراير ولا حر أوت (أغسطس)، ولا تصرف نظره فرحة منتخب أو حفل مطرب في سبيل الذود عن بلده.

النخب وما أكثرهم، لكن.. أكثرهم للحق كارهون أو من العصبة الجديدة يترقبون أو قد تكون إلى مضجع الذل يركنون، بالأمس رأيت فيهم قدرة على الصياح والصراخ في وجه المقعد وشقيقه لما اشتد حاله، واليوم لما اشتد ساعد الأخ الأكبر، أدرك أنه لا ريب في قواه، وأبدى قدرة عجيبة على التأقلم وتشويه القلة الباقية والثابتة على خطى وروح 22 فبراير. فلا أمن ولا أمان بعد الآن ممن ادعى أنه نخبوي أو مثقف.

علمتني الخامسة أن مكافحة ما يسمى بالفساد لا يختلف عن ما سمي بمكافحة الإرهاب يومًا، وأن بالأمس ركنت بسبب «الدولة واعرة والنظام واعر»، لكن لن أركن بحجة «راهم عارفين وش يديرو»، فلا تبرير إلا للشعب ولا فاه توجه الآذان إليه إلا فاه الرعية.

بعد دخول كفاح شعب إلى شطره الثاني من موجة تحرره، أدركت أن مشكلتي ليست مع النظام بعد الآن، وإنما مع الشوائب التي خلقها والطفيليات التي غذاها خدمة له وصرفًا عن خيار الحراكيين، أدركت أن تلك المبررات الواهية والواهمة التي جاء بها دعاة التطهير هي عين نضالنا ومكمن كفاحنا، فلو تكاثفت الجهود على التمكين من تصدع الرهط الجديد لخرجنا من أنقاذنا، ولخطت الجزائر خطوة جبارة في حل العقدة، تبدأ بانتخاب قائدها من آهات وصيحات المحرومين بالجنوب والهضاب، لتنتهي بجزائر تبهر العدو قبل أن تحقق حلم ابنها.

ورغم كل شيء، يبقى أعظم إنجاز حققته إلى حد الآن هو كسر حاجز الخوف والدخول إلى حلبات التدافع السياسي، فشتان بين الأمس واليوم، فأمس «مقعد 99» كان يهلك الحرث والنسل واليوم بين مزابل التاريخ وجدران الحباس يقبع هو ورهطه الآثم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد