بعض أفكار الموالاة الباطنية

لم تعد «العهدة الخامسة» مجرد توافق سياسي للموالاة في الجزائر، ولم تعد مجرد أمنية، بل حقيقة سياسية قائمة بذاتها عند «الائتلاف الرباعي ناقص واحد» والذي أنشئ بحصرية للمضي بالاختيار الانتخابي الرئاسي ضمن العهدة الخامسة أينما كانت صيغها المهم الإبقاء على الاستمرارية فيما يمكن تسميته بالإجماع البوتفليقي.

فغدت كذلك مند مطالع هذا الشهر النوفمبري الشتوي عقيدة ثابتة لا يشوبها شك، ولا يرقى لها ظن، على الأقل ضمن الأمناء العامين للائتلاف الرباعي الذي سقط منه «جمال ولد عباس» الذي استقال على عجل، تاركًا الكثير من المسارات ولم ترُم بعد مبتغاها الاستقراري.

فقد قضى الأمر بما يروم الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» أنه ماض نحو استحقاق انتخابي رئاسي خامس بسم المرادفة الأكثر شهرة «العهدة الخامسة» والتي هي للتذكير ليست سوى «العهدة الثانية» بمقتضيات الدستور الجديد.

وأغلب الظن بين جميع وجهات الرأي والآراء والتحليلات من خارج الموالاة، أن هذه الأخيرة «الموالاة» ليست تمامًا على قلب رجل واحد رغم الائتلاف الرباعي ناقص واحد! وأن ما قاله أحد أقطاب الموالاة المستقيل من البرلمان مؤخرًا، يشترط المضي بالعهدة الخامسة إلا بعد حل البرلمان مما فسر على النحو الذي ذكر. فيما جاء مقترح غريب عجيب من أحد أقطاب الموالاة «لم لا تكون العهدة الخامسة فترة انتقالية تحت إدارة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة».

ودون الخوص في الفكرة برمتها بدا ما قاله دليلًا قاطعًا بأن الأمور ليست متوحدة كفاية بالوجه الذي تبديه الموالاة والائتلاف الرباعي حول جدارة المضي السياسي الجماعي نحو استحقاقات «العهدة الخامسة».

علاوة على ما يرشح من الإشاعات والأخبار المتداولة على أن اعتقادًا وإن أفكارًا قد أبرمت، وتقال داخل المكاتب حيث اللقاءات السياسية التي تثير موضوعًا رئيسيًا وهو الرئاسيات المقلبة، فقد نقلت تباينات في الرؤى لما يمكن أن تمثله العهدة الخامسة سياسيا في الأعوام المقبلة بعد انقضاء الموعد الانتخابي.

لأن الصورة ليست بالوضوح أمام «المكاتب الوطنية لأحزاب الموالاة» باستثناء الاختيار الذي لا رجعة فيه، أن العهدة الخامسة هي الاستمرارية مع الرئيس الحالي. فما عداها ليس إلا شذرات من «الاعتقادات الفاسدة» التي يمكن تعريفها على ذاك الاشتقاق التراثي العربي الإسلامي، وأنها أشبه بالاعتقادات الباطنية في الزمن الأول!

لكن هنالك لا ريب استثناء جزائري تدركه الموالاة والمعارضة قبل غيرهما والذي يحول دون التصريح بجوهر التحديات المستقبلية! أو ربما ينتظران الوقت المناسب بين حظوظ أو خطوط العهدة الخامسة، وفى خضمها للإعلاء بجدارتها، أو قولها تحت طوائل سحبها من التداول السياسي، على قاعدة أن الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» لحد كتابة هذه المقالة لم يعلن ترشحه.

الرئيس ولم يقل أنه ينتوى تقديم أوراقه الاعتمادية لخوض الرئاسيات المقبلة، وإن كان الرئيس عادة يعلن عن ترشحه في الشهر الأخير في حدود منتصف شهر مارس القادم، في أغلب الظن.

ومن الظنون أيضا أن رئيس الحكومة «أحمد أويحيى» تكاد تقفز من وجهه رغبته القديمة الجديدة في اعتلاء كرسي المرادية رئيسًا يومًا ما، وهي رغبة تشتد أكثر وأكثر بل وتقرأ بوضوح أكبر عند جولاته الدولية في المحافل والمناسبات، أين يتبدل أسلوبه ولغته كما حدث في احتفالية القرن للحرب العالمية الأولى بفرنسا، ثم إن المناضلين «الأردنيين» من حزبه لا يخفون هذه الرغبة، بل يتمنون ذاك اليوم العظيم بفارغ من الصبر العظيم، ولعل الوفاء والالتزام الذي أبداه طوال العهدات البوتفليقية الأربعة المنقضية كانت لأجل رجائه الرئاسي الذي يتحضر له مند أواخر جلوسه على الكراسي الحكومية عند منتصف التسعينيات من القرن العشرين، وعلى قاعدة أنه بعد الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» لا أحد لها سوى «أحمد أويحيى» ولا أحد يستطيع مجاراته ضمن منطق السلطة والتي بالنسبة له كل شيء يجرى داخل أطرها الحكومية، لأن الأطر الشعبية يدركها قبل غيره أنها تنقصه، فلو قيس أنصاره ومناضلوه من حزبه بالأغلبية الصامتة لما شكلوا فارقًا يذكر، ولو قيس أنصاره بأنصار «فيس الأحقاد» المنحل مثلا لأضحوا غثاء لا حوة ولا قوة له.

في المقابل يقف الأفلانيون من «حزب جبهة التحرير الوطني» على قاعدة جديدة قديمة، غدت لا تراجع عنها، وهي أن الرئيس لا يكون إلا أفلانيا أو لا يكون. لأجلها تروج أقاويل وتعليقات وإشاعات أن حزب الرئيس فصل في اختياره خارج العهدة الخامسة لو سمح الله، وأن وزير العدل يؤهل ببطء تنفيذًا للفكرة الباطنية والتي لا ترى بديلًا رئاسيًا خارج حزب الرئيس، سيما إذ تعلق الأمر بشخص «أحمد أويحيى».

وخارج الموالاة عند المعارضة قوة المعارضة محسوبة بدقة متناهية، علمًا بأن الأحزاب المتبقية داخل الموالاة ليست لها من الجدارة السياسية والانتخابية كي تخوض رئاسيات خارج الحزبيين المهيمنين في الجزائر، لأنهما ببساطة سياسية وواقعية انتخابية سوف يتحالفان ضد الجميع.

وأغرب ما سمعت مؤخرًا من الإشاعات التي تملأ الشارع الجزائري أن الرئيس القادم في حالة امتناع الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة» عن الترشح، لن يكون أفلانيا. وأن «حزب جبهة التحرير الوطني» المعروف اختصارًا في الجزائر بـ«الآفلان» سيرغم على تبنيه ضمن الاختيار التوافقي نفسه الذي عين بموجبه الرئيس الحالي، وهي فكرة لها أصداء في الأوساط النضالية القاعدية من الموالاة، ربما نزوح للتغير مجددًا، وتفاديًا للاسمين الأكثر إثارة للجدل «أحمد أويحيى» و«الطيب لوج» على مقاسات تختلف من أحدهما إلى الآخر، استقالة الأمين الوطني العام للآفلان «جمال ولد عباس» مؤخرًا أوضحت أن هذه المعادلة الثنائية بتأثيرات زلزالية في السياسة الجزائرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد