إن فيلما كـ “Fifty Shades of Grey” يبدو من قراءة مراجعات النقاد التي كٌتبت عنه و استعراض مقالات الرأي التي تناولته بالنقد و التحليل كما تناولت الرواية المأخوذ منها قصة الفيلم والتي كانت في مصاف الروايات الأكثر مبيعا في نيويورك للكاتبة الأمريكية E. L. James،  جميعها تُعطي إنطباعا على أنه فيلم من نوعية “البورنو – Porno” وقد يصاب أي شخص طبيعي أثناء مشاهدته بالتقزز و الرغبة في إغلاقه على الفور! بورنو1               بورنو2     (1)   المشكلة الأولى، وهي الأكثر تفاقمًا، هجر الأطفال حديثي التكوين والنفسية بين يدي المربيات/ دور الحضانة/ الغرباء/ الأقارب غير المؤتمنين أخلاقيًّا، وإلى غيره من أمكنة وأشخاص يتخذ منهم الشيطان “أحيانًا” مقرًا لمنتجعه. وهي نتيجة إما لانشغال الوالدين وخاصة الأم بالعمل والدراسة، أو الإهمال الأخلاقي بين أفراد الأسرة الواحدة. في الفيلم، تعرض البطل لإيذاء جسدي جسيم وهو طفل من قبل مربيته جعل منه “ساديًّا” أو ما يطلق عليه “Sex addict”، ولكن بطريقة رهيبة تمعن في الإيذاء الجسدي لشريكة المضاجعة، وهو ما يحاول أن يجد له منفذًا، ربما قصد صناع الفيلم تجميل الحقيقة المشوهة عبره، باختيار الشريكة التي ترتضي مثل هذا الجحيم والاتفاق معها على شروط تمت صياغتها في “عقد” تستطيع من خلاله التعديل في شروط “الضرب أو الإيذاء”. وفي اختياره لفتاة تبدو “ساذجة” وقليلة التجارب عمل مزدوج يحقق له مراده النفسي، فهو يريد ضحية وليست شريكة، وإلا انهار قرميد في البناء الذي يرنو للحصول عليه. “إيذاء جسدي لشخص قليل الحيلة + موافقة = استمتاع”! في الحقيقة تبدو المعادلة غريبة أو غامضة، لكن في حديث ودي بين البطل والبطلة في الفيلم بعد قيامهما بما اشترطه العقد، أخبرته “أن تلك المربية كانت لئيمة وأنها مارست معه Child abuse (*)”، لكن في رد غير متوقع من البطل الذي في قراره نفسه يلعن تلك الذكريات المريرة التي تبدو آثارها كندوب على جسده وكذلك نفسيته، يجيبها “لكني قد أستمتعت حقًّا”! تشير إحدى الدراسات الأمريكية أن الأطفال الذين يتعرضون لحوادث اغتصاب في صغرهم (ذكر/ أنثى) تترسخ في نفوسهم رغبة ملحة في إيذاء الذات والآخرين معًا! لكن مع قلة الحيلة على الإيذاء فيجد أن ممارسة الجنس مع الغرباء شيئًا قد يحقق له مراده! فهم سيكبرون إما مرضى نفسيين (مدمنيين على إيذاء الذات) أو Sex addicts (*). وربما حتى لا يصاب النقاد بمتلازمة “التصنيف”، كان خيار جعل “كريستين” بطل الفيلم رجل بطبعه شهم وحساس وقادر على حماية البطلة الساذجة المحتاجة لرعاية دائمة “أنستازيا”، بل وقادر على جعلها تشعر تجاهه بالحب لازمًا لكسب تعاطف الجميع!! نعم حب! كريستين لم يخدع أنستازيا ويستدرجها لمطارحة فراش “مبرحة”، بل أطلعها على سره في هدوء وعرض عليها “العقد” وكل امتيازاتها المادية والمعنوية، والمعنوية هنا نقصد بها “ماهو شبيه الحب”، فهي تسأله: ? And that will make you love me فيجيب: – I will be devoted to you! والـ devotion/ الإخلاص (معنوي/ مادي) لـ “كريستين”، الطفل المتأذي جنسيًّا في صغره، أعظم مكانة من مجرد “حب”! الشاهد أن التعقيد النفسي الذي يعانيه “كريستين” كان لزامًا عليه كـ”رجل متحضر” أن ينقله “بتحضر” لشريكته، حتى لا يقعا الاثنان تحت تصنيف “المازوخية”، ولكن “الاستمتاع المتبادل” وهو بالضبط ما عانى منه صغيرًا، “استمتاع رغم الخطأ”!   بورنو3 وهذا ما ينقلنا سريعًا لمشكلتنا الأولى التي طرحناها في بداية الحديث، انشغال الأم عن أبنائها واضطرارها لتركهم في أيدٍ غير أمينة بالمرة كالمربيات أو ربما حتى أقارب! بعض النماذج التي عاصرتها بنفسي هي حالة أم لا تعمل ولا تدرس ولكنها تظل منشغلة طوال اليوم عن أولادها إما بالهاتف أو النوم أو النزهات! بينما أطفالها ترعاهم خادمة صغيرة السن! وتلك للأسف نماذج نشهدها بشكل مخيف في المجتمعات الخليجية على وجه الخصوص!   (2) المشكلة الثانية التي نحن في حاجة لمناقشتها من خلال أحداث هذا الفيلم هو كيف نعلم أبناءنا التبليغ عن أي تنمر يتعرضون له! التنمر أو الـ Bullying (*) لا تنحصر أشكاله بين أقران المدرسة التي يتنمر فيها التلميذ الأقوى وجماعته على الأضعف! بل إن له أشكال متعددة وكثيرة، كتنمر الوالد على ولده، أو الوالدة على ولدها، أو الزوج على زوجته، أو الزوجة على زوجها، وما إلى ذلك من أشكال متطورة وأنماط تثير بقلوبنا الرعب من مجرد التفكير في الاحتمالات! لكن أقرب الأنماط لأذهاننا نستطيع إدراجها فيما يلي: أ) الطفل “الذكر” الذي يتعرض لتنمر والده والصياح فيه ليل نهار وعدم سماع رأيه والتسفيه من قوله، سيكبر حتمًا وبداخله شخص مشوه في حالة دائمة من عدم الوثوق بالنفس وفي حاجة مستمرة لمن هو أضغف منه لكي يمارس عليه ما هو مكبوت في نفسيته من تنمر! وهو شخص بالتأكيد لن يتزوج من فتاة لها شخصية تفوق قدرته على التنمر! ب) الطفلة التي تتعرض للتنمر والإيذاء الجسدي من قبل أحد مدرسيها بالمدرسة/ الأقارب في العائلة… إلخ، ولا تستطيع إبلاغ أحدهم عما تعانيه من شدة الخوف الذي يبثه فيها ذلك المتنمر! ج) الزوجة التي تتعرض لتنمر زوجها من ضرب أو إهانة أو قهر (سحق للشخصية)، وهي في حالة إنكار للذات ولتعرضها للإيذاء اللفظي/ الجسدي/ الجنسي وفقًا لما يلقنها إياه زوجها المتنمر من حفاظ على الحياة الزوجية والأولاد و… إلخ. د) حتى في أطر علاقة الأحبة أو الأصدقاء، هناك متنمرون يجعلون هدفهم دائمًا الشخص الأكثر انسياقا ومطواعية حتى يمارسون عليه إيذاءهم (ليس شرطًا أن يكون إيذاءً جسديًّا) بكل طريقة ممكنة. هـ) الذي/ التي (في أغلب الأحوال هي فتاة/ امرأة) يتعرضون للتنمر على الإنترنت والتهديد بالعلاقات السرية أو الصور أو المعلومات الشخصية وما إلى ذلك، والضغط عليهم باستمرار لممارسة الجنس أو تلبية أوامر المتنمر على اختلافها، وهو نوع من التنمر بلغ ضحاياه، الموثقة أعدادهم، بالمئات من المنتحرين والمنتحرات خلال عام 2014 فقط (*).   ففي الفيلم وعقب ما يشرح “كريستين” لـ “أنستازيا” بشكل حضاري مراده منها تشرع الأخيرة في الاستعانة بجوجل لتتعرف على أحد المفردات التي تكررت كثيرًا بالـ “عقد” وهي “Submissive”(*) (أي الشخص الذي يوافق على إيذائه جسديًّا من خلال الجنس/ وهي لفظة مختلفة عن Sex Slave لأن الأخيرة تعني الإيذاء الجنسي بدون موافقة)، فهالها ما رأت من صور بشعة لصور فتيات مقيدات بأساور حديدية وجلود ومضروبات بخيزرانات وما إلى ذلك من أدوات سبق أن رأت مثيلاتها عند كريستن والذي خصص لها غرفة سرية لا يمتلك سواه مفتاحها سماها “غرفة اللعب أو The Play Room؛ فأسرعت برفض التعاقد مع “كريستين”، لكن “كريستين” جسد شخصية المتنمر “الناعم” (من يجعلك تنفذ رغباته المريضة برضا كامل منك عن طريق الرعاية والاهتمام الكبيرين!). بورنو4 ويبدو أن حتى “أنستازيا” تعاني أيضًا من إهمال مزمن، ومع الوقت لا تجد غضاضة في الوقوع بحب “الجلاد”، وهو ما يسمى الـ BDSM relationship (*)، ويختلف عن متلازمة “ستوكهولم”(*) لأن في الأولى: إدراك لخطورة الجلاد + استمتاع + القدرة على التوقف! أما الثانية ينقصها الإدراك تمامًا، ويتذبذب الاستمتاع فيها بالمزاجية وعدم القدرة على التوقف! أنستازيا كانت متألمة نفسيًّا لأنها كانت متوقعة أن تعالج التشوه الحادث في نفسية “كريستين” بالحب، ولكن بالرغم من ذلك لم تفلح وانساقت بعاطفة اللاختيار نظرًا لشخصية كريستين الرائعة للولوج في هكذا علاقة جسدية يعتريها المرض! ولم تستطع أن تخبر أحدًا عما تعانيه، ربما ليس تنمر هنا بالمعنى الحرفي لأنها وافقت بإرادتها على الإيذاء الجسدي، ولكنه يبقى تنمرًا! إن ممارسة قوة الشخصية على من أهم أضعف نفسيًّا/ جسديًّا/ شخصيًّا فيما لا يخدم مصلحتهم يُعد تنمرًا، وعلينا أن نحمي أولادنا منه ونعلمهم المصارحة وعدم الخوف من عواقبها مهما كانت وخيمة! بورنو5 بالأخير كريستين كان رجلًا طيبًا يقف على أرضية أخلاقية نوعًا ما، لكن ليس كل التعساء الذين تعرضوا للتنمر في العالم محظوطين كحظ “أنستازيا” التي – وفقًا لمعايير الـ feminism “النسوية” التي لزم على المخرج إظهارها في وقت غير متوقع بالفيلم- تفلح في مغادرة الوغد “كريستن” للأبد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات