تنبأ “فريدريش نيتشه” في آخر كتبه، إرادة القوة، أن القرن العشرين سيكون قرن الحروب الكبرى. يتبع هذا الاستنتاج قوله بموت الإله كتعبير عن نهاية عصر اليقين وسيادة النسبية: في غياب أي مسند للحقيقة، لا تتبقى إلا القوة كوسيلة وحيدة لفرض الحقائق. سيادة النسبية لم تحقق التسامح كما توقع البعض، اكتفت بتغيير أدوات الصراع حول ما هو حقيقي. أصبحت سيادة حقيقة ما في أي عصر دالة في قوة من يتبناها. المفارقة مثيرة للاهتمام: لم تجعل النسبية العالم مكانًا أكثر تسامحًا، لكنها، تحديدًا لكونها قد ميعت كل الحقائق، قد جعلت أداة الصراع الوحيدة لإثبات حقيقة ما هي القوة.

يمتلئ العالم اليوم بالقائلين بالنسبية. تكتسب اليوم النسبية صيغة جديدة: في عين التاريخ الهائل للبشرية، نحن بلا قيمة، لا معنى لما تفعل لأنه لن يترك أثرًا بالمقارنة بالمنجزات الهائلة الأخرى. تفهم مقولة ماركس اليوم “كل ما هو صلب يتطاير في الهواء” ليس كدعوة لتغيير العالم، وإنما كحقيقة واقعة، العكس التام لما حاول ماركس قوله.

 

تحولت النسبية إلى عدمية مقنعة، لا تعترف صراحة بانعدام القيمة، ولكنها تضع شرطًا مفاده: عليك أن تغير العالم وإلا أصبح ما تحاول أن تفعله معدوم القيمة، ومن خلال استحالة الشرط تؤسس العدمية نفسها مستخدمة النسبية كأداة نزع القيمة عن العالم.

 

في حياتنا اليومية، لا فرق بين القول بعدم القيمة وبين القول بأنه لا قيمة إلا لما سوف يغير العالم. تبدو كل محاولة تجاه أي شيء، في نظر المعتقدين بالنسبية كحقيقة مطلقة (لاحظ التناقض)، تبدو وكأنها محاولة لاستلهام سير غاندي ونيلسون مانديلا، ومن ثم يتهم أصحاب المحاولات بالمبالغة في تقديرهم لذواتهم.

“لن تغيروا العالم، فاجلسوا بجانبنا”، هو جوهر طرح العدمي المتحامي بالنسبية كسند منطقي لموقفه. يبدو السؤال هنا منطقيًّا: من الذي حدد “تغيير العالم” كشرط لقيمة الفعالية في العالم؟ بوضع حجة العدمي في شكلها الأخير، كثنائية جذرية، إما أن تغير العالم بشكل جذري وإما أن تقبل به، تبدو الأمور أكثر وضوحًا.

 

تغيير العالم كشرط لقيمة الفعل هو استبطان لرغبة في ترك كل شيء كما هو. إقامة الشرط المستحيل يحمل بداخله رفض محتويات الشرط نفسه. بطبيعة الحال، لا يمكن الرد على الشرط بـ “نعم سأغير العالم” وإلا بدوت مخبولاً. يكمن الحل في رفض الشرط أساسًا. لا نرغب في تغيير العالم، لا نرغب إلا في رفض أن يهزمنا العالم.

في فيلم سوق المتعة، يعقد البطل “أحمد حبيب أبو المحاسن” صفقة مع الشيطان. بمقتضى الصفقة، يسجن “أبو المحاسن” لمدة معينة بدلاً من أحد كبار المسئولين، سيمنح مبلغًا كبيرًا من المال بعد خروجه، يكفل له ما يعوضه عن سنين سجنه.

يقضي “أبو المحاسن” مدة السجن ويخرج ليجد في انتظاره مصباح علاء الدين مجسمًا في هيئة شخص يعلن استعداده لتلبية كل ما يطلبه “أبو المحاسن”. يصطحبه إلى مسكنه الجديد، شقة لم يدخل “أبو المحاسن” مثلها يومًا.

 

تبدأ المفاجأة عندما يدخل “أبو المحاسن” للحمام الفاخر: يفشل تمامًا في أن يقضي حاجته إلا في دلو، تمامًا كما اعتاد أن يفعل في السجن. لم يعد يجد المتعة إلا في تلقي الصفعات. قيمة العالم لدى “أبو المحاسن” اختفت تمامًا لصالح السجن، حيث تنعدم الإنسانية نفسها بغياب أهم شروطها. حدق “أبو المحاسن” في الهاوية طويلاً وحدقت الهاوية فيه بالمقابل، حتّى سكنته تمامًا.

 

لا يعرف “أبو المحاسن” أنه عدمي، فرض العالم شروطه عليه إلى حد أن حدوث الحياة التي كان يحلم به “أبو المحاسن” طوال عمره أصبح مستحيلاً بسببه هو نفسه، تغير العالم من حوله أصبح بلا قيمة لأن الخواء سكنه؛ وبالتالي أصبحت مهمة منح القيمة للعالم مستحيلة. قد لا يتغير العالم أبدًا، لكن الهدف من الحياة على المستوى الفردي ليس تغيير العالم. يستبطن هذا الشرط الإحباط الذي أدى بالعدمي للانزواء والاكتفاء برمي الحجارة على العالم: جاء احباطه نتيجة صدمة أن ما يفعله لا يغير العالم، فقرر أن يبشر العالم بما توصل إليه لعله يرحمهم من المصير الذي آل إليه.

 

تظهر تلك الحكمة في فيلم Fight Club. في أحد المونولوجات الطويلة لـ “تايلر ديردن،” يتكلم عن الجيل المحبط المكون من أناس “أدركوا أنهم لن يصبحوا نجوم روك”، الإحباط الناجم عن إدراك، هو في الأساس بديهي لدى معظم الناس، أنتج هذه الحكمة الكاذبة، لأنها بديهية أولاً، ولأنها لا تختبر في العالم، على العكس، تكمن قيمتها في الدعوة عن الابتعاد عن العالم. بمنطق العدمي نفسه: لا فائدة لحكمة لا تضف شيئًا للعالم إلا مزيدًا من الاغتراب عنه.

الهدف الأساسي وراء السعي لتغيير العالم هو الإحساس بالقيمة على المستوى الفردي. يمكن النظر للشخص الذي رفض دعوى العدمية كشخص متجاوز للحالة العدمية التي قبع فيها زميله: إدراك انعدام القيمة ليس حجة ضد الفعل، لأننا لا نبحث عن القيمة في العالم، بل نعبر من خلال الفعل عن وجودها بداخلنا، نخلقها خلقًا في العالم ونرفض أن نتماهى معه. استسلام الشخص للهاوية، تركها لتفرض عليه شروطه، يحوله لنسخة أخرى من “أبو المحاسن” وتمسخ كل ما فيه من قيم. لهذا تحديدًا يجب رفض الوضع العدمي الذي تفرضه النسبية علينا.

لا نبحث عن قيم في العالم ولكننا نطبق قيمنا نحن عليه. حتّى وإن كان هذا التطبيق بلا جدوى، فإننا سنجد فائدته في أنفسنا، في ألا ننسى من نحن، وكرفض للتماهي مع ما حولنا، تأسيس الفردية والاستقلال عن العالم هو قيمة في حد ذاتها.

من الممكن النظر لـ Fight Club كأحد أهم الأفلام التي تهزم منطقها بنفسها: لو أنه لا وجود لأي قيمة، فما الجدوى في التبشير باللا قيمة؟ يصدر الفيلم نموذج الشخص المحبط الراغب في تدمير العالم لأنه لم يجد قيمة فيه. لا يكتفي بهذا فقط، بل إنه يتحول لما يشبه النبي ويبدأ دعوة غيره من المحبطين للانضمام إليه بتبصيرهم بانعدام أي قيمة لما يفعلون.

 

يخلط أصحاب الطرح العدمي بين أمرين: الاعتقاد بوجود القيمة في العالم، وهو اعتقاد مستند إلى المثالية التصورية في الفلسفة، والاعتقاد في وجود القيمة بداخلنا. ينصب نقد العدمي على الأولى من أجل تدمير الثانية.

يحاول “تايلر ديردن” تدمير العالم لكي يثبت الحالة الأولى، مع أن العالم ليس القضية على الإطلاق. يعتقد العدمي في كلامه أن صاحب الحجة مقتنع بالوجود المستقل للقيم بعيدًا عن الإنسان، ويبني هجومه على أساس هذا الفهم الخاطئ. لا وجود للشر والخير في العالم بشكل مستقل عن الإنسان، هذا صحيح، لكن لا أحد هنا يحاجج في هذه النقطة من الأساس.

 

 

ينتقل بعدها للكلام عن الإنسان نفسه: وحيث إنه لا قيمة في العالم، فلا قيمة لما تفعل، بعد تبصيره بفقر الكون من ناحية القيم، يبدأ العدمي المتحمس في بيان وجوب التماهي مع انعدام القيمة في العالم بأن نلغي أي معيار بداخلنا للقيم. القفزة هنا ترغب في الانتصار لوضع سكوني في العالم، حيث إننا، بإيماننا بلا جدوى الفعل، نترك العالم لنفسه ليفعل ما يشاء.

 

في نهاية الأمر، يبدو “أحمد حبيب أبو المحاسن” أكثر عدمية من “تايلر ديردن”. لا يعرف “أبو المحاسن” أنه عدمي ولهذا لا يخلق لنفسه سردية كبرى لكي يعيش من خلالها عدميته التي لا يرغب فيها من الأساس. لا يعرف أساسًا أنه عدمي بالتعريف الفلسفي الدقيق للكلمة، كشخص لا يجد قيمة في الحياة بشكلها الحالي، بل ويحاول الهروب من وضعه المزري بلا جدوى.

تايلر ديردن، على العكس من أبو المحاسن، تسكنه هيستيريا التبشير بانعدام القيمة بشكل لا يتناسب مع دعوته الرئيسة لتحطيم العالم المزيف، ليس من أجل عالم أفضل، ولكن كتعبير عن إحباط طفولي تجاه عالم لم يخدم أحلامه. اعتقد “ديردن” أن القيمة موجودة في العالم وليست فيه.

تبدو عدمية ديردن أشبه ما تكون بهيستيريا نفي القيمة عن العالم دون بيان القيمة التي تغذي هذه الهيستيريا وتجعله مصرًا على تحطيم كل ما حوله. يهتم ديردن بالسردية الكبيرة التي يبرر تحت مظلتها ما يفعله ويستخدمها لتجنيد المزيد من الرفاق.

يبدو “ديردن” وكأنه يجتهد في محاولة للوصول إلى حالة “أبو المحاسن”، الذي لا يرغب في تدمير العالم ليثبت بطلانه. تسكن العدمية “أبو المحاسن” بينما يحاول “تايلر ديردن” أن يخلق العالم الذي يستطيع أن يستشعر فيه هذه العدمية برغم أن القضية لم تكن يومًا في العالم، وهنا تناقض “ديردن” الأساسي وسبب فشله: دمر العالم كما شئت، ستظل القيمة موجودة، لأنها بداخلك وليست هناك. يتجه “أبو المحاسن” للخارج لكي يعالج ما بداخله، ويلجأ “ديردن” للخارج لكي يحقق سرديته عن نفسه.

 

ليست المقارنة هنا بغرض المفاضلة بين “أي عدمية تختار: العدمية التي تسكنك أم العدمية التي تسكنها”، بقدر ما هي بيان لشروط للوضع العدمي الصحيح، وفيما عداها تتحول العدمية لأيدولوجية لا تعرف أنها كذلك، وأول هذه الشروط هي ألا تعرّف نفسك كعدمي من الأساس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد