يكاد لا يمر أسبوع ونسمع عن مواطن صعق بالكهرباء في إحدى أقسام الشرطة، ربما يكون محاميًا ذهب ليدافع عن أحد موكليه، وربما يكون مواطنًا تم ضبطه في قضيه بعينها وقررت الشرطة أن تقوم بدور القضاء فتصدر حكم الإعدام عليه وتقتله من شده التعذيب.

تبقى الجملة التي يفتخر بها كل مواطن شريف طبقـًا لتقديره أنه لم يدخل قسم شرطه قبل ذلك، هل بت تدرك معنى تلك الجملة وما تحمله في طياتها.

انتهاكات صارخة في السجون نسمع عنها في كل يوم،بين مرضى يقتلون بدم بارد لأن إدارة السجن لم تهتم بشكل كاف بعلاجهم.

سجن العقرب ما هو إلا سلخانة بشرية الداخل فيها مفقود، صورة رئيس مجلس الشعب السابق سعد الكتاتني تشير لك إلى حجم الانتهاكات التي تحدث للرجل لا لشيء إلا الخلاف السياسي.

هناك خلل واضح في المنظومة الأمنية في مصر وليس صحيحًا أن الأخطاء فردية، رجال الشرطة يعايرونا نحن المواطنين بدعوى أنهم يسهرون على راحتنا ويعرضون مستقبلهم ومستقبل أولادهم للخطر في سبيل حمايتنا.

ربما يكون هذا صحيحًا إن قاموا بأداء واجباتهم بشكل طبيعي ولكنهم في الطبيعي ليسوا مجبرين على ذلك، فلم أطلب أنا منهم أن يدخلوا كليات الشرطة ويضحوا بأنفسهم، بل هم من يسعون إلى ذلك وبعضهم يدفع مقابلاً ماديًا لذلك، وإذا أردت أن تتعرف على ذلك فاذهب إلى أكاديمية الشرطة أثناء فتره التقديمات.

بالتأكيد إن رجال الشرطة في أي مكان في العالم يقومون بدور حيوي جدًا وهو حفظ الأمن والأمان وتطبيق القانون، وهذا الدور مخول لهم وحدهم ويحتكروه طبقـًا لقوانين أية دولة بالعالم حق حمل السلاح وحدهم لتنفيذ القانون.

ورجال الجيش يقومون بدور حيوي في حماية الأمن القومي المصري وحماية حدود مصر من كافه أشكال الانتهاكات التي يمكن أن تتعرض لها أية دولة، ورجال القضاء يقومون بدورهم في تنفيذ العدل بين الناس وهم وحدهم المخول لهم من قبل أية دولة بالعالم تلك السلطة الواسعة.

ولكن هل يقوم هؤلاء فقط بتنفيذ دورهم وتعريض أنفسهم للخطر كي يتم معايرتنا من قبل شيوخهم في كل يوم، فالمعلمون يقومون بدور حيوي جدًا وهو تخريج هؤلاء الضباط وغيرهم من كافة التخصصات وتعليمهم القراءة والكتابة وكافة المواد الدراسية التي تثقل تفكيرهم وتحقق لهم ذاتهم.

ومهندسو البترول والمحاسبون والمحامون وباقي المهن كل المهن كل يؤدي دوره المقرر له طبقـًا لاختياره ولتعليمات ومتطلبات تلك الوظائف.

لا يمكن أن يكون لأي من هؤلاء وأي ممن يشغلون الوظائف أية مميزات تزيد عن الوظائف الأخرى والعلماء فقط هم من يجب أن يتم تمييزهم لأنهم من يخترعون لنا ما يغني الوطن وبدونهم فلن يكون هناك فارق بين مصر وبلاد الوا وا.

لو لم يقم المعلم وأستاذ الجامعة بدوره في تعليم المواطنين فلن يكون هناك أمن ولا أمان وسيتزايد الإرهاب، لو لم يبذل المحامي المجهود اللازم لإبرام التعاقدات القانونية والدفاع عن المظلومين فلن يكون هناك عدل ولا دولة قانون.

لو لم يبذل المحاسب المجهود المتطلب منه فلن تنجح الصفقات التجارية ولن يحصل أحد على راتبه ومنهم حضرات الضباط، لم لو يبدع المثقفون والفنانون فلن يرتفع الذوق العام للمجتمع مما يوفر جهدًا كبيرًا على حضرة الضابط.

ما ذكرته أمثله قليلة لبعض الوظائف وليس كلها كي أوضح لحضراتكم أن الحياة أية حياة هي عقد متناسق من المتطلبات ولا يمكن الاستغناء عن أي من حلقات ذلك العقد وإلا انفرط العقد كله وضاع الوطن في مهب الريح.

والمراد هنا قوله إن لا أفضلية لفئة على فئة، فالكل يؤدي عمله الذي اختاره ومن يرى أن حياته معرضة للخطر وهو غير مستعد لذلك فعليه أن يخرج من تلك الوظيفة ببساطة.

أما تمييز فئات بعينهم لم يعد أمرًا مقبولاً، فضابط الشرطة يحصل على راتبه من ميزانية الدولة التي تكون مصادرها ضرائب المواطنين وهم يدفعون الضرائب لكي تقدم الدولة لهم مجموعة من الخدمات كالتعليم والصحة والأمن والأمان، فحياة أي موظف عام معرضة للخطر شأنه شأن ضابط الشرطة لأسباب مختلفة تتعلق في الأساس بتقصير الضباط.

فعلى ضابط الشرطة أن يعي أنه موظف شأنه شأن أي موظف لا يزيد عنه ولا ينقص منه يؤدي دوره الذي اختاره وأن ارتأى أن دوره يعرض حياته للخطر وهو لم يعد يتحمل ذلك فعليه أن يستقيل ليعلم أن حجم الذين يرغبون دخول كلية الشرطة أضعاف أضعاف الموجودين.

فالوطنية والمهنية ليست حكرًا على تيار ولا وظيفة بعينها.

أما عن محاربة الإرهاب ومطالبة الضباط وأنصارهم من داعمي خرائط الاستبداد في كل الأوقات الذين يوجهون لنا الاتهامات بالخيانة والعمالة حينما نوجه نقدنا لتصرفات رجال الشرطة من قمع غير مبرر للمواطنين على أساس الاختلاف السياسي، وأنهم يحافظون ويحمون النظام ولا يحمون الوطن ولا المواطنين.

وكأن القمع والتعذيب يفتح شهية الضباط لمحاربة الإرهاب، وكأن هناك ثمة علاقة بين تعذيب المواطنين وقتلهم، حتي وإن كانوا مذنبين فالقانون كفيل بمعاقبتهم وليس رجال الشرطة مكلفين بذلك.

وعلى الصعيد العملي فلا أفهم ثمة العلاقة بين قتل الجنود في سيناء وبين سجن النشطاء السياسيين لأنهم تظاهروا سلميًا وكأنهم المدانون في قتل جنود سيناء.

لن يحارب الإرهاب إلا بالعدل والقانون، وانتهاك القانون يزيد من الفجوة ويضخم من الإرهاب وهذا أمر بديهي، فأولى خطوات مكافحة الإرهاب هي تطبيق دوله القانون والعدل، وانتهاك حقوق الإنسان وإن كان مجرمًا فعلاً يبقى انتهاكًا صارخًا يعرض مستقبل الوطن للخطر.

خلاصة الكلام هنا أن الوطنية لا يمكن اختزالها في فئة من الفئات، ومحاربة الإرهاب أفكارًا وأشخاصًا والأفكار تسبق الأشخاص، يكون الدور فيه هنا لكافة فئات المجتمع؛ فلو قام المثقفون بدورهم سيتقلص حجم التطرف بشكل كبير مما يخفض العبء على رجال الشرطة.

وبشكل طردي فإن ممارسات رجال الشرطة وانتهاكاتهم تزيد من حدة الإرهاب وتصعب المواقف وتقضي على الحياة السياسية وهذا ينذر بخطر كبير على مستقبل الدولة كله.

فنظريًا المكسب الوحيد لانقلاب 23 يوليو هو إلغاء الألقاب التمييزية (البشوية- البهوية- البكوية).

ولكن وعلى أرض الواقع فإن البكباشي جمال عبد الناصر لم يقم فعليًا بإلغائها بل نزعها من أشخاص وأعطاها لآخرين وهم من تقوم عليهم الدولة منذ 52 وحتى تاريخه.

لن تستقيم الأوضاع في مصر إلا بالعدل، والعدل يعني الحرية، والحرية تحقق الديمقراطية والديمقراطية تحتاج لأمن يحميها لا يقمعها.

لا شك أن الثوار يقدرون ويحترمون كل شهيد شرطة سقط وهو يدافع عن الوطن وأمنه وأمن مواطنيه وبالتأكيد أن المواطن يريد محاسبة كل رجال الشرطة الذين انتهكوا حقوق الإنسان.

فأرجوكم لا أريد أن يحاول أحد أن يقنعنا أن اغتصاب الفتيات في السجون وهتك عرض الشباب والاختفاء القسري للمخالفين سياسيًا للنظام السياسي في مصر جزء من محاربة إرهاب صنعته الدولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الثورة, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد