مرت أيامُ كثيرةُ من عمري الذي لم يتجاوز العقد الثاني بعد وأنا أفكر تفكيرًا متواصلًا في حلول لمشكلات لا تُمت للواقع بِصلة، لكنها تؤرقني وتستمر في إزعاجي وكأنها ترغب باستمرار في أن تعكر صفو الأيام القليلة التي أعيشها في سلام نفسي وهدوء نادر، تتصاعد في رأسي المشكلات التي لا تنتهي كما تتصاعد الأبخرة من فوهة مدخنة، وتتعارك الرغبات المتصارعة التي تريد إخضاعي لها صارخة وبكل قسوة على الدوام أنني بحاجة لتغيير جذري وعاجل رافضة ما أنا حاليًا عليه بكل الأشكال، وأنه لا يوجد سبب لهذا الأرق غيري كأنما الدواء أمامي، ولكنني أرفض أن أراه، ومنذ ذلك الحين عهدت إلى نفسي بالتغيير ولم يصبح لي هم ولا شاغلة غيره، تدور حياتي في مدار وحيد هو أن أصبح على هيئة مثالية لا عيب فيها أو ربما قد تقترب إلى حد كبير منها لاقتناعي التام بأن الكمال لله وحده ومن هنا بدأت الرحلة: رحلة البحث عن الذات المفقودة.

اتصلت الأيام ببعضها ومرت متشابهة لم أحظى بيوم فريد مميز كما كنت أتمنى، كما لو كانت الأيام هي مجرد فرص وتذاكر جديدة تفصح عن وجود أماكن شاغرة لمن يريد التغيير والتحول إلى شخص أفضل، وقد كنت أحرص على أن أراقب نفسي يومًا بعد يوم، وسرعان ما يبدأ التذمر إذا لم أجد النتيجة المنشودة معتقدة أن السر كله سيظهر بمجرد أن أفصح عن نيتي في الارتقاء إلى نسخة أفضل من نفسي. تمنيت شيئًا واحدًا فقط هو لو أنني أجد من يدلني على الطريق أو يصطحبني لبدايته، ولكن فشلت المهمة؛ لأنه ما من أحد منا يفصح عن حربه الداخلية، نحتمي بأنفسنا جيدًا، وكأنها جيشنا الوحيد ولا نطلب المساعدة أو نشتكى تذمرًا لما يدور في قلوبنا وعقولنا من مشاعر سلبية وحروب نفسية ترفض الأمر الواقع عليها ، فنظل هكذا نهاجم عدوًا لا نراه ولا يرانا، ولكننا نشعر به جيدًا كعبء ثقيل يكتم أنفاسنا إذا ما حاولنا الهروب منه ليبقى هذا العبء هو الدليل المادي الوحيد على وجود هذه الحرب المزعومة.

والآن أتذكر جيدًا هذه الأيام حين هممت بالتغيير وتعلقت به كحلم وردي إذا تحقق سيجلب معه كل السعادة والراحة، ومع كل يوم ازدادت مشاعر البغضاء نحو ذاتي الحالية؛ لأنها لا تتمتع بالقدر الكافي من الكمال، ولأنها تعجز عن التغيير وترفضه معبرة عن ذلك بارتباطها بعادات متأصلة فيها عميقة الجذور ليس بالسهل الإقلاع عنها، فأصبحت أغضب من نفسي لأصغر الأشياء وأحقرها، وأكتئب إذا ما أخطأت، حتى أصبحت عدوة نفسي، وازدادت الحرب الصامتة، لا أحد يلاحظ ولا تظهر أي من علامات المرض أو الإعياء، أبدو تمامًا كأي شخص طبيعي، ولكن بداخلي الأمر لم يكن هكذا على الإطلاق، فقط كان رمادًا أسود وبقايا إنسان وفتات قلب، وعقلًا أهلكته الأيام من شدة التفكير، ولسانًا يعجز عن الكلام، وذاكرة تحتفظ بالكثير من الأحداث البائسة التي لا خير من الاحتفاظ بها.

في تلك اللحظة أدركت أنني أهدرت الكثير من الأيام لأجل السعي وراء هدف وهمي لا فائدة منه، وأن الخير كان في تقبل نفسي على ما هي عليها والهبوط إلى أرض الواقع بعيدًا عن أرض الوهم والهلاوس، كل ما كنت احتاج فقط إليه هو النظر للأمور نظرة تتقبل الخير والشر، العيب والمميزات، والإخفاق الذي لابد أن يتبعه نجاح ما، وأنني لو كنت تأملت ما تحمله نفسي من كنوز لكان بإمكاني تطويرها ورعايتها بالمزيد من التدريب والعمل بدلًا عن التركيز على ما ينقصني ويمتلكه الآخرون.

حقًا أنا صديق نفسي الوفي، إذا ما أحسن الجميع صحبتك ولم تُحسن صحبة نفسك فقد خسرت، المرض كل المرض في نفس تحمل معها عدو ملازم لها لا يفارقها، يعكر عليها يومها ويذكرها بالمآسي والأحزان إذا ما همت بالابتسام، ويقلل منها ويهدمها إذا تشجعت وتقدمت وهمت بالإقدام، يا عزيزي لن نملك الأرض ولن نبلغ عنان السماء إذا ما كنا خير سند لأنفسنا، وإذا ما شجعك العالم بأكمله وساندك أكثر الناسِ تفاؤلًا وبقيت نفسك على ما هي عليه فلن تتحرك مسيرة قدم.

إنَّ اللهَ لا يُغيرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفُسِهِم

إن أعظم الفوز هو أن تجد نفسك؛ فلا خير إلا في ميعاد أجد فيه نفسي وأتعرف إليها، وأتصالح معها، جاهد نفسك، ولا تدعها تقف في طريقك؛ فلا عدو لك إذن، إذا ملكت زمام أمرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد