قد يشير العنوان إلى مجاعة أو آفة اجتماعية في مكان ما بالصين، ما استدعى لجوء السلطات إلى استخدام سلاح الجو لإنقاذ الأرواح وسد رمق الجياع، لكن في الحقيقة إن ذلك ليس سوى رسم كاريكاتوري ضمن مواد تعليمية معدلة في هونج كونج تحذر من تأثير الغزو الثقافي الذي تمارسه الشركات الأمريكية العاملة في الصين، وذلك في إطار خطة حكومية شاملة لإصلاح المناهج التعليمية في المستعمرة البريطانية السابقة بما ينسجم مع قانون الأمن القومي الجديد الذي فرضته بكين العام الماضي، وأثار جدلًا كبيرًا في حينه.

وظهر في النسخة المعدلة من مادة الدراسات الليبرالية لطلبة الثانوية العامة صورًا ورسومات كاريكاتورية تظهر شخصية «ميكي ماوس» في ملابس عسكرية يحمل السلاح، وشخصية المهرج «رونالد ماكدونالدز» بهيئة شريرة، بالإضافة إلى طائرات مقاتلة تسقط الهامبرجر بدلًا عن القنابل؛ الأمر الذي أثار خلافًا كبيرًا في الأوساط التعليمية بهونج كونج، حيث اعتبر اتحاد المعلمين التعديلات الجديدة نوعًا من الرقابة السياسية، بينما أصرت السلطات على أن التغييرات تساعد الطلاب على تطوير قيم إيجابية.

وكانت القصة قد بدأت في أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها هونج كونج في يونيو عام 2019، حيث ادعى عدد من السياسيين المؤيدين لبكين بأن محتوى الدراسات الليبرالية المقررة لطلبة الثانوية العامة كان لها دور في دفع الشباب إلى الانضمام للاحتجاجات المناهضة للحكومة والمطالبة بمزيد من الحرية والديمقراطية في الجزيرة.

كما انتقدت جماعات متنفذة مواد التدريس التي لم تكن تخضع من قبل للرقابة من السلطة السياسية، واتهموا بعض المعلمين بالتأثير على الطلاب بآرائهم السياسية الشخصية.

على ضوء ذلك ومع دخول قانون الأمن القومي الخاص بهونج كونج حيز التنفيذ شكلت مديرية التعليم لجنة لفحص المواد الدراسية، وإجراء مراجعة شاملة لمحتواها، فكانت أولى قراراتها تغيير اسم مادة الدراسات الليبرالية إلى «المواطنة والتنمية الاجتماعية»، وتم اختصار مساقات المادة إلى النصف، وتحويلها من مادة إلزامية إلى مادة طوعية.

هذا وتم طرح الدراسات الليبرالية لأول مرة في عام 2009، وتهدف إلى تمكين طلاب الثانوية العامة من تطوير وجهات نظر متعددة حول القضايا المعاصرة، ومساعدتهم على أن يصبحوا مفكرين مستقلين عن طريق زيادة الوعي الاجتماعي وتطوير مجموعة من المهارات، مثل: التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع. وتحتوي المادة التي تنقسم إلى ست وحدات على مفاهيم حساسة بالنسبة للصين، مثل: فصل السلطات والعصيان المدني، كما تتضمن إشارة إلى أحداث تيان آنمن والتي تعتبر من المحرمات في البر الرئيس الصيني.

لذلك فإن النسخ المعدلة، والتي من المقرر أن تطرح في سبتمبر المقبل، ستكون خالية من أي مفاهيم حساسة، وستركز فقط على مسألة الأمن القومي والمواطنة والتنمية الاجتماعية، وحسب النسخة المسربة، والتي تم تداولها بشكل واسع النطاق في وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، فإن كافة المساقات ستتركز حول ثلاثة محاور أساسية هي: دولة واحدة ونظامان، بلدنا منذ الإصلاح والانفتاح والترابط والاعتماد المتبادل في العالم المعاصر. ولكن يبقى الفصل الأكثر إثارة للجدل، التأثير الغربي على القيم العالمية، والذي تضمن رسومات كاريكاتورية اعتبرت أنها تحمل رسالة معادية للإمبريالية الثقافية، التي ترى فيها الصين تهديدًا لاستقرارها الاجتماعي وأمنها القومي.

ما تقدم أعادني بالذاكرة إلى ثلاث سنوات خلت، فمازلت أتذكر جيدًا حين كنت مستغرقًا في الكتابة عن الذكرى الثلاثين لما يعرف بأحداث ساحة تيان آنمن، كيف قطعت زوجتي الصينية حبل أفكاري بسؤالها عن فحوى المقالة الجديدة، كان سيمر الأمر مرور الكرام لو اكتفت بإيماءة معتادة في تعقيبها على إجابتي المقتضبة، ولكن ما سقط كصاعقة آنذاك، سؤالها – وهي خريجة واحدة من أعرق الجامعات الصينية – عن طبيعة تلك الأحداث، ولماذا وسمت بهذا الاسم.

لاحقًا أدركت أن المواطن الصيني الخام الذي لم تلطخه «لوثة الثقافة الغربية» – تعبير شاع أثناء الثورة الثقافية – قد يقضي حياته دون أن يعرف شيئًا عن تاريخ بلاده، إلا بالقدر الذي يسمح به الحزب الشيوعي الحاكم. لذلك لم أفاجأ فيما بعد حين كنت أصادف أكاديميين ومثقفين صينيين من الجيل الجديد يجهلون تواريخ وأحداث هامة شهدتها بلادهم خلال العقود الماضية، وليس أقربها زمانيًا فض الاحتجاجات الشعبية في ساحة تيان آنمن عام 1989.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد