«1»

رحل رجلًا شامخًا، ثابتًا في محنته ثبات الرواسي، مطمئنًا إلى ربه، غير جزوع ولا هلوع، أسيرًا غير كسير، فعسى الله أن تكون محنته الطويلة كفارة له عما كان من أخطاء في رئاسته القصيرة، وعسى الله أن يغفر له تقصيره في حقنا، وأن يغفر لنا تقصيرنا في حقه، وعسى الله أن يحشره مع خاتم النبيين وإمام المرسلين، فقد كان يحبه ويحب من يحبه – نحسبه كذلك والله حسيبه- والمرء مع من أحب.

https://www.youtube.com/watch?v=W6GG4rEdtkA

«2»

حين نتحدث عن مرسي الرئيس فإن ذلك سيستدعي دراسة معقدة جدًّا لمقدمات حكمه الذي استمر عامًا، ثم لوقائع ذلك العام من جوانبه المختلفة، ثم الختام وما تلاه، وهي دراسة تحتاج لمرور أعوام طويلة يتكشف فيها المزيد عن قراراته، وعما دبر له ولمصر ولثورة يناير (كانون الثاني)، وما أظن أن أوان تلك الدراسة قد جاء بعد، وما أظنها لو سبقت أوانها أن تحوز نصيبًا حقيقيًّا من الموضوعية، مهما كان تجرد كاتبها أو حرفيته، أما حين ننتحدث عن مرسي الإنسان فإن صفاتًا إيجابية تشرق كالشمس مصاحبة لاسمه، على رأسها الرجولة، والطيبة، والتواضع.

«3»

ولم تر عيني أصلب منه رجلًا، يكفينا لكي ندلل على ذلك أن نقول إن الفريق أحمد شفيق، وهو محارب قديم شارك في حرب أكتوبر وفي مهمات عسكرية عديدة أخرى، حين رشح نفسه للرئاسة فطرد من الإمارات وشحن إلى مصر، ظل في محبسه تحت الضغوط يومين فقط أو ثلاثة، فإذا به يخرج ليعلن للدنيا بأسرها أنه لا يصلح للرئاسة! انظروا إلى الذل وإلى العار، رجل رشح نفسه للرئاسة فهو يرى نفسه أهلًا لها، وكان مرشحًا سابقًا للرئاسة، ورئيسًا سابقًا للوزراء، وقائدًا سابقًا للقوات الجوية، يبقى معهم يومين فقط في القهر المعنوي يخرج بعدها لا ليقول إنه اكتشف أن فلانًا مثلًا هو الأصلح وهو الأنسب، بل لينفي عن نفسه الصلاحية التي كان يراها في نفسه قبلها بيومين! وينسلت منها للأبد، هذا في يومين، فكيف بمن هو بين أيديهم ليل نهار لست سنوات، مارسوا عليه كل ضغوط الدنيا ليقر لهم بشيء من المشروعية، والرجل ثابت لا يلين، لله دره، عقمت النساء على أن يلدن في مثل صلابته.

«4»

وأما الطيبة فينطق بها محياه، وقد أقر بها بعض من جيرانه ممن أعرفهم شخصيًّا، رغم اختلافهم معه سياسيًّا، فإنهم لم يملكوا إلا أن يقروا بحسن صفات الرجل الشخصية، وطيبته وأخلاقه، وأما تواضعه فسيظل آية وحجة على كل ملوك ورؤساء هذا البلد من قبله ومن بعده، يكفي أن ركابه كان أقل من ركاب وزير في عصر خلفه، وقد رأيته بنفسي في منطقة القاهرة الجديدة يمر من جوارنا، فلا يغلق الطريق، وبيني وبينه أمتار وأنا في سيارتي، بينما خلفه أفرغ قلب القاهرة بالكامل ليمر بها ركبه المهول الطويل المكون من 30 سيارة و25 دراجة بخارية عكس المسار، ليلقي خطبة في المجلس النيابي، ويكفي أن الرئيس مرسي كان يعيش في شقة، وظل فيها في الوقت الذي يفرش لخلفه فيه سجادة حمراء طولها أربعة كيلومترات ونصف ليمر عليها موكبه، وهيهات المقارنة وشتان، ومعاذ الله أن نقارن بين الثريا والثرى، ولكنها للتذكرة فقط.

«5»

قتل الرجل بالقتل البطيء معنويًّا وطبيًّا، فمنعوا عنه الزيارة طوال ست سنوات إلا من ثلاث زيارات بالعدد، وقال هذا هو وأسرته ولم تنكر السلطات ذلك، وظل في محبسه الإافرادي الضيق ليحطموا أعصابه، وضيقوا عليه في العلاج رغم جميع التحذيرات التي أطلقتها جهات كثيرة، وصرح بها الرجل وأسرته، فكانت إرادة القتل العمد واضحة في واقعة موته، وكان الأمر مسألة وقت حتى جاء الأجل الذي استعجلوه، ليختاره الله إلى جواره صابرًا، رحمه الله رحمة واسعة.

«6»

وكما حاربوه حيًّا حاربوه ميتًا، فنشرت صحف البغاء الإعلامي خبر موته صغيرًا في الصفحات الداخلية، كأنهم بذلك يقللون من قدره! ولا يدرون أنهم بذلك يدللون على قدرهم هم ويخفضون من قدر مصر المبتلاة بهم، ويسيئون إليها أمام العالم، ويظهرونها بمظهر الدولة ذات النظام المتخلف – وهي كذلك حاليًا بالفعل للأسف– وأما هو فهو من هو، وفيه وفيهم يصدق قول الشاعر:

وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه … العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ

«7»

ثم ثالثة الأثافي بعد أن قتلوه وهونوا خبر موته، دفنوه في الظلام وألزموا ألا يشيعه إلا أولاده، وهذه ليست جديدة في الأنظمة الطغيانية، فكثيرًا ما يحدث أن تخشى من جثامين خصومها الكبار، تخشى يوم الجنائز حين يظهر الناس قدر الرجال، فالطاغية مهما بدا جبارًا ثابتًا هو من داخله ضعيف يخشى الدنيا كلها، ولا يدري هؤلاء أن الجثامين التي يخشونها ويوارونها سرًّا تنتصر الأوراح لها في النهاية فيعلو ذكرها حتى يبلغ عنان السماء.

«8»

في 12 فبراير 1949 أشرف إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس الوزراء على عملية اغتيال الشيخ حسن البنا – رحمه الله- فكان أول رئيس وزراء يتدنى لهذا المستوى الإجرامي منذ إنشاء الوزارات الحديثة، ولما أطلق النار على الشيخ البنا منع وصول الإسعاف إليه حتى فاضت روحه، ثم منع رئيس الوزراء إقامة جنازة حاشدة، ولم يخترق المنع إلا ثلاثة أو أربعة أفراد منهم مكرم عبيد باشا، منع الرجال من حضور الجنازة – عدا والده- حتى حمل النعش على أكتاف النساء، ثم منع العزاء عليه، فإذا بعد أربع سنوات بالضبط يقف الضباط الأحرار، وعلى رأسهم جمال عبد الناصر، عند قبره بخشوع ليحيوا ذكراه، وإذا المشهد يتكرر في العام التالي، بينما يلقى إبراهيم عبد الهادي باشا في السجن، ويهوي ذكره من التاريخ فلا يلتفت إليه أحد.

«9»

وفي عام 1965، يموت زعيم الأمة السابق مصطفى النحاس باشا، وتتكتم الحكومة على خبر وفاته، وتظن أن جنازته بهذا ستكون محدودة، فإذا الخبر يطير في أنحاء القاهرة، وإذا بعشرات الآلاف يحتشدون لوداع الرجل الذي ظل الإعلام طوال السنوات السابقة يتطاول عليه ويهون من شأنه ويلصق به النقائص، فإذا الجماهير تنتصر للجثمان وصاحبه، وتدفع ثمن ذلك عمليات إعتقال شملت المئات منهم، وهكذا الأنظمة الطغيانية تخشى حتى الجنائز والجثامين، ثم تمر الأيام ويعاد التبجيل والاحترام لذكرى النحاس باشا، حتى يسمى باسمه أحد أكبر وأشهر شوارع القاهرة، وتظهر شخصيته بصورة إيجابية وموقرة في الأعمال الدرامية.

«10»

وفي العام التالي يعدم المفكر الإسلامي الكبير سيد قطب، ويدفن في حوش السجن الحربي، فلا يعلم له قبر إلى الآن، ومع ذلك تنتشر كتبه وكتاباته لتطبق الآفاق، فإذا بالجثمان الذي حاربوه يتجسد في مئات الآلاف من البيوت، فكتابه الكبير «في ظلال القرآن» طبع 40 طبعة شرعية، بخلاف الطبعات المقلدة، فانتشر وغيره من كتابات الأستاذ الكبير في كل أرجاء العالم الإسلامي.

«11»

وفي العام التالي 1967، يتنحر المشير عبد الحكيم عامر، ويدفن سرًّا في بلدته، ويمنع تشييعه، وقد كان قبلها بشهور شريكًا في حكم مصر، وشقيقًا روحيًّا للزعيم، فلما اختلفوا حاربوا جثمانه، وهذه المرة لم ينتصر القدر له كما في المرات السابقة، فقد كان الراحل شريكًا أيضًا في جرائم التعذيب، بل كان جل التعذيب تحت ولايته وفي سجونه.

«12»

وها هو التاريخ يعيد نفسه دون أن يتعلموا، يحاربون جثمان الراحل الكبير، وفي بضع سنين إن شاء الله سيقف حاكم مصر وكبارها مبجلين هذا الجثمان، وستحتفي مصر بذكراه أعظم احتفاء، وسيذهب أعداؤه إلى حيث ذهب إبراهيم عبد الهادي، وعلي صبري، وحمزه بسيوني، وعبد الحكيم عامر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد