انتهى كابوس داعش مع ختام المئة عام لاتفاقية سايكس بيكو التقسيمية، ليظهر بعدها ما تنبأ به فقهاء التحليل السياسي، رغبات انفصالية وصراعات داخلية مسببة أزمة جديدة رغم قدم أُسُسِها.

فبعد أن هاجم إرهاب داعش عددًا من المناطق داخل محيط محافظة التأميم، واحتل الأبنية الحكومية فيها، انسحب فجأة معلنًا هزيمة فلوله تحت نيران القصف الحكومي المدعوم، واشتباكات البيشمركة المسنودة خارجيًّا، انتهت هذه المعارك فجأة كما اشتعلت فجأة، صرح بعدها رئيس إقليم كردستان مسعود برزاني بمطالبته بكركوك كرد فعل على إهمال الحكومة المركزية لإقليمه ونكران دوره الحربي، ليعلن بشكل صريح عن نواياه الانفصالية ورغبته في الاستفتاء، اشتدت بذلك الأزمة مهددة  بتهشيم الوحدة العراقية وفق لعبة سياسية مكشوفة، خطط لها ذات المصدر الذي ابتدع ما يسمى بالإرهاب.

رافق هذه اللعبة مهاترات ومنابزات، منطلقة من منابر سياسيي الصدفة مدفوعة الثمن، مستنكرين بها  هذه الأفعال ومهددين بحرب أهلية جديدة لن تحصد ضحايا لها سوى أبناء هذا الشعب الأعزل.

وكما هو معروف فقد انطلقت هذه الحرب بعد أن رفض محافظ كركوك المقال ترك منصبه، ورفع علم القومية الكردية على المباني الحكومية، تلاها محاصرة المدينة من قبل الميليشيات الإيرانية والجيش الحكومي، ثم انسحاب عناصر بيشمركة الاتحاد الوطني الكردستاني وقائده بافل الطالباني تمهيدًا لسيطرة ميليشيات الحشد على مركز المدينة، ثم اندلاع مواجهات عنيفة بين عناصر هذه الميليشيات وبيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود برزاني في مدينة ألتون كوبري شمالي غرب كركوك، انتهت بمقتل وجرح أكثر من 200 شخص، وتدمير عدد من الآليات العسكرية، وانسحاب ميليشيات البيشمركة إلى أطراف محافظة أربيل، سيطرت بذلك ميليشيات الحشد على مدينة كركوك ومعظم مناطق محافظة التأميم.

وجهت بعد ذلك تحذيرات من عمليات قتل وحرق للدور بدوافع طائفية، وهو ما حصل بالفعل بعد يوم واحد من سيطرة الميليشيات المدعومة إيرانيًّا على المدينة.

فالنزعة الطائفية المتغلغلة في عناصر هذه الميليشيات تدفعهم لذلك في سبيل تغيير ديمغرافية العراق، وإفراغه من مكوناته، وهي استمرار لمسلسل البيشمركة وانتهاجها إفراغ المكونين العربي والتركماني من المدينة.

ولم تشهد المدينة أي هدوء منذ ذلك الحين، فقد انكبت يد الميليشيات فيها، حيث قُتل ضابط طيار متقاعد برصاص مجهولين أمام منزله في مركز المدينة، وحرقت منازل عدد من المواطنين لأسباب طائفية، إضافة إلى إحراق مبنى تابع لحزب تركماني، ولا زال كل ذلك مستمرًا في المدينة التي تشهد توترًا أمنيًّا متزايدًا بعد بدء الأزمة.

وتجاهلت الولايات المتحدة أي إشارة للأحداث الحالية في تصريحها الأخير المعلن بلسان نائب مساعد وزير خارجيتها لشؤون العراق جوزيف بينيغتون، حيث لم تشر سوى إلى تخوفها من التوترات السياسية التي يشهدها العراق، وتنبأ بمستقبل أفضل بعد ظهور تحالفات سياسية (عابرة للطائفية) على الساحة العراقية، متجاهلًا ذكر أحداث كركوك، أو ما يتعلق بالأزمة الانفصالية، وكذلك الحال بالنسبة للكيان الصهيوني الذي كان قد أبدى دعمه المستميت للانفصال الكردي، لم يخرج بأي تصريح حول الأحداث الأخيرة.

جميع الدلائل أشارت إلى أن الدعم الإسرائيلي لانفصال البرزاني هو محاولة لخلق أزمة جديدة تهدد أبناء الوطن الواحد لأغراض دنيئة، انساق خلفها الموهومون والجهلاء، مريقين دماء بعضهم البعض، بدلًا من التضحية في سبيل المبدأ الوطني والتحرر من قيود الرجعية الاحتلالية.

لم يصب كل ما جرى في الآونة الأخيرة إلا لصالح المستفيدين من مقاعد الحكومة المركزية، أو الإقليمية، وراعيها من مروجي الإرهاب العالمي.

ولن يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل سيتخطاه بمخططات جديدة تهدف لشق وحدة الصف وأخوة الأرض؛ لإلهاء الشعب عن مشاكل أكبر وأخطار مميتة تحيط به من كل جانب.

درؤها يزداد صعوبة يومًا بعد الآخر، لكم ما أُريق من دماء مخلفة الأحقاد بين الإخوة، أما إن اتعظ الشعب وأوقف نزيفه المستمر منذ أكثر من أربعة عشر عامًا؛ فحينها ستجف منابع الحقد، وسيصبح الحل سهلًا لإعادة إعمار الوطن الواحد بيد أبناء الشعب الواحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد