لعل هذا المصطلح أصبح دارجًا في كتب أو نقاشات الكثير من الملحدين، ولا يكاد أي نقاش مع أي ملحد أو لاأدري يخلو من هذا المصطلح أو هذه الفكرة بشكل أو بآخر. فماذا يعني وإلى ماذا يشير؟

هنالك تفسيران لهذا المصطلح: الأول ما أشار إليه إسحق نيوتن من أن الله قد خلق الكون ووضع فيه من القوانين ما يسيره وينظمه ويتركه ليدير نفسه بنفسه، إلا أنه أحيانًا يتدخل مباشرة بشكل أو بآخر إن أظهرت هذه القوانين عجزًا في ذلك، فيعيد الأمور إلى نصابها ثم تعود هذه القوانين لتسيره مرة أخرى، أي أن الإله يتدخل فقط في الحالات الطارئة عندما لا تستطيع قوانين العلم أن تسير الكون.

أما التفسير الثاني والأكثر انتشارًا فهو الذي يستعمل علةً لتفسير ما لم يستطع العلم أن يفسره، أي أن العلم تتكشف أمامه يومًا بعد يوم تفسيرات لأمور كانت تعتبر من المهام الإلهية. فمثلًا: كان ينظر للأمراض قديمًا وقبل اكتشاف الجراثيم المسببة لها بأنها سبب مباشر من قوة غيبية خارج النطاق البشري: الآلهة أو الإله على اختلافه بين الثقافات والشعوب. فكل ما يفشل العلم في تفسيره، ينسب إلى الإله. ولعل هذه هي المصيدة التي يقع فيها بعض المؤمنين السذج عندما يُسألون عن تفسير علمي لظاهرة معينة، فيسارعون بالجواب بأن الله هو الذي فعل ذلك. نعم، لا ننكر نحن المؤمنين أن الله قد فعل ذلك، ولكننا نؤمن بأن الله سخر قوانين العلم لنا كي نفهم آلية وسنة الكون الذي نعيش فيه.

لعل منشأ مصطلح إله الثغرات هو الافتراض بوجود صراع ضمني بين الله والعلم، وكأن تدخل الله في الكون يكون فقط لتفسير ما يجهله الإنسان، وهذا يؤدي إلى مفارقة عجيبة تشير إلى أنه كلما ازداد جهل الإنسان زادت معرفته بالله! فكل ما يعجز هذا الإنسان عن فهمه فإنه ينسبه لله، وبالتالي كلما جهل أمورًا أكثر ازداد قربًا ومعرفة بالله!

فالفكر الغربي الملحد حاليًا يفترض قطعًا بأن هناك تعارضًا بين الله والقوانين العلمية، وبأن الله سبحانه يعمل في مستوى واحد مع القوانين العلمية، فهما يتعارضان باستمرار. وكلما اكتشف العلم شيئًا جديدًا فإن نفوذ الله يتقلص تدريجيًّا حتى يصل إلى المرحلة التي تمحى فيها الحاجة لوجود الإله بعد أن يكتشف العلم كل ما يسعى إليه ويفسر كيف نشأ الكون، وكيف نشأت الحياة، وماذا سيكون مصير الكون… إلخ.

غير أننا باعتبارنا مؤمنين، نعتقد يقينًا بأن القوانين العلمية وطريقة عمل الكون ونظمه هي سُنة الله في الكون، وطريقة الله ليبين لخلقه كيف يعمل هذا الكون، وإعانة من الله لنا كي نفهم هذا الكون ونرتقي بحياتنا ونصل إلى معرفة يقينية بالله، ولا تعارض بين الله والعلم مطلقًا. قال سبحانه في القرآن الكريم: «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» العنكبوت، 20. وقال سبحانه أيضًا: «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا»، الحج 46. حيث إن فهم الآلية التي يسير بها الكون لا تغني عن السبب الأول الموجد له. ويبقى السؤال المطروح: إلى أي حد يستطيع العلم أن يأخذنا في فهم هذا الكون؟ وهل نستطيع بالعلم وحده، دون الله، تفسير جميع أسراره وظواهره؟

لنجيبَ عن ذلك، أقتبس مثالًا سرده الدكتور عمرو شريف في أحد كتبه عن رجل بدائي من العصر الحجري وضعت أمامه سيارة حديثة ولتكن من ماركة فورد، فذهل بها وبقدرتها على المسير ونقله من مكان لآخر. وكونه جاهلًا، فقد افترض وجود قوة غيبية (مستر فورد) داخل محرك السيارة تتسبب بحركتها، وإن كان مستر فورد راضيًا عنه فإنه سيحرك السيارة، أما إن لم يكن كذلك فسيعطلها ويوقفها. بعد ذلك قمنا بتعليمه مبدأ عمل السيارة وطريقة تصنيعها وأن محركها يعمل بآلية الاحتراق الحراري حتى فهم تمامًا آلية سيرها، ولم تعد هناك حاجة لمستر فورد داخل السيارة. فهل هذا يمنع من أن مستر فورد هو الذي اخترع هذا المحرك وهيأ له ظروف عمله؟ ألا يكون استبعاد ذلك خطأً كبيرًا؟ هذا هو الخطأ الذي يقع فيه الملاحدة. فهم يعتقدون أن فهم الآليات وكيفية عمل القوانين العلمية تستبعد وجود الحاجة للسبب وللمصمم الأول لها (الله).

فقول الملحدين بأن وجود الإله الخالق للكون هو استغلال خاطئ لعدم استطاعة العلم حتى الآن الإجابة عن تساؤلات معينة، هو قول خاطئ كون العلم يعجز عن تفسير كثير من التساؤلات، لعل أبرزها عن كيفية خلق الكون أو بدء الحياة. فالعلم يقف عاجزًا عن التوصل إلى كيفية بداية الكون. حيث أن قوانين العلم تنهار تمامًا أمام ثلاثة حدود فاصلة، وهي حدود بلانك (10^-43 ثانية للزمن، 10^32 كلفن للحرارة، 10^-35 متر للمسافة) ولا تستطيع أن تفسر ما يتجاوز هذه الحدود. أي أن اللحظة صفر في عمر الكون (بداية خلقه) لا يمكن أن تفسر علميًّا. وما يتم طرحه لا تعدو غير نظريات وليست حقائق. والعلم عاجز كذلك عن تفسير السبب الأول وكيفية نشوء أول خلية حية، وما زال يفترض العديد من الفرضيات حول ذلك غير أن أيًّا منها لا يرقى لمستوى الحقيقة العلمية.

وأختم بأن أبين أنه وكما يهاجم الملاحدةُ المؤمنين بلجوئهم دومًا للقدرة الإلهية لتفسير نشوء الكون والحياة، فإن لهؤلاء الملحدين إلهيْن لسد الثغرات! الإله الأول مرتبط بالماضي وهو «ملايين السنين»! فلو سألت أحدًا منهم: كيف نشأت الحياة من العدم؟ لأجابك فورًا: عبر ملايين السنين! ولو سألته كيف أنتجت هذه الحياة الصور الأكثر تعقيدًا؟ أو كيف تنوعت الكائنات الحية؟ فستكون إجابته دائمًا: «عبر ملايين السنين»!

أما الإله الثاني فهو العلم نفسه! وهو ما يرتبط بالمستقبل. فلو سألت أحدهم: كيف بدأ الكون؟ أو فسر لنا النقطة صفر في تاريخ الكون أو غيرها من الأمور التي لم تتكشف بعد لأجابك فورًا: بأن العلم سوف يكتشف ذلك مستقبلًا. أليس هذا «علمًا لسد الثغرات؟!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد