من أكثر الأشياء التي رَسخت في ذاكرتي أيام كُنّا نتردد على نادي الإبداع الثقافي بالكُلية تلك السجالات الكلامية حول الأفلام، لم أكن وقتها مُتمكنًا من آليات استيعاب ونقد الخطاب السينمائي بوصفه مُنجزًا جماليًا، شأني في ذلك شأنُ الرّفاق الذين جالستهم، كان الجميع يبحث وراء المضامين الخَفية، عن امتدادات المَلفوظ البصري وانعكاساته على الواقع، عن علاقة السينما بالأيديولوجيا، وما يدور في فَلكها، قليلًا ما كانت حلقاتُ الفِكر والثقافة تستدعي كلامًا حول جمالية المعنى في صيغته التّشكلية، في التوظيف الجمالي لإمكانات التّعبير السينمائية، في السرد الفيلمي، في الإيقاع والزمن، والعلاقة المركبة بين الشخصيات الدرامية أو في دلالات اللقطة وارتباطها السيميائي بحركة أو ثبات الكاميرا.

مرت سنوات وقرأت جُملةً من المقالات النقدية حول الأفلام منها ما رَاقَ لي ومنها ما أهملتهُ، غير أن أسئلة كثيرة ظلت تتراقص في ذهني؛ ماذا لو كان الكلام عن السينما، أقصد المُنجز الفيلمي، على اعتبار أن مدلول مُفردة «سينما» تَسعُ الصّناعة بِرُمتها، ماذا لو أن الكلام، في مُجمله، حولها مضيعة للوقت وهَدرا للطاقة والجهد؟ ما الذي سيُضيفه الكلام، أيُّ كلامٍ، مهما بدا جادًا وأنيقًا إلى صناعة الأفلام التي تستثمر موارد مالية هائلة، وتُجيِّشُ طائفة من التقنيين، والعاملين، والمسوقين، والمكلفين بالتواصل… إلخ؟

تُقدر قيمة أقل الأفلام التجارية التي حققت إيرادات عالية حوالي 6.5 مليون دولار! هل تزيد أو تنقص مقالات ومنشورات النقد والمراجعة الفيلمية من أعباء الصَّنعة ومعاناة العاملين فيها؟ هل يُعين النقد على تجاوز المزالق والعثراث ومن ثم تطوير العملية الإبداعية؟ كيف يَحقُّ لي وللآخرين إبداء رأيهم بضمير مُرتاح، ومن موقع استرخاء وكَسل، في فيلم سينمائي ناهزت تكلفة إنتاجه 387 مليون دولار؟ ما الذي يمنحُ للآراء النقدية مَشروعيتها في هذا السياق؟ وتبعًا لذلك يمكن الإدعاء بأن النقد، السلبي منهُ على وجه الخصوص، ينطوي على تَعسف وتسفيه لمَقدِرات وموارد ضخمة كَلَّفها العمل الشاق بين إنتاج وتسويق وتوزيع. هل على الناقد المُبدع القَلق، بل الحذر، أثناء تقييمه للمنجز الفَني باستحضاره لإكراهات الاقتصاد ومتطلبات التسويق التجارية؟ أم هو عبء يتحملُ وزره المنتج، والمنتج وحده، فيما مهمة النقد تَنفلتُ من القيود خارج الفيلمية Extra-filmic، وإنما، بل من الضروري، استحضار شرط الحُرية في التعبير عند البدء بالكتابة حول فيلم مُعين، وأنّ مساحة الحرية هاته إنما هي جوهر الناقد المبدع وسر تفوقه، من موقعه، على المُخرج والمُنتج. بيد أن الناقد نفسه ليس حصينا ضد مغريات الصَّنعة، ولعَله مُبتلى بآفة العطايا والهدايا المتأتية من التسويق للأفلام بالكتابة عنها، الشيء الذي من شأنه أن يثير نقاشًا حول مَوضوعية النقد، كما من شأن مثل هذه الممارسات تشويه صورة النقد برمته مَتى صار الناقد تابعًا لا مُصوبًا لعيوب الإبداع. في ضوء هذه الأفكار والأسئلة المؤرقة سنحاول، في ما يلي الإجابة أو توضيح ما يسمحُ به المقام، نظرًا لطبيعة الموضوع المركّبة وتَشعباته المتَفرعة مُستندين في ذلك إلى نموذج فيلم وثائقي مُعنون بـ«الغرفة 237».

النقد الفيلمي: مراجعة أم تحليل؟

لنتفق بادئ ذي بدء بأن ثمة فرقًا بين النقد والمراجعة الفيلمية، والتحليل الفيلمي، ونحن هنا لسنا بصدد التّفصيل في المصطلحات، كما لا نُميز بينها من باب المُفاضلة، بل ابتغاء التدقيق المنهجي. تنطوي المراجعات الفيلمية على حُكم، وكذلك الشأن بالنسبة للنقد، بيد أن الحكم في الكتابة النقدية المتخصصة يستدعي إلمامًا بالأدوات النقدية والمنهجية، فضلًا عن ذاكرة بصرية وخزّان (ريبرتوار) من المشاهدات، تتوزع بين الكلاسيكي والمعاصر والحديث، كما أنه، أي الحُكم، يكون مُبررًا ومُقنعًا إلى حد بعيد، ويرتكز على إبراز مكامن القوة والضعف في العمل الإبداعي، في حين أن المُراجعات يكون أغلبها في صيغة انطباعات ذاتية لا تحتاج إلى تبرير، تَشمل الإعجاب، الانبهار، التأثر، وهي العتبات الأولى المُمهدة لممارسة النقد الفيلمي، على اعتبار أنّ القراءات النقدية المتميزة تستدعي وجود مسافة حَميمة مع العمل الإبداعي قبل البدء بالكتابة عنه.

ليس من صميم التحليل الفيلمي إطلاق أحكام حول الأفلام، إنما يقتصر عمل المُحلل على وصف وتفكيك ميكانيزمات اشتغال المادة الفيلمية، بحسب زاوية المقاربة دون إبداء رأي فيها. التحليل في هذا السياق يشبه واجبًا مَدرسيًا، ويجري اعتماده كثيرًا في معاهد السينما، وفي بحوث الطلبة بالجامعات. من هذا المُنطلق إذًا، ولأن الأفلام تثير الضجة والكلام، بخلاف الرواية والمسرح (هذا موضوع آخر)، بات على الباحث التمييز بين أنواع الخطابات المُنتشرة، بحيث إن كلّ خطاب يعكس الجهة التي تنتجهُ، دون إغفال مَشروعية كل فئة في إنتاج خطاب مواز للعمل الإبداعي، تلك المَشروعية المُستمدة من كون الأفلام السينمائية موَجهة أساسًا إلى الجمهور الواسع، لاسيما التجارية، ومنه يصبح الكلام عنها تحصيل حاصل، كما أنّ قيمة العمل لا تكتمل إلاّ بتحقق مطلب التّلقي، وأن العملية التواصلية بين المبدع والمتلقي، متى اعتبرنا الفيلم رسالة جمالية، لا تأخذ صيغتها النهائية إلا في حضور أثرٍ رجعي «Feedback» يضمن نجاح الصيرورة. إن التمييز بين الخطابات المتنوعة لا يبتغي المفاضلة بينها، كما قلنا، لأن المفاضلة هنا ليست في محلها، ما دمنا نتحدث عن خصائص مختلفة تُميز كل ممارسة عن أخرى، لكنه تمييز منهجي يتيح للباحث إمكانية انتقاء الأجود منها والاستئناس بالباقي، في هذا السياق نود أن نُمثل بنموذج ارتأينا أنهُ لامس جانبًا من الإشكالية وبَسطَهَا في قالبٍ إبداعي مُلفت، يتعلق الأمر بالفيلم الوثائقي «الغرفة 237» للمخرج الأمريكي رودني آشر سنة 2012.

الغرفة 237: حيث جُلد النقد

بعد ضَخه جُرعة من التوتر في ظروف التَلقي باستخدام موسيقى تصويرية مرافقة لتعليق صوتي ومشهد تمثيلي لـ»طوم كروز»، يبدأ الفيلم الوثائقي «الغرفة 237» بعَرض وجهات نظر خمسة أشخاص حول فيلم الرعب الأمريكي «the shining 1980» للمخرج المُبدع «ستانلي كوبريك»، إذن هو فيلم يحكي عن فيلم. خمسة أشخاص/ شخصيات هم أبطال قصة «الغرفة 237»، لا نعرف عنهم شيئًا سوى أسمائهم، لم يعرض المخرج وجوههم، ولم يرفق أسماءهم بصفاتهم، نسمعُ أصواتهم بالتزامن مع عرض مقاطع مُجتزأة من فيلم «the shining» أو من أفلام أخرى، لكن من المؤكد أنهم ليسوا أصوات نقدية معروفة في الساحة الفنية، ومن المؤكد أيضًا أن ما يجمعهم هو وَلعُ السينيفيليا. خمسة شخصيات قَدمت قراءات مختلفة، بل مُتضاربة، وأحيانًا مُضحكة للفيلم نفسه. تتلخص فكرة القراءات الخمس في أن فيلم «the shining» ليس مُجرد فيلم رُعب، بل يخفي معاني ودلالات تَحتية (ضمنية)، هذه المعاني مُتأرجحة بين من يرى أنه فيلم عن الإبادة الجماعية لسكان أمريكا الأصليين، وآخر يرى أنهُ يحكي عن محرقة الهولوكوست، وآخر يرى أنهُ فيلم عن استكشاف المتاهات، وآخر يرى أن الفيلم هو رسالة اعتذار المخرج «ستانلي كوبريك» لزوجته بعد تورطه في عملية تزييف هبوط الناسا على سطح القمر!

من الناحية الأسلوبية، وظّف المُخرج «رودني آشر» توليفة باروكية من العُدة التقنية (عرض بطيء، إطارات متجمدة، رسوم غرافيكية للفندق، صور متحركة مُعدلة رقميًا) قوامها الامتلاء بالتفاصيل، وذلك لأن طبيعة الشرح والتوضيح تستدعي هذه الاختيارات. يذهب الفيلم الوثائقي إلى أبعد الحدود في تصوير أفكار أبطاله الخمسة (protagonists) على نحوٍ يخفي قدرًا من التهكم، من خلال توظيفه للقطات من أفلام أخرى للمخرج «ستانلي كوبريك» في سياق حديث الأبطال عن افتتانهم بالفيلم على غرار لقطة ذهول «طوم كروز» (من فيلم: Eyes Wide Shut) بالتزامن مع رواية أحد الأبطال عن دهشته، ثم يعرض لقطة لـ«ريان أونيل» (من فيلم: Barry Lyndon) وهو يقرأ كتابًا بالتزامن مع التعليق الصوتي لأحدى الشخصيات التي كانت تتحدث عن كتاب مُعين، فيما تُعرض لقطة أخرى لـ«جاك نيكلسون» يبدو فيها مُتجهمًا (من فيلم: the shining) يصاحبها سماعنا لادعاء سخيف في التعليق الصوتي. وكأن المُخرج يُلمح، على نحو متواصل، إلى أنّ كل شيء من عالم «كوبريك» قابلٌ لأن يكون مرئيًا، وهو يبتغي بذلك التأكيد ساخرًا على الطبيعة المُحكمة الرصينة لقراءات الأبطال الخمسة.

من المهم جدًا أن نلفت الانتباه إلى النواقص التي ترتبت عن التوظيف الأسلوبي للعدة التقنية المتنوعة، وطبقات المونتاج الكثيفة، فالتتابع المتلاحق للصور أفرز إشكالية المُعالجة الآنية للمعلومات البصرية عند المتلقي، ذلك لأنّ الدَفق البصري المتواصل يجعل مهمة التّفكير في طبيعة العلاقات المعقدة بين المرئي والمسوع صعبة على المشاهد العادي، بالإضافة إلى أن الطريقة التي يصوّر بها المخرج فكرة افتتان الأبطال بفيلم «the shining» تبدو ذاتية إلى حد بعيد، بمعنى أن كلام الشخصيات جرى تأويله من المخرج عبر انتقاء الإطارات والصور التي يعتقد أنها التعبير الأمثل عن أفكارهم، هذه الانتقائية لا يمكن سوى أن تكون ذاتية، وهو ما يعني أيضًا أن محاولة المخرج تقديم المادة الوثائقية بموضوعية وحياد لم تكن في مُجملها ناجحة. انتقاء الإطارات والصور ينطوي على تأويل وتوَجُّه مُعين.

المرجعية الإبيستيمولوجية والفلسفية للقراءت الخمس

استقبل فيلم «الغرفة 237» بحفاوة نقدية بعد عرضه، لكن البعض انتقده بسبب عدم انحياز المُخرج لقراءة دون أخرى، أو لكونه لم يتخذ موقفًا واضحًا منها واكتفى بعرضها وبالصمت حيالها. وتجدر الإشارة، في السياق نفسه إلى أن المحتوى العربي في «الويب» حول هذا الفيلم، فيما اطلعتُ عليه، مقتصرٌ على وصف مضامينه فقط، وبنبرة لا تخلو من الانبهار بعبقرية القراءات التي عُرضت، وهو أمر مؤسف حقا، يعكس فقرًا نقديًا في التلقي، ذلك لأن القراءات التي عُرضت، في تصوري الخاص، لا ترقى إلى مستوى الانبهار، ويكفي القول بأن أبطال الفيلم سلكوا منهجًا تحليليًا يرى في عُلب الخميرة المصفوفة فوق الرفوف معاني تدل على إبادة جماعية للهنود الحمر، وفي آلة الطباعة الموسومة بصورة نسر رمزًا للنازية وجرائمها في حق اليهود، وقس على ذلك تفاصيل أخرى شملت ممرات الفندق والصور المعلقة على الجدران والمرافق الصحية في إغفال تام لقصدية المُبدع Authorial intent وللثيمة الأساسية للفيلم (الرعب)، هكذا إذًا تحول فيلم الرعب الأمريكي «the shining»، بقدرة قادر، إلى بؤرة لكل الإسقاطات الفكرية الممكنة وغير الممكنة. تقول إحدى شخصيات الفيلم الوثائقي: «قد يجادلنا أحد ما قائلًا إن بعض هذه المعاني، وربما كلها، لم تخطر ببال المخرج، ولكننا نعرف جميعًا بأن النقد الفيلمي ما بعد الحداثي يَنظر إلى قصدية المبدع بكونها ليست سوى جزء من أي عمل فني، وأن الدلالات والمعاني تظل متضمنة في العمل، سواء كان المبدع واعيًا بها أم لم يكن. «صحيح أن النقد ما بعد الحداثي يتجاوز النص، لنقل دلالته المَقصدية، ويمنح سيادة التأويل للمتلقي في أفق توليد دلالات ومعاني جديدة، لكن أهي سيادة مطلقة، مُنفلتة من أية صرامة منهجية؟

إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن القرءات الخمس للفيلم ليست سوى إمكان واحد من بين آلاف، بل ربما ملايين الاحتمالات الأخرى، وقد تَبرزُ قراءات أخرى تدفع بالمعنى إلى ثخومه القصوى. بوسعنا، حسب هذا المنطق، أن تَصور «the shining» فيلما يدور حول رياضة التنس أو الهوكي على الجليد! إن منهج توليد المعاني، بهذه الصيغة، ينسحب على جميــع النصوص المرئية والمكتوبة، سواء بسواء، والمُحصلة انفجارٌ لا متناه من المعاني. الشيء الذي يجعل للنص/للمتن الفيلمي امتدادات واسعة. إن النقد الفيلمي وفق هذا المنظور، لا يروم الكَشف عن آلية بناء النص/الفيلم، بل بالأحرى، حسب تعبير رولان بارت « كيف يتبدد وينفجر (…) طالما أن الهدف ليس هو العثور على المعنى الوحيد للنص، ولا حتّى أحد معانيه، هدفنا الوصول إلى التصور، والتخيل، وأن نعيش تعددية النص، وانفتاح دلالته».

في ضوء هذا التصور إذًا يجدُ النقد مابعد الحداثي للأفلام مرجعيته الإبستيمولوجية والفلسفية في الأعمال النقدية لرواد مابعد البنيوية أمثال رولان بارت الذي أعلنَ موت المؤلف وميلاد القارئ، وجوليا كرسيتيفا مُبدعة التّناص، وجاك ديريدا رائد التفكيكية. يبدو صحيحًا من حيثُ المبدأ ما قالهُ أحد أبطال فيلم «الغرفة 237» وهو يحاول تأسيس مشروعية إبيستمولوجية للقراءات المعروضة، وعلى ذلك تُصبح جميع القراءات مَشروعة، وإن كانت مُضحكة، أو عبثية لكن هل تمنحها هذه المشروعية رصانة وتماسك نقدي؟ هل تمنحها مَقبولية نقدية؟ في تصوري الخاص، هذا التأسيس تشوبهُ عيوب ولعلها، بل أبرزها الانزياح غير المُبرر عن مقصدية المبدع. إن قراءة العمل الفني لا تسعى إلى «قتل المُبدع» قتلًا تامًا بنفي مقصديته، ما دام أنُه هو من وضع مُحددات دلالية تسمح للقارئ/ المُشاهد بتَلمس طريقه إلى المعنى الأصلي. بالطبع نحن لا ندافع عن سلطة المعنى الواحد/ الحقيقة الواحدة (حقيقة المبدع) لكن القرأة الرصينة، في رأيي، لا بد أن تنطلق من مَقصدية المُبدع، كعتبة أولى للفهم، في أفق تجاوزها، تأويلًا، من أجل إنتاج قراءة فذة ومقنعة في الآن نفسه. بمعنى آخر؛ لابد أن يتسم الرابط الجامع بين قَصدية المُبدع والأفق التأويلي قويا إلى الحد الذي يبعثُ على الاطمئنان للقراءة المتولدة عن العمل الأصلي، كما أن القتل الرمزي للمؤلف جرى تأويله بشكل خاطئ، إذ إنّ القتلَ لا يعدو كونهُ استبعادًا لسياقات إنتاج العَمل الذاتية (اسم المخرج، حياته الشخصية، ظروفه السيكولوجية)، ولا يشمل تغييبًا كُليًا لدلالات النص نفسه.

اللاّيقين وعَودٌ على بدء

يتضح مما تقدم أن التشظي والارتياب، بمحمولته الفلسفية التي كرسها التعاطي مع مفاهيم ما بعد الحداثة، يرافق كل ممارسة نقدية، وفي السينما تتدرج القراءة الفيلمية، من قراءت ساذجة وغير لائقة، إلى أخرى بارزة تجمع بين قَصدية المؤلف، التماسك، والانسجام، على أنّ فيلم «الغرفة 237» سلط الضوء على الجانب المُظلم من النشاط النقدي – إن جازت تسميته نقدًا – بعرضه لقراءات، في مُجملها، غير مقبولة وغير مُقنعة، قراءات تُصّور «السينيفيليا» في أقصى مظاهرها المَرضية والمَجنونة، فانتهى المطاف بالمُخرج «رودني آشر» إلى تقويض النقد نفسه مبرزًا إياه كنشاط عبثي ذي سمعة سيئة. الجميل في الأمر هو أن النشاط النقدي بدا في سياق الفيلم مهما اتفقنا أو اختلفنا مع تلك القراءات، بدا نشاطًا حُرًا لا يخضع إلى نفوذ خارجي، أو إلى سلطة المال، بل لسلطة المُتلقي وحده، حُرًا في فهمه للعمل، مُطلقًا العنان لخياله الفَتي.

الجميل أيضًا أنّ الممارسة النقدية تعزز من رواج الأعمال، وازدهار الصَنعة بالكلام عنها، وتدفع يقينًا المبدع إلى التطلع والطموح للأفضل. وتسمح للمُتلقي بالجموح، وإطلاق العنان في تعبيره عن رضاه وسخطه. لا بد في جميع الأحوال من الكلام عن الأفلام، ولابد أن يرافق كل عمل إبداعي نقدًا يوازيه في أفق المراكمة أولًا، ثم الدفع بتطوير العملية الإبداعية ثانيًا، من خلال الاشتغال على تحسينها وتصويب أخطائها أو تكريس محاسنها، النقد برمته منذور لهذه المهمة وإلا صار، في تصوري الخاص ممارسة فارغة من مضمونها وهدرًا للطاقة والوقت، وفوق هذا، لابد للنقد أن ينقد ذاته، لأنه ليس حصينًا ضد الرداءة شأنهُ في ذلك شأن الأفلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد