نخون العهود كالصغار الذين يسرقون حبات الشوكولاته ببراءة طفولتهم، لا يعرفون قيمة السرقة وتوابعها، ولكنهم يدركون “بجوع” اللحظة وببواطنها والبحث في قضاء حاجاتها.

سرقت البطلة “هيام” حقها في العيش، سبيل الحياة “الحب” وخانت عهد المجتمع الذى فرض عليها رسوم العيش كـ “ترك الحب وما تطيب لها نفسها” من أجل ضوابط مجتمعية فرضت على المجتمع وطبقاته.

ليس كل عامل من الفنون السينمائية المستخدمة في شتى أنواع السينما والدراما، يتم تصنيفه في الموضع الصحيح الذي يُكمل تفاصيل محتوى الفيلم، ويخدم شُعاع التأثير المعنوي قبل المادي لمشاهديه. ولذا عند توافر تلك العوامل وتوظيفها بالشكل الصحيح الأمثل، يجب الإشاده بها، للتكريم.

فيلم “فتاة المصنع” أكبر من كونه حالة مؤقتة تجذبك للعيش معها لمدة ساعة ونصف الساعة، في جوٍ من الدفء السينمائي الذي لم يعد يتوافر بكثرة في يومنا هذا، هو حالة “واقع” لم يعد فقط حالة مُصارحة، واعتراف بالطبقة الفقيرة عديمة التميز، التي يُلقى دائمًا اللوم عليها بأغلب الدراما المصرية، وكأنها الطبقة الكاسدة الكادحة ذات قلة الأخلاق والمبادئ وفن الإتيكيت وغيره ، التي تريد بعث فكرة أنه يجب أن تُقتلع جذورها من المجتمع نهائيًّا من أجل الوصول إلى مجتمع التقدم والرقي ذو المُثل العليا، بل إنها سلطت الضوء على مشاعر تلك الطبقة المُستبعدة من مكنون خيرات الأمة، وتوظيف تلك المشاعر الإنسانية المُهدرة الناتجة عن الواقع الذى تعيشه تلك الطبقة من معاناة اقتصادية واجتماعية ونفسية، بالمشاعر العاطفية التي تجسدها البطلة “هيام” ليجلب لنا نهائية حتمية متطابقة لنهاية الواقع الذين يعيشونه.

وإن كادت البطلة “هيام” تصل في النهاية لمرحلة الرضا، وعدم اليأس من الواقع، بل التعلم والسير في طريقها بمنهجية، أجادت التعبير عنها برقصها الشرقي على أنغام زفة فرح حبيبها المهندس ذي الطبقة المتوسطة بالمجتمع التي هي طبقة تعلو الطبقة التي تنتمي هي لها.

بسكون ورضا وخضوع تركت لشعرها المقصوص بفعل جدتها؛ ليكون رمزا لكرامتها التى أهينت من قِبل المجتمع، عن غير أحقيه، وباكتسابها لشهادة المظلوم عن فعلة المجتمع اتجاهها وبجداره.

بعثت لنا برسالة لا بد أن تُفهم عبر السطور.. وكأنها تقول:

“غلطة ومش هنكررها تاني، وهنحب على قدنا بعد كده، ونبطل نطلب المستحيل في حقنا للحب أو حتى نحلم بيه؛ لأن ببساطة عمره ما هيحصل”.

وظفت ثوره الخامس والعشرين من يناير التوظيف الصحيح السليم الذى لم أشعر وكأنه تم بتلك الصورة المنطقية في أي من الأفلام التى تحدثت عن ثورة من قبل؛ لأن ببساطة عند تصويرها، قد جُلب نبض ثورة يناير في حق “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية” كهتاف يعلو المشهد في الخلفية بينما البطلة “هيام” تتشاجر مع حبيبها الذى يطلب منها أن تكف عن حركاتها، وما تقوم به من إشاعات تنشرها بكل مكان من أجل أن يعود لها.. في لهجة سخرية منه لها عن كم السذاجة التي هي بها التي دفعتها في يوم أن تُفكر فيه، بل تحلم به!

وكأن البطلة “هيام” صورة من صور الواقع المُهدر حقه من رغد الحياة والعيش، والذى وجوده يعد نبضة من نبضات قلب قيام الثورة سابقًا.

ستظل “هيام” حالة تولدت ولم يتم علاجها بعد! ليس الأفضل تشويهها!وليس الأفضل اقتلاع جذورها والقضاء عليها نهائيًّا، ولكن الأفيد والأصلح اكتسابها؛ لأنها نبض المجتمع الأصلي، طينته الأصلية، وروح وطنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد