أكثر ما يجتاح نقاشاتنا اليومية هي المؤامرة، وكيف أن دول العالم القوية تحركنا كأحجار الشطرنج، وربما أنّ أحجار الشطرنج لهم الخيار أحيانًا على الرقعة المربعة.

تأتي الفكرة العامة من فيلم محطم الثلج Snow piercer، ليزيد من القناعة الجمعية أكثر بأننا مجرد فصيل أغنام، تجرنا الشعارات والأحلام، وتلعب بأدمغتنا (إن وجدت)، كل أجهزة الاستخبارات بعد دراسة موسعة عنا، فهي تعلم كل شيء، وتراقب كل شيء، وتتابع كل شيء، ولها دومًا خططًا مدروسة تنفذها في الزمان والمكان المناسبين.

وأما قصة الفيلم (الخيالي العلمي) المأخوذة من الرواية الفرنسية المصورة (“Le Transperceneige”) انطلقت من احتباس حراري أصاب الكرة الأرضية فحاول العلماء وضع حل عبر اختراع مادة تعدل من حرارة الجو، ولكن المادة جعلت الأرض متجمدة والحياة منقرضة، إلا قلة محظوظة من البشرية صعدت القطار، والذي يجوب الكرة الأرضية عبر سكة تلتف فيها من دون توقف، ويعمل على محرك قوي جدًا، ومصمم ليخترق الجليد.

ينقسم القطار إلى مؤخرة حيث طبقة (البروليتاريا) المستغلين، ثم تتبعها المقطورات للذين هم أفضل حالًا حيث الدرجة الاقتصادية، ثم الدرجة الأولى حتى بداية القطار حيث المحرك وصاحب القطار ومصممه (ويلفريد)، تعاني الطبقة الدنيا من ظلم شديد وعدد سكاني كبير، ويحرس مكان إقامتهم حراسة شديدة مع أسلحة يُعرف فيما بعد أنها من غير ذخيرة.

يقدم لتلك الطبقة طعام ليبقوا على قيد الحياة هو مادة (البروتين)، ولكن علم بطل الفيلم (كورتيس) أنّ إحدى قطع البروتين تحمل رصاصة بداخلها ورقة تشير إلى سجين في القطار يستطيع فتح الأبواب المحكمة الإغلاق بين مقصوراته.

لا أحد يعرف من أين تأتي الرسائل ولكن (غيليم) أحد كبار السن في تلك الطبقة، كان ملهمًا لـ (كورتيس) ويشير عليه بموعد انطلاق ثورتهم ضد قادة هؤلاء القطار أو ضد قائده الأوحد (ويلفريد).

أما عقوبة متمرد ما فهي إخراج ذراعه من فتحة من القطار إلى خارجه، حيث تتجمد يده تمامًا في 7 دقائق، ثم تحطم بمطرقة ضخمة.

تقول إحدى وزيرات ويلفريد في الفيلم وهي تخاطب الطبقة المُستغلة: “أنا أمثل القبعة، وأنتم تمثلون الأحذية، أنا سأعود إلى المقدمة وأنت ابقَ حذاء”.

يتم التجهز للثورة والمجازفة بشتى الوسائل لاجتياز البوابة الأولى والوصول للسجين الذي ورد اسمه في رسالة قطعة البروتين، وفعلًا يتحقق البطل من فراغ أسلحتهم من الرصاص ويثور معه الطبقة المستغلة ويجتازون عدة مقصورات ليصلوا إلى السجين ويحرروه، والذي يتابع لهم فتح البوابات، ويكتشف البطل مع صديقه الرسام أنّ قطع البروتين مكونة من الحشرات القذرة.

ويستمر المستغلون بالتمرد وفتح الأبواب ويستقبلهم قوات مسلحة بالسكاكين والفؤوس، ويحصل اقتتال يقتل به الكثير، ثم تخرج مساعدة ويلفريد عليهم يتقدمها قطيعٌ مسلح بأنهم مجرد حثالة، وينكرون كرم ويلفريد؛ فيجب أن يقتل 74% منهم.

يمر القطار بنفق مظلم طويل، ويرتدي جنود ويلفريد أقنعة ليلية، ويقتل قسم كبير من المُستغلين، ولكنهم ينتصرون ويستمرون.

يرى أهل الطبقة المعدومة كيف يعيش أهل الدرجة الأولى من رفاهية، حيث توجد مزروعات وأشجار وأحواض سمك ولحوم ومدرسة أطفال يتعلمون فيها كره القسم الخلفي من القطار واستحقارهم، وبالتالي تقديس ويلفريد وتأليهه كأي مستبد وطاغية نراه اليوم، فهو أملهم وحلمهم وحياتهم ونجاتهم.

يستخدم الرصاص فيما بعد من قبل جنود ويلفريد ويقتل المزيد من الطبقة المعدومة، حيث إنّ الطريق للمحرك المقدس كان مليء بالمفاجئات التي تحول الدنيا إلى طبقتين: فئة قليلة تملك كل شيء وتتنعم بكل شيء، وأخرى مسحوقة تعتاش الأولى عليها، أطباء الأسنان وتفصيل الألبسة، والبارات، والمقاهي الفاخرة، التصاميم الفريدة والتماثيل، غرف الساونا، القطار كان يمثل العالم بـ”عنجهيته” واستغلاله، وتقديس المادة على حساب الكرامة الإنسانية.

عاش أهل الطبقة المعدومة أبشع الأيام حيث كانوا يأكلون بعضهم، ويأكلون الأطفال إلى أنّ تبرع العجوز بقطع يده ليكفوا عن أكل الأطفال، ولذلك كانت الثورة التي قاموا بها لا تحتاج إشعالًا كبيرًا.

يصل البطل إلى مقدمة القطار ويقابل ويلفريد ويخبره الأخير أنّه يريد أن يحافظ على التوازن العام، بأن يبقى ما يكفي من غذاء وماء ومؤن، ولذلك لا بد من تخفيف عدد سكان القطار، لذلك لا بد من أن يقتل السكان بعضهم البعض، وبالتالي لا بد من إثارة الفتنة بينهم من حين لآخر إن جاز التعبير.

مؤامرة شيطانية، فأنا من كنت أرسل لك الرسائل حتى تتحرك، لقد كانت الخطة أن تنتهي ثورتكم عند النفق المظلم بالتنسيق مع ملهمك صديقي غيليم، ويقتل 74% من سكان القطار، ولكنك استمريت ووصلت إلى هنا، ومات أكثر مما نتوقع.

ينتهي الفيلم بتحطم القطار وموت البطل والمستبد، وخروج طفلة وطفل لتستمر البشرية، ويبدأ الثلج بالذوبان.


الفيلم خيالي نعم، لكنه يتحدث عن واقع مؤلم، أننا بين نظرية مؤامرة مستمرة، حيث إننا نقتل أنفسنا بأنفسنا، ونظرية تقول العكس تمامًا أنهم استغلوا تحركنا ضد الطغاة ليجعلوها فوضى خلاقة، فوضى (دمار – خراب) لا تعرف أين موقعك فيها ؟
فأنت مُخير دومًا بين الركون فتبقى في الطبقة المعدومة والمستغلة والمسحوقة من قبل طبقة جشعة متهورة همها أن تبقى على أعلى درجة من الترف ولو على حساب سحق الضعفاء. أو التحرك لتبدأ سلسلة نظريات المؤامرة تضرب كل الأحلام والوقائع.

وذلك ما يدور اليوم عن الربيع العربي وتحوله (وإن رغمًا عنه) إلى ربيع بلا زهور، أو خريف له أحلام ربيع، فقد قرر العالم بعد تفاجئه به وبرياح الحرية التي هبت وأصبحت ملهمة للعالم أن تحترق مصالحها، فقرروا بالإجماع تغيير مساراته نحو الأسوأ أو أسوأ من الأسوأ، على حساب تشتت البلدان وفناء العمران ودماء الإنسان، لا ضير فالمصلحة تقول هؤلاء وقود حرب أشعلوهم.

Snowpiercer

 

فيلم محطم الثلج

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد