نادرًا ما ترسو سفينتي على ضفاف فيلم هادف وعظيم لهذه الدرجة، فيلم المنصة حمل في طياته وعلى ضفافه قضايا مهمة وطرح رائع لواقع نعيشه ونحياه، ودعني في البداية أبين لك تفاصيل الفيلم، حتى نكون على بينة ونور من أمرنا في توضيح الرسائل التي حملها الفيلم.

في سجن من عدة مستويات يبدأ المستوى الأولى من الأعلى إلى الأسفل، ليصل إلى المستوى 333، ويتم إنزال الطعام على طاولة من الأعلى نزولًا إلى كل المستويات وفي كل مستوى يوجد شخصان، ليأكل من في المستويات الأعلى أغلب الطعام لنزوله أولًا في مستوياتهم، وأثناء نزول الطعام يقل نتيجة لجشع من في المستويات الأولى.

ليدخل في المنصة بطل الفيلم Goreng وزميله Trimagasi في المستوى 48، وعند معرفة غورينغ أن الطعام يأتي لهم بعد أن يأكل منه 94 شخصًا بطريقة همجية وغير منظمة، مما يتسبب بعدم وصول الطعام للمستويات الأخيرة يدور بين غورينغ وتريماغاسي الحوار التالي:

-غورينغ: يجب أن يحددوا حصصهم من الطعام، سيخبرون مستوى 46، وهؤلاء سيخبرون مستوى 45 وهلم جرا.

ويقصد غورينغ أن يخبر من في المستويات الأعلى منه أن يقوموا بتحديد الأطباق التي سيأكلون منها وأن يدعوا شيئًا لمن هم تحتهم.

-تريماغاسي: هل أنت شيوعي؟

-غورينغ: أنا موضوعي تحديد الحصص في عدالة.

-تريماغاسي: من بالأعلى لن ينصتوا إلى شيوعي.

ليقوم تريماغاسي بالتبول على من هم أدنى منه في مستوى المنصة، ليقول له غورينغ:

ربما سيصبحون في الأعلى

تريماغاسي: نعم وسيتبولون علينا، الأوغاد.

أهم الحاجات لدى الإنسان هي الاحتياجات الفسيولوجية، ومن ضمنها الطعام والشراب وفقًا لتصنيف الحاجات الإنسانية في سلم ماسلو الهرمي، فماذا لو تعرض الإنسان لتهديد في نقص الطعام والشراب، هل سيقوم بني البشر في التعاون فيما بينهم في الأزمات والمواقف الصعبة؟ أم سيسعى كُل منهم للنجاة بنفسه دون التفكير بالآخر وخاصةً أصحاب الأموال والذين بإمكانهم تناول ما يريدون؟ وماذا لو كان الإنسان هو المتسبب بحالات الفقر الشديد والتفاوت في امتلاك الأموال بين من لديه المليارات وبين من لا يجد الطعام ليأكل؟

يمثل من هم في المستويات الأولى والأعلى في المنصة أصحاب الحاجات المتوفرة بشكل دائم من طعام وشراب، ولا يأبهون لمن تحتهم من الناس، يملؤون بطونهم في كل يوم بما لذ وما طاب لهم، ولايدعون لحظة لأكل ما يحق لهم ولغيرهم إلا واغتنموها، ليمثل أصحاب المستويات الأخيرة أولئك الذين يموتون جوعًا في عالمنا ولا يجدون ما يأكلونه أو يسدون فيه جوعهم، فماذا يحصل لهم عندما يشعرون بأن نهايتهم الموت جوعًا، يعرض لنا الفيِلم كيف أراد تريماغاسي أن يأكل غورينغ عندما بدأ ينقص الطعام عنهم، فهي غريزة البقاء لدى الإنسان التي تحتم عليه فعل أي شيء على أن لا يموت، انظر القضية العالمية الشهرية التي حصلت مع البحارة وأثيرت في محكمة بريطانيا عام 1884 وعرفت باسم The queen vs Dudley and Stephens عندما اضطر البحارة لأكل صاحبهم لكي لا يموتوا.

فكرة غورينغ في تحصيص الطعام بين الجميع كانت بمثابة حل مثالي لإيقاف المعاناة، في آخر الفيلم يقوم بتنفيذ ما قاله في الحوار الدائر بينه وبين تريماغاسي، وتبدأ خطته في منع أول 50 مستوى من تناول الطعام في أول يوم، فماذا لو تخلى الأغنياء ومن لديهم الأطعمة الكثيرة عن جزء من طعامهم للفقراء وخصصوا قسمًا من ثروتهم لمهمشي الكرة الأرضية، فهم على جميع الأحوال سيأكلون في اليوم التالي ولن يتأثروا أو يموتوا لمجرد صومهم يومًا واحدًا عن الطعام، وما بعد الـ50 يتم تحصيص الطعام بحيث يأكل الجميع، وفي الخاتمة تظهر الفتاة في آخر مستوى على أنها ترمز إلى الأمل، وأن بإمكان إيصال الطعام للجميع حتى في الأسفل وأن الأمل موجود، لينتصر في آخر الفيلم غورينغ بتأكيد أن فكرته صائبة، وأن بإمكان الجميع النجاة وتغيير النظام السائر في المنصة دون إراقة الدماء وتعدي الغني ومن في الأعلى على من تحته، أو تعدي من في نفس المستوى على بعضهم البعض.

يتم في المنصة تغيير مستويات الأفراد بعد مضي عدة أشهر، مما يجعل من كان في المستويات الأدنى (الفقير) في مستويات أعلى وربما في المستوى الأول أو الثاني (غني) ومع ذلك يبقى هذا الفرد ضمن هذه السلسلة جشعًا همه التفكير في نفسه دون محاولة التغيير في نظام المنصة، وإثبات أن إدارة النظام فيها خلل عظيم، فهو يقوم بنفس ما كان يقوم به من سبقوه في المستويات العليا، وفي هذا إشارة إلى أن الفقير في بعض الأحيان وإن اغتنى يتحول بشكل مباشر إلى جشع، يقول عبد العزيز السلمان في كتابه «موارد الظمآن لدروس الزمان»:

تَجَنَّبْ بُيُوتَا شُبِّعَتْ بَعد جُوعِهَا
فإنَّ بَقَاءَ الجُوعِ فيها مُخَمَّرُ

فعندما يغتني الفقير لا يعني هذا بالضرورة أنه سيسعى للتغيير لكي لا يعيش من بعده ما عاشه هو، وتأتي هنا دور الثقافة والفهم الحكيم، فصاحب الثقافة هو بطل الفيلم صاحب الكتاب، ولعل الكاتب أراد أن يرمز للعِلم والمعرفة عن طريق كتاب غورينغ الذي أحضره معه عند دخوله المنصة بعكس صاحبه الذي أحضر السكين، وشتان بين من يحمل كتابًا ومن يحمل سكينًا، والغنى غنى النفس لا غنى المال والطعام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فيلم المنصة
عرض التعليقات
تحميل المزيد