ما زلنا في حديثنا عن كيفية الإدارة الصحيحة للاختبارات النهائية وتناولنا في المقال السابق أهمية الدعم النفسي في تلك الفترة، والآن نستكمل الحديث حول الأحداث التي تشغل الكثير من الطلاب في هذا الوقت.

«الامتحانات الصعبة تعلم فن تخطي الحواجز»

في الدورات الأوليمبية هناك سباقات عدو مع تخطي الحواجز حيث يتنافس المتسابقين ليس فقط في سرعتهم ولكن أيضا في قدرتهم على تخطى الحواجز، وأثناء السباق ينطلق الجميع بسرعة لإتمام مهمتهم وقد يصطدم أحدهم بالعارضة الخشبية في الحاجز وقد يسقطها إلا أنه لا يتوقف عندها أبدًا ولا ينظر إليها حتى، وإنما ينطلق نحو الحاجز الذي يليه بقوة وإصرار، وأحيانا قد يسقط أحدهم تمامًا على الأرض ولكنه يقوم مسرعًا كأن شيئا لم يكن لينطلق نحو الحاجز الآخر وهكذا.

امتحانات متتابعة.. إنجازات متتابعة

إن الامتحانات المتتابعة شبيهة إلى حد كبير بمثل هذه السباقات، ولقد شاهدت كثيرًا من الطلاب المتميزين إذا سقط أحدهم عند أحد الحواجز وتعثر في أحد الاختبارات قرر الخروج من السباق.

بالله عليك ماذا كان سيكون رأيك إن كنت أحد المشاهدين لمثل هذه السباقات وأنت ترى أحدهم يسقط على الأرض فيقرر أن يخرج من السباق، أعتقد أنك كنت ستصفه بأفظع الصفات والألقاب.

ثم ماذا لو سقط أحدهم أو أوقع العارضة الخشبية وأخذ في الصراخ والبكاء والشكوى بصوت عال «وقعت وقعت وقعت هسقط هسقط هسقط» هل ستترك السباق وتجلس الى جواره لتشاركه فى البكاء والصراخ ولتقول له «معلش أنا برده هسقط عند الحاجز القادم».

ارتد دائمًا معطفًا واقيًا من رصاصات الأفكار المحبطة والسلبية

يجب عليك أن تتعلم ممارسة فن العزلة في مثل هذه المواقف، لقد تعلمت أن أنفصل عن كل مشاهد التعثر التي أراها حولي أثناء لجان الاختبارات، وأدركت أنه يجب أن أنطلق ولا أنظر خلفي، أن أتقدم ولا أنشغل بالحاجز الذي صدمته أو أوقعته، لقد أدركت جيدًا أنني لست مسئولًا عمن سقطوا حولي وبالتالي لست معنيًا أن أشاركهم البكاء والصراخ وأترك مضمار السباق لأجلهم.

لسنوات طويلة وبجلسات تدريبية متعددة أقنعت طلابي بالتخلص من تلك العادة الذميمة القاتلة والتي تسمى «المراجعة بعد انتهاء الامتحان» أن تمسك ورقة الأسئلة وتراجع ما أجبت وما لم تجب وتقيم نفسك بالدرجات أنت وزملاءك، عليك أن تتقن جيدًا فن الهروب بعد انتهاء الاختبار من حلقات التقييم والتصحيح التي يجريها الطلاب بعضهم لبعض والتي تحوي جرعات مركزة من عبارات مثل:

«ياه كنت عارفة ومذاكرة بس نسيت الإجابة»

«أوف الوقت كان ضيق»، «خسارة مجاوبتش غير نص الامتحان»

«يعني الدكتور ملقاش غير السوال ده»

«هسقط هسقط»

«أنا لو أجيب مقبول بس مقبول يارب»

وغيرها من العبارات الكريهة التي يتبادلها الطلاب فيما بينهم بكل بساطة وبغير وعي، بينما يكون لها أبلغ الأثر –السيء- على حالتهم النفسية وعقلهم الباطن وكذلك على أدائهم في المواد القادمة.

لقد تعلمت أن أتجاهل كل المحاولات للزج بي في هذه النقاشات الذميمة وأن أجيب ببساطة:

«أنا لا أراجع أبدًا بعد الامتحان».

«هذا الأمر لا يعنيني».

«بتتكلم عن إيه لا.. لا معلش أنا مش مركز معاك».

أنت أيضا يجب أن تتعلم كيف تنفصل عن كل العبارات السلبية حولك وأن تهرب من سماعها وأن تعرف جيدًا أن المشاعر معدية تمامًا مثل الأمراض المعدية. وفي عالمنا الآن كثير من الناس لا يقولون الحقيقة، ويرددون دائمًا هذه العبارات لا لشيء إلا ليخفوا تميزهم أو أداءهم الجيد وليضللوا من حولهم، قرر أن تتجنب الأشخاص السلبيين والمتشائمين فهم يجعلونك تشعر بالمشاعر السوداء نفسها، واجعل تعاملك معهم محدودًا قدر الإمكان ولا تسمح لهم بإفساد حياتك وأفكارك.

تعلَّم أن تنعزل عن كل المشاهد الدرامية والتراجيدية قبل وأثناء وبعد أداء الاختبار، تعلَّم أن تنطلق بقوة وأن تتخطى كل الحواجز، ليس فقط لتصل إلى نهاية السباق ولكن لتصل أولا.

كل هذه الأيام ستمر

لسنوات طويلة شاهدت كثيرًا من الطلاب والطالبات وهم يعيشون جو الكارثة أثناء الاختبارات النهائية، كثيرًا منهم لجأوا إلى الأطباء النفسيين ورجال الدين والدجالين وغيرهم وغيرهم طلبًا للعون والمساعدة على تخطي هذه الفترة العصيبة في حياتهم، ولست أبالغ حينما كنت أشاهد الطلاب قد يصابون بحالات نفسية أثناء الاختبارات، وفجأه تراهم معافين سالمين طبيعين بعد نهاية تلك الفترات العصيبة.

لقد تعلمت جيدًا أن أيام الاختبارات -وإن كانت أيامًا عصيبة- إلا أنها تمر وتنتهي بسلام، لقد تعلمت أن الضغوط يمكن أن نستثمرها في كثير من العمل والأداء والتغير للأفضل إذا واجهناها فى الاتجاه الصحيح واستثمرناها الاستثمار الأمثل.

استمتع بحياتك.. استمتع بأيام الامتحانات

يمكنك أن تجعل هذه الأيام من أسعد أيام حياتك إذا قررت ذلك، نعم تلك حقيقة مؤكدة، لقد عشت أجمل لحظات حياتي في هذه الامتحانات، لقد جربت معنى أن تكون متدفقًا وفي قمة الأداء والإنجاز والتقدم، أن تعاين قدرة الله عز وجل والتي تراها بعينك، وترى كيف يكافئك ربك ثم تجني ثمار تعبك ومجهودك وتستمتع بحصادها ونتاجها.

يمكنك أن تستمتع بأدائك وتستمتع بإنجاز واجباتك ومراجعة دروسك، يمكنك أن تشعر بالراحة والاطمئنان حينما تنتهي مما هو مطلوب منك، جميل أن تستمتع بالأخذ بالأسباب كما أمر الله عز وجل وترفع يديك بالدعاء الصادق النابع من قلبك طلبًا للعون والتوفيق من الله عز وجل.

جميل أن تستمتع وأنت ذاهب لقاعة الامتحان مثل الفلاح الذي يذهب لجني المحصول أو التاجر الذي سيقبض ربح صفقة كبيرة، يمكنك أن تستمتع وأن تقرأ ورقة الأسئلة في قاعة الامتحانات وترى فيها ما قمت بمذاكراته ومراجعته، يمكنك أن تشعر بالراحة حينما تنتهي من الامتحان تلو الآخر حتى تنتهي منها جميعًا وتنتهي هذه الأيام على خير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد