بعد غروب شمس مدينة ميلانو يوم السبت القادم لن يكون قطبا مدريد – ريال مدريد وأتليتكو مدريد – وجماهيرهما ضيوفًا على المدينة الإيطالية الشمالية فحسب، بل إن ملعب سان سيرو – الذي سيحتضن النهائي الأوروبي الكبير – سيكون ضيفًا على بطولة دوري أبطال أوروبا.

الملعب الشهير الذي طالما شهد جولات وصولات لقطبي ميلانو – إيي سي ميلان وإنتر ميلان – في دوري أبطال أوروبا ابتعد عن المشهد الأوروبي الأشهر فترة ليست بالقليلة. على أرضه بارى قطبا ميلانو أعتى أندية أوروبا في مباريات تاريخية شهيرة لعبت تلك الأرض مع قطبيها فكان الفوز حليفًا لهما في معظم المقابلات. بل إن هذا الملعب شهد مواجهة أوروبية إيطالية ميلانية خالصة منذ ثلاث عشرة سنة حين اصطدم عملاقا ميلانو في الدور قبل النهائي لدوري أبطال أوروبا عام 2003 ليتأهل بعدها الروسونيري إلى المباراة النهائية لمقابلة اليوفنتوس بعد أن تعادل في مباراة الذهاب سلبيا مع النيراتزوري قبل أن يتعادل معه إيجابيًّا بهدف لكل منهما ليحتسب هدف الأوكراني شيفشنكو بهدفين فيعبر به إلى لقاء إيطالي آخر في النهائي انتهى بفوز توجَّه بطلًا أوروبيًّا حينذاك.

ما أن تعبر جماهير مدينة ميلانو بوابات ملعب سان سيرو حتى تدور في عقولهم أفكار شتى وتتشابك في نفوسهم مشاعر مختلفة. ها قد عدنا نشهد مباريات أوروبية غابت عن ملعبنا شهورًا. وأية مباراة؟ نهائي أقوى بطولة على وجه الأرض. ولكننا أصبحنا ضيوفنا على أرضنا. يحل الإسبان ضيوفًا على المدينة، ونحل نحن ضيوفًا على الحدث وعلى البطولة كلها. أي هوان هذا؟ نأتي إلى ملعبنا لكي نشاهد الإسبان ونمضي؟ بعد أن كنا نشهد ديربي ميلانو أوروبيًّا نأتي لنشاهد ديربي مدريد الأوروبي على أرضنا؟ ويا لسخرية القدر؛ أتليتكو مدريد مرة ثانية.

ما أن ينزل لاعبو أتليتكو مدريد إلى ساحة اللقاء حتى تستعيد جماهير ميلانو – خاصة جماهير الروسونيري – ذكريات أليمة. ذكريات آخر مباراة شهدتها مدينتهم في دوري أبطال أوروبا في فبراير 2014 حين تغلب الفريق الإسباني على إيه سي ميلان في عقر داره بهدف نظيف قبل أن يسحقه في مدريد برباعية أطاحته من السباق والسياق الأوروبي، ليدخل بعدها في دوامة التيه المحلي الذي حال بينه وبين الظهور الأوروبي.

إذن ملعب سان سيرو يحمل فألًا حسنًا وذكرى سعيدة لفريق أتليتكو مدريد. آخر مباراة خاضها في ميلانو انتهت بفوز على أصحاب الأرض. المدير الفني سيموني ليس بغريب عن الملعب إذ لعب مع فريق الإنتر موسمين في النصف الثاني من التسعينيات حصد خلالها لقب كأس الاتحاد الأوروبي.

أتليتكو مدريد في هذه البطولة كان دائمًا ما يخالف التوقعات. في دور الستة عشر كانت التوقعات تشير إلى تخطيه عقبة فريق إيندهوفن الذي لم يصل إلى الأدوار الإقصائية في دوري أبطال أوروبا منذ تسع سنوات، ولكنه يتعادل مع الفريق الهولندي سلبيًّا ذهابًا إيابًا لتعبر به ضربات الترجيح إلى دور الثمانية لكي يلاقي سحرة الكاتالان حاملي اللقب الأوروبي.

حينذاك تحول مؤشر التوقعات إلى برشلونة خاصة وأن الفريق الكاتالوني متصدر الدوري الإسباني تغلب على أتليتكو مدريد بهدفين لهدف ذهابًا إيابًا في الدوري المحلي. النتيجة ذاتها تحققت في ذهاب دور الثمانية ببرشلونة إلا أن الفريق المدريدي استطاع أن ينهي الشوط الأول من مباراة الإياب متقدمًا بهدف فتفشل بعدها الهجمات الكاتالونية في اختراق دفاعات سيموني الإسمنتية المعهودة – ذات الصبغة الإيطالية – قبل أن يتأكد الفوز المدريدي بهدف ثان معلنًا التأهل للدور قبل النهائي لمواجهة العملاق البافاري بايرن ميونخ.

للمرة الثانية، لا تتجه توقعات الفوز صوب الروخي بلانكوس. في مبارة الذهاب يتقدم أصحاب الأرض المدريدية بهدف مبكر وعبثًا حاول الألمان بعده إدراك تعادل تحطمت محاولات تحقيقه أمام حوائط صد عتيدة تعرف هدفها جيدًا. في ميونخ كان الإصرار البافاري والثبات المدريدي على المحك. في أقوى مباريات دوري الأبطال هذا الموسم تقدم الألمان بهدف فشلوا أن يعززوه بآخر بعد ما أضاعوا ضربة جزاء في الشوط الأول. في الشوط الثاني تعادل المدريديون بهدف صعّب مهمة الألمان الذين لم ييأسوا وأحرزوا هدفًا ثانيًا في نهاية الثلث الثاني من الشوط الأول. بعدما أضاع الإسبان ضربة جزاء قبل نهاية المباراة ببضع دقائق سعى أصحاب الأرض إلى إحراز هدف التأهل الذي لم يأت رغم غزارة الهجمات ليتأهل فريق أتليتكو مدريد إلى المباراة النهائية للمرة الثالثة في تاريخه.

استطاع إذن فريق أتليتكو مدريد أن يقصي أقوى فريقين في البطولة وأبرز مرشحين لنيلها. تغلب على حواة برشلونة قبل أن يهزم نجوم بايرن ميونخ. وتلك نقطة تصب في مصلحته كثيرًا هذا العام.

على النقيض، نجد أن القطب المدريدي الآخر ريال مدريد قد استفاد كثيرًا من القرعة في جميع الأدوار الإقصائية. في دور الستة عشر لاقى فريقَ روما ذا المستوى المتوسط والمعقول أوروبيًّا فاستطاع حسم التاهل بنسبة كبيرة في ملعب الأوليمبيكو بعد ما تغلب على أبناء العاصمة الإيطالية ذهابًا بهدفين نظيفين قبل أن يفوز بنتيجة مماثلة في مدريد.

لو كان بإمكان فلورنتينو بيريز رئيس نادي ريال مدريد أن يختار فريقًا من فرق دور الثمانية لكي يلاقيه في ذلك الدور؛ لاختار دون تردد فريق فولفسبورج أضعف الفرق المتأهلة إلى ربع النهائي. القرعة أهدت بيريز ما كان يحلم به هو ولاعبوه وجماهيره وتوقع الجميع أن يفوز الفريق الملكي ذهابًا إيابًا على الفريق الألماني الذي ساعدته القرعة في ملاقاة جنت البلجيكي في دور الستة عشر فقفز على غير توقع إلى ربع النهائي بين كبار أوروبا.

في مفاجأة غير متوقعة تغلب الفريق الألماني المغمور أوروبيًّا على كتيبة النجوم المدريدية. وبعد أن توقع مشجعو الملكي الأبيض أن يكون ملعب سنتياجو برنابيو شاهدًا على نزهة كروية مدريدية في إياب ربع النهائي، أصبح الفريق الكبير مهددًا بالخروج من بطولته المفضلة. وأصبح ملزمًا بتحقيق ثلاثية نظيفة إن أراد تخطي العقبة الألمانية التي أصبحت كؤودًا. تخطى الإسباني الملكي فولفسبورج وأنهى مغامرة الألمان. باختصار، رونالدو كان هناك؛ صنع الفارق وأحرز الثلاثية، وصعد بفريقه إلى الدور قبل النهائي.

للمرة الثانية تضع القرعة أضعف فرق الدور في مواجهة ريال مدريد. مانشيستر سيتي قطعًا أضعف من بايرن ميونخ وأتليتكو مدريد. بعد مباراة باهتة ومخيبة للآمال ولا تليق بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا تعادل الفريقان في مانشيستر سلبيًّا قبل أن يفوز الفارس الملكي الأبيض بهدف نظيف بين أنصاره.

في هذا النهائي المرتقب، كل فريق له أهدافه وآماله وأحلامه.

أتليتكو مدريد وصل لنهائي البطولة مرتين ويرى أن الوقت قد حان للفوز بها هذه المرة. لا يريد أن يكرر تجربة فالنسيا الإسباني المريرة حين صعد إلى نهائي البطولة مرتين في عامين متتاليين ولم يجن إلا الخسارة. وها قد اختفى فالنسيا أوروبيًّا. من يضمن لجماهير أتليتكو مدريد أن يصل فريقها إلى النهائي في الأعوام القادمة وأن يحافظ على بريقه الأوروبي؟

فلنتشبث إذن بهذه الفرصة التي قد لا تأتي قريبًا.

الروخي بلانكوس يراها فرصة ذهبية قد لا تتكرر ثانية بعد أن أطاح بأقوى فريقين في العالم حاليًا. وريال مدريد رغم تطوره الملحوظ مع مديره الفني زيدان إلا أنه ليس بقوة نفس الفريق الذي حصل على البطولة منذ عامين.

القطب المدريدي يريد الثأر من القطب المدريدي الأبيض الذي خطف اللقب منه قبل عامين في الثواني الأخيرة من الوقت الأصلي للمباراة، فضلًا عن هزيمته في دور الثمانية من دور الأبطال الموسم الماضي. عناد سيموني ورجاله قد يكون حائلًا بين الفريق الملكي والفوز الثالث الأوروبي.

سيموني يطمح في مجد شخصي بعد أن قاد أتليتكو مدريد إلى تحقيق بطولة الدوري الأوروبي والدوري الإسباني وكأس الملك، ولكن استعصت عليه بطولة دوري أبطال أوروبا منذ عامين ويراها الآن فرصة عمره التي قد لا تتكرر.

أما فريق ريال مدريد، فيريد أن يحصد اللقب الحادي عشر ليحلق بعيدًا عن باقي منافسيه ولكي يثبت لأوروبا بأسرها أنه سيد هذه البطولة بلا منازع.

القطب المدريدي الملكي يريد أن يثبت تفوقه على القطب المدريدي الآخر أوروبيًّا. فبعد أن تغلب عليه في النهائي منذ عامين استطاع أن يقصيه – ولو بشق الأنفس – من دور الثمانية العام الماضي. كما أنه يريد أن يثأر لنفسه من هزائم بعضها كانت قاسية على المستوى المحلي.

زيدان يريد أن يثبت لنادي ريال مدريد رئيسًا ولاعبين وجماهير بأن ضياع الدوري كان بسبب المدير الفني الراحل بينيتيز، وأنه لو كان موجودًا منذ بداية الموسم لتغيرت الأمور.

زيدان يحلم بالبطولة الكبرى لأنها ستمثل بداية أسطورية له ستضعه سريعًا في مصاف المدربين الكبار. ولو تحقق له ما أراد فسيذكر التاريخ أن مديرًا فنيًّا تولى تدريب فريق للمرة الأولى في حياته فحصد معه أهم بطولة للأندية على مستوى العالم. تحقيق البطولة سيجعل زيدان من فئة اللاعبين الكبار الذين أصبحوا مدربين كبارًا، وقليل ما هم.

بعد أن حصد برشلونة كل ألقاب الموسم الماضي وبعد أن حقق الثنائية المحلية هذا الموسم، يطمح كل من الفريقين إلى الفوز باللقب الوحيد المتبقي والمتاح هذا الموسم ليعوض الإخفاق المحلي. أما الخاسر فليجر أذيال الخيبة وليذرف دموع الحسرة وليعض على أنامل الندم.

نهائي دوري أبطال أوروبا هذا العام؛ نهائي الثأر والأمل الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد