ضجت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية في الأيام الأخيرة الماضية بخبر جلسة الاستماع العلنية التي يواجهها موقع وسائل التواصل الاجتماعي الأشهر على الإطلاق فيسبوك، من خلال ممثله ومديره التنفيذي ومبتكره مارك زوكربيرج، إذ يخضع فيسبوك ولأول مرة منذ تأسيسه عام 2004، إلى جلسة تحقيق ومساءلة علنية للبحث في ما يعتبره المختصون والمحللون جرائم إلكترونية ارتكبها الموقع بحق مستخدميه وبحق العامة.

ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى أعضاء جلسة الاستماع؛ نظرًا إلى كبر أعمارهم وقلة درايتهم وخبرتهم في المجال الإلكتروني وضعف حججهم وأسئلتهم، إلا أنني تفاءلت خيرًا بهذه الخطوة الأولى التي آمل أن تؤدي إلى تدمير هذا العملاق قبل فوات الأوان. إذ ينبع تفاؤلي من التسليط الإعلامي الكبير على هذه الجلسة، وظهور الكثير من الأدلة التي تدين فيسبوك بالجرائم الإلكترونية التي دأب المحللون التقنيون على التنبيه منها دون إحداث أي تأثير يذكر، سواء على المستخدمين، أو على سياسات فيسبوك.

أما عن الجرائم الإلكترونية التي كانت محور جلستي الاستماع فهي عديدة ومتشعبة نذكر منها: عدم الالتزام بحماية خصوصية المستخدمين، استخدام بياناتهم وبيعها لشركات ترويجية أو مشاركتها مع أطراف خارجية مقابل ربح مادي، اتفاقية حقوق المستخدم التي تفرض عليه الموافقة على مشاركة بياناته مع العامة، أو بعض بياناته الخاصة مع تطبيقات أخرى، التلاعب بمشاعر المستخدمين واستغلال ردود أفعالهم في تجارب غير مرخصة، قدرة بعض الأطراف على الوصول غير المصرح إلى بيانات المستخدمين، واستخدامها بدون موافقتهم في دراساتها مثل ما فعلته شركة كامبردج أناليتيكا، التلاعب بالمستخدمين والتأثير في أصواتهم في الحملات الانتخابية، خاصةً ما تم تأكيده من دعم حملة دونالد ترامب، والتي لم ينفها زوكربيرج في جلسة الاستماع، تعامل فيسبوك مع جهات ومؤسسات حكومية أمريكية وعالمية وزوّدها بمعلومات المستخدمين، عدم التزام فيسبوك أخلاقيًّا أو قانونيًّا بإشعار المستخدمين في حال تم استخدام بياناتهم دون تصريح منهم، وعدم تبليغ الجهات الإلكترونية المختصة في حال تم اختراق الموقع بطريقة خارجة عن إرادة القائمين عليه، حتى لو تم الوصول إلى بيانات المستخدمين الخاصة واستخدامها.

أما أكثر ما أذهلني خاصة في جلسة الاستماع الأولى وفي بدايتها تحديدًا هو استهلال زوكربيرج حديثه بالاعتذار عن التقصير، وسوء التعامل مع واحد من أهم حقوق الإنسان، وهو الحق في الخصوصية، كما تابع المدير التنفيذي للموقع الأزرق كلامه بتأكيد تلك التهم وغيرها مع محاولات باهتة ولكن ضرورية لتبريرها، بالإضافة إلى اعترافه بفشل الموقع في تنفيذ التزاماته الأخلاقية والقانونية بحق المستخدمين، أو ربما امتناعه بقصد عن تنفيذها لما سوف تحدثه هذه الالتزامات من خسائر مادية فاحة، وذلك نظرًا إلى اعتماد الموقع بالكامل في أرباحه على تبادل البيانات والترويج لها وبيعها، لذا من غير المعقول أن يقوم القائمون على الموقع بتنفيذ سلسلة من الإجراءات التي من شأنها أن تقلص حساباتهم البنكية لمصلحة مشاعر المستخدمين وخصوصيتهم.

وقد لفت انتباهي تعليقات البعض من مستخدمي فيسبوك السابقين، والتي تضيف أيضًا إلى السلبيات والمشاكل التي أحدثها فيسبوك على حياتنا، من هذه التعليقات من قال إنه اضطر إلى تعطيل حسابه بعد إصابته بالاكتئاب الشديد نتيجة مقارنته المستمرة مع أقرانه، وشعوره بالفشل وعدم الإنجاز والإنتاج إذا ما قارن صفحته بما يتم نشره على صفحات الأصدقاء، وهناك من قال إنه يشعر بالسعادة بعد تعطيل حسابه، وكأنه استعاد حياته بعد أن فقدها للعامة على مدى سنوات طويلة، وأنه حاليًا وبدون فيسبوك يشعر بالراحة والحرية اللتين حُرم منهما في ظل سيطرة الموقع الأزرق.

كل ما سبق من التعليقات وغيرها يؤكد ما قاله أحد المحللين الإلكترونيين، واصفًا موقع فيسبوك بأنه الشركة الوحيدة التي تمكنت من تحويل المستخدم أو المستهلك إلى سلعة تباع وتشترى دون علم منه أو دراية، وهو وصف دقيق وصادق لهذه الشركة التي ووفقًا لزوكربيرج تعتمد كليًّا في أرباحها على المتاجرة ببيانات المستخدمين.

أما عن الجانب السلبي لجلسات الاستماع، فينبغي ذكرها للتنويه والتنبيه إلى مدى خطورة هذه الموقع وقوته وسطوته، فقد تفاجأت سوق الأسهم العالمية بارتفاع أسهم موقع فيسبوك بمقدار 3 مليارات دولار، وذلك أثناء إجراء جلسة الاستماع. كما يتوقع المحللون عدم قدرة مجلس النواب الأمريكي أو الكونجرس على اتخاذ أي إجراءات قانونية بإمكانها معاقبة القائمين على فيسبوك، أو إجبارهم على تغيير سياساتهم؛ نظرًا إلى عدم احتواء الهيئة على أي أعضاء خبراء أو محللين ضالعين في مجال الجرائم الإلكترونية.

في رأيي المتواضع فإن القضاء على هذا العملاق قبل أن تزداد جرائمه يكمن في المستخدمين أنفسهم، فبعد فضح ممارسات الموقع وسياساته، وكشف حقيقته الهادفة إلى تحقيق الربح من وراء الناس وحياتهم الخاصة وأسرارهم؛ فقد أصبحت الورقة الأخيرة بيد المستخدم الذي بإمكانه الآن أن يقرر حذف كل بياناته من الموقع، وتعطيله كليًّا، والخروج من هذا العالم الافتراضي الذي لا يسبب إلا الاكتئاب والإحباط، أعلم أن هذا الفعل يحتاج إلى جرأة كبيرة، خاصةً للمستخدمين القدامى أمثالي، إلا أنها خطوة ضرورية لحماية أنفسنا قبل فوات الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!