قراءة نقدية للمادة التاسعة من قانون المالية 2020 بالمغرب ..بين ضرورة إستمرار المرفق العام وضرب صريح في هامش السلطة القضائية

أشار جليًا تمرير قانون المالية لسنة 2020 بالمغرب إلى استمرار الدولة في نهج السياسات «النيو – ليبرالية» عبر سحب يدها ما تبقى من القطاعات الحيوية للبلاد ورهنها بيد الرأسمال الأجنبي وخوصصة الملك العمومي، وإثقال كاهل الطبقات المتوسطة والهشة بكم جديد من الضرائب «المجحفة» التي لا محال «ستقبرها» عوضًا عن فرض ضرائب أكثر فعالية ومردودية «ضريبة الثروة / ضريبة الإرث»، تسمح أولًا بخلق نوع من التوازن الضريبي والاجتماعي، وثانيًا على تحمل أعباء المديونية المفرطة على المدى المتوسط والبعيد، والتي تتجاوز ما يقارب 900 مليار درهم، التي «أقبرت» البلاد تحت رحمة ووصاية المؤسسات الدولية، التي سيتحمل ضريبتها الأجيال القادمة ظلمًا، وأيضًا تمرد الدولة على سلطة المؤسسة القضائية ولمقتضيات دستور 2011، من خلال ما نصت عليه المادة التاسعة على أنه (يتعين على الدائنيين الحاملين لأحكام قضائية تنفيدية نهائية ضد الدولة أو الجماعات الترابية ومجموعاتها ألا يطالبوا بالأداء إلا أمام مصالح الأمر بالصرف للإدارة العمومية، في حالة صدور قضائي نهائي اكتسب قوة الشيء المقضي به، يدين الدولة بأداء مبلغ معين، يتعين الأمر بصرفه داخل أجل أقصاه 60 يومًا ابتداءً من تاريخ تبليغ القرار القضائي السالف ذكره في حدود الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية… إلخ، غير أنه لا يمكن بأية حال من الأحوال أن تخضع أموال وممتلكات الدولة للحجز لهذه الغاية).

إن «التعمق» في قراءة محتوى هذه المادة «المشؤومة»، خصوصًا الفقرة الأخيرة والتي سعت الدولة إلى تمريرها منذ عهد حكومة عبد الإله بنكيران، يحلينا إلى قراءة مزدوجة، فالفقرة الأخيرة من المادة تحيل إلى أنه لا يمكن أن تخضع بأية حال من الأحوال أموال وممتلكات الدولة للحجز، قد يكون خيارًا صائب من جانب المنفعة العامة واستمرارية المرفق العام؛ لأن الحجر على «أموال وممتلكات الدولة» سيسبب كساد للمرفق العام واستمراريته، وأيضًا سيفقد الدولة الموازنات الاقتصادية، في ظل حجم الديون الذي على عاتق الدولة، سواء من الأشخاص الذاتيين أو الشركات، والذي يقارب ما يناهر 10 مليار درهم، لكن أيضًا الأمر يشكل خرقًا واضح المعالم لمبدأ المساواة أمام القانون، سواء تعلق الأمر بالأشخاص الذاتيين أو المعنويين وفق ما تنص عليه مقتضيات الفصل السادس من الدستور، وضرب صريح في هامش المؤسسة القضائية ولنص الفصل 126 من الدستور الذي ينص على (أن الأحكام القضائية ملزمة للجميع) أي لا تستثني الدولة أو الجماعات الترابية الصادر ضدها حكم قضائي نافد؛ لأنه بعد الحسم القضائي بالتعويض عن الضرر للطرف المتضرر، تمتنع الدولة صراحة عن التنفيذ أو تعمد إلى الأداء على شكل دفعات تمتد إلى سنوات حسب الاعتمادات المالية المفتوحة بالميزانية، ويتم حرمان طالب التنفيذ من سلوك مسطرة الحجز في حالة تماطل الدولة في تسديد المبلغ الذي رهن عاتقها وفق ما تنص عليه مقتضيات المسطرة المدنية بعد الاعتداء المادي الذي لحقه بملكيته الخاصة، تحت دريعة المنفعة العامة، كما أن المادة لا تتوافق لتمريرها بقانون المالية وذلك وفق ما تنص عليه «المادة 3» من القانون التنظيمي للمالية التي تنص على أنه (لا يمكن أن يتضمن قانون المالية إلا أحكاما تتعلق بالموارد والتكاليف، أو تهدف إلى تحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل، وكذا مراقبة استعمال الأموال العمومية)، بل يجب أن تدرج كمقترح في تعديل قانون المسطرة المدنية.

وفي ظل النقاش الحاد في سراديب الساحة البرلمانية وخوض عدة هيئات مدنية وقضائية كهيئة قضاة ومحامين المغرب أشكال احتجاجية لعدم دستورية المادة، خرجت مكونات الأغلبية والمعارضة بالبرلمان بمقترح تعديل جديد للمادة، ينص جزمًا على عدم المساس بأحقية الطرف المتضرر من سلوك مسطرة الحجر، بل على سبيل المثال فأن تخصص جماعة حضرية في الميزانية السنوية ضمن خانة الديون قدر مالي معين لأحد الأشخاص الذاتيين أو الشركات لتسديد له الحق المادي المخول له بعد قرار قضائي يدين الجماعة بأداء مبلغ معين وذلك طيلة مدة أربع سنوات، وفي حالة نفاذ هذه المدة الزمنية ولم تسدد الجماعة المبلغ لن تستفيد من الميزانية السنوية الممنوحة لها من طرف الجهة إلى حين تسديد الدين الذي على عاتقها، لكنه يتضح أن التعديل مجرد حل ترقيعي لا يعالج صلب الإشكال من جذوره، لأنه بعد نفاد مدة انتخاب رئيس الجماعة الحضرية وانتخاب رئيس جديد، ولم يسدد ما على عاتق الجماعة الحضرية لن يستفيد من الاعتمادات المالية السنوية، وبالتالي سيؤدي الأمر لا محالة إلى شلل وعطب في استمرارية المرفق العام.

ليظل الأمر مفتوح على مصراعيه بيد أولًا المحكمة الدستورية لإبطال المادة لعدم دستوريتها، لكن يتضح جليًا أن خيار الطعن أصبح معطلًا بعد «الكَولسة» التي ستضل بصمة عار في تاريخ المشهد السياسي بالمغرب بين مكونات الاغلبية والمعارضة، وأيضًا تمثيلية، النقابات فالبرلمان حول المادة المشؤومة، وكونه يحتاج إلى أربع جهات لتحريكه، أولها من طرف رئيس مجلس النواب، وثانيًا من طرف رئيس مجلس المستشارين، أو عن طريق التوقيعات من طرف النواب البرلمانيين في حدود ما يناهر 40 مستشار برلماني، و80 عضوًا بمجلس النواب، أو خيار ثاني باجتهاد قضائي للمحكمة الإدارية لإيجاد صيغة قانونية تعالج صلب الإشكال، كما عالجته سابقًا عبر فتح أحقية للضرر المتضرر من نزع ملكيته الخاصة بمسطرة الحجر لتسديد الدولة المبلغ الذي عاتقها، في حالة التماطل؛ لأنه بموجب هذه المادة ستتوحل الدولة إلى كائن متمرد يحجز عليك ولا سبيل للحجز عليه حتى بموجب قرار قضائي نافد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد