يكثر الجدل فى الساحات الإعلامية والثقافية حول المراكز البحثية ومراكز حقوق الإنسان الممولة من الغرب بين اتهام بالتغريب والجاسوسية والعمالة للغرب، وقد تصل أحيانا لساحات المحاكم، مثال ذلك ما عُرف بقضية التمويل الأجنبي فى مصر فبراير2012 ، لكن فى المقابل يقل الحديث ويكاد ينعدم عن التمويل العربي – وللدقة الخليجي- لمراكز أبحاث وجامعات غربية منها جامعات عريقة.

فى الكتاب الصادر مؤخرا “ما بعد الشيوخ : الانهيار المقبل للممالك الخليجية” للدكتور كريستوفر م. ديفيدسون، والذى يتحدث فيه عن نشأة الممالك الخليجية من الناحية التاريخية ، ونموها وعوامل استمراريتها رغم التقلبات الكبيرة فى المنطقة ثم تنبؤاته بانهيارها، فى الفصل الثالث والذى بعنوان “تفسير أسباب البقاء – الشئون الخارجية” حديث عن استغلال هذه الممالك لمواردها الهائلة؛ لتأكيد شرعيتها فى ثلاث اتجاهات : من خلال تقديم معونات إنمائية لدول عربية وإسلامية ، والمشاركة فى قوات حفظ السلام الدولية أو حل النزاعات كدول فاعلة ، وتمويل الجامعات والمؤسسات الثقافية، وهو موضوع المقال .

تمويل المؤسسات الثقافية يأتى أحيانا كامتداد للمساعدات الإنمائية فى حال تعرض بعضها لصعوبات مادية ، فقد دفع الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حاكم أبوظبي 10 مليون دولار لإصلاح مسرح”نابليون الثالث” كي يسمى باسمه ، وكان تعليق المتحدث باسم الإمارة “مبادرة الشيخ خليفة جزء من تاريخ طويل بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، وأنها تمثل دعامة إضافية للعلاقات الثنائية”.

بطريقة مختلفة قامت الإمارة باستيراد أحد أكبر المؤسسات الثقافية الغربية، فبتكلفة قيمتها 27 مليار دولار يتم تطوير جزيرة السعديات، وسيكون بها مركز الإمارة الثقافى، والذى يستضيف فرع متحف اللوفر وغوغنهايم ومتحف زايد الوطنى الجديد وغيرها، كلفة بناء متحف اللوفر وحده 110 مليون دولار، مع دفع 520 مليون دولار مقابل العلامة التجارية لمتحف اللوفر ، يقول الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي فى افتتاحه القاعدة العسكرية الفرنسية الجديدة فى الإمارات : العلاقات بين الدولتين تتجاوز القضايا الاقتصادية، يوجد علاقات ثقافية غنية بين الدولتين فى ضوء المبادرات المبتكرة والواعدة مثل متحف اللوفر أبوظبي” قبل تأكيده أن” فرنسا إلى جانبكم فى حال كان أمنكم فى خطر”.

أما متحف زايد الوطني ذو التصميم البريطاني، والذى دفع مبالغ للمتحف البريطاني كاستشاري رئيسي للمشروع يضم خمس معارض لتمجيد الحاكم السابق بإبراز دوره فى توحيد الإمارات، والجوانب الإنسانية له وتسامحه الديني والتزامه التقاليد الشعبية.

 

 

“نظام قمعي يأمل شراء بعض الشرعية الثقافية لنفسه مقابل البترودولارات الخاصة به”، “سرقة فكرة الثقافة الأدبية لاستخدامها كمجد سريع من قبل النظام المناهض للأدب فى المملكة العربية السعودية”، كانت هذه الانتقادات التى وجهت للمملكة السعودية على خلفية دعم معرض براغ الدولى، ومشاركتها كضيف شرف وإقامة منصة ضخمة وسط المعرض لعرض نموذج مصغر للبيئة السعودية مع وجود بعض الكتب كدلالة على كونه معرض للكتاب ، فى الوقت الذى يتعرض أديب سعودي ، وهو عبده خال الحائز على جوئز عالمية فى الأدب لحظر روايته.

لسنوات عدة تولت الممالك الخليجية الست رعاية عدد من الجامعات الغربية البارزة، وبعض أساتذتها ، ومراكز البحوث والبرامج البحثية الخاصة ، والتركيز كان على الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية وتحديدا الخليجية ، معظم التبرعات – التى وصلت لملايين الدولارات – كانت تأتى من الأسر الحاكمة، والتى لازال بعضها يأتي من طريقها قبل تغيير طريقة التبرع؛ لتكون عن طريق الجمعيات الخيرية والمؤسسات المدعومة من الدولة حتى لا تقف اعتراضات هيئات الموظفين والطلاب التابعة دونها. أما التبرعات التى قُدِمت بالطريقة القديمة فسميت المباني والوظائف والبرامج بأسماء حكام الخليج وأقاربهم النافذين.

وهذه الهبات لا يشترط شيء فى مقابلها بشكل صريح، لكن يأتى دور المراقبة الذاتية، لك أن تتخيل باحثا أو طالبا مصدر دخله مركز الأبحاث أو الجامعة الممولة من قبل نظام حاكم كيف يكتب فى نقد هذا النظام؟

تميل التبرعات إلى التشجيع على الاتجاه بالنقاش الأكاديمي بعيدا عن سياسات الممالك ومجتمعاتها المحلية إلى منطقة أكثر أمانا كالدراسات الإسلامية واللغة العربية، وتمويل مراكز الدراسات الإسلامية يشكل لبلد كالسعودية دعما لها بجعل تفسيرها للإسلام مقبولا لدى الأوساط الأكاديمية والحكومية، والذى سيؤدى قريبا (وفى بعض الحالات أدي بالفعل لذلك) إلى الانضباط الأكاديمي الذى يطوق مواضيع”الخط الأحمر” كالإصلاح السياسي، والفساد، وحقوق الإنسان، وآفاق الثورة ؛ إذ ينظر جامعو التبرعات والمدراء التنفيذيون للجامعات إلى هذه المواضيع عادة على أنها تسبب غضب رؤساهم الخليجيين، وهو يعزز فى النهاية جوا مخيفا من السلوك الاعتذاري ، أو تجنب الحديث عندما يتعلق الأمر بنقاش فكري حول الممالك الخليجية .

بسبب الروابط التاريخية بين بريطانيا والمنطقة فقد ركزت الممالك الخليجية على تمويل الجامعات البريطانية ويكاد لا توجد مؤسسة بريطانية رائدة تركز على الشرق الأوسط لم تتلق أصناف الهدايا فى الوقت الحاضر.

تشيد جامعة اكسيتر موطن المركز الوحيد فى بريطانيا لدراسات الخليجية بحاكم الشارقة سلطان بن محمد القاسمي باعتباره الجهة المانحة الأكثر سخاء، وقد عُين كعضو مؤسس لكلية المتبرعين لديها فى العام2006 بعد أن دفع مبلغا لمبنى “القاسمي” بالجامعة ومول اثنتين من الأستاذيات ؛ أستاذية القاسمي للدراسات العربية والثقاقة المادية الإسلامية، وأستاذية الشارقة للدرسات الإسلامية ، في الماضى كان هناك أستاذية لدراسات الخليج قبل إلغائها.

 

 
وعلى نحو مماثل تكرر الأمر مع جامعة “درهام” من نفس الحاكم، بينما قام حاكم أبوظبي بدفع 15مليون دولار لإطلاق مركز جديد للدراسات الشرق أوسطية فى كلية لندن للاقتصاد، و3مليون دولار لتسمية مسرح المحاضرات الأكاديمي لكلية لندن للاقتصاد باسم زايد بن سلطان آل نهيان، والكويت كذلك أحد الجهات السخية المانحة للبيئة الأكاديمية البريطانية فجائزة الكتاب السنوى للجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط تحمل اسم أحد أفراد الأسرة الحاكمة ومنذ العام 2010 تتولي جامعة كامبريدج إدارة الجائزة ، وهذا الفرد من الأسرة الحاكمة أحد الحكام الخمسة.

وتقوم مؤسسة الكويت للتقدم العلمي المدعومة حكوميا بتمويل برنامج أبحاث كبير بكلية لندن للاقتصاد حول “التنمية ، والحوكمة، والعولمة فى دول الخليج” بمبلغ15 مليون دولار.

قى لقاء لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) قال مدير برنامج الكويت لدى جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية البروفسور توبي دودج: إن الكويت فريدة من نوعها في منطقة الخليج نظرا لحيوية برلمانها ومجتمعها المدني.

وأضاف تعليقا على الحياة الديمقراطية في الكويت ودور مجلس الأمة في التنمية والحكم والدولة والعولمة ، أنه بعد صدمة الغزو العراقي في عام 1990 أظهر مجلس الأمة وحدة المجتمع الكويتي الذي ساهم في تأسيس شعور وطني جديد حيث بدا البرلمان الكويتي “وسيلة ورمزا للتحرير”.

وقال : إن ما حدث في الكويت في عام 1990 هو تقريبا عكس ما رأيناه في عام 2011 مما يسمى بالربيع العربي الذي فاقم الخلافات الفرعية” مشيرا إلى ظهور انقسامات داخل معظم دول الربيع العربي.

 
ويشهد الدفع مقابل الأستاذيات رواجا كبيرا لدى الممالك الخليجية فقد قدم حاكم قطر السابق 3.5 مليون دولار لمنح أستاذية جديدة باسم حمد بن خليفة آل ثاني فى الدراسات الإسلامية المعاصرة بجامعة اكسفورد، بينما دفع الأمير الوليد بن طلال 13 مليون دولار لمركز الدراسات الإسلامية وكذلك لجامعة كامبريدج وجامعة أدنبره.

بينما يأتى فى مقدمة المكثرين من الأستاذيات سلطان عُمان قابوس فنجد على موقع التعليم العالى العمانى مسرد بها ، فى مختلف الجامعات حول العالم.
بالرغم من هذا الانتشار الكبير لمختلف أشكال التمويل الخليجي للجامعات الغربية سنجد معارضة فى بعض الأحيان لها؛ ففى العام2000 وقع موظفو جامعة هارفارد وهيئة طلابها على عريضة لرفض عرض لأستاذية ممنوحة فى الدراسات الإسلامية من حاكم أبوظبي، استنادا على كون خلية التفكير المرتبطة بالأسرة الحاكمة –مركز زايد للتنسيق والمتابعة – تعزز معاداة السامية، ولوجود انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان فى الإمارات، ولنفس السبب تقريبا قطعت جامعة كونيتيكت علاقتها بدبى عام2007.

وبطريقة معاكسة للتمويل الخليجى للجامعات الغربية أصبحت تدعو الممالك الجامعات العالمية لإنشاء فروع لها فى المنطقة كجامعات نيويورك و السوربون و جورجتاون وتكساس وغيرها، وصرف مبالغ طائلة فى الإنشاء.

 
“فى النهاية إذا كانت مملكة ما قادرة على الإدعاء بإنها تملك علاقة عمل بارزة مع واحدة من الجامعات العالمية فى إحدى الديمقراطيات الأكثر رسوخا فى العالم، والتى تمتلك جيشا قويا، فإن المبلغ الذى تدفعه لقاء الحصول على سمعة جيدة – مهما كان مرتفعا – يعتبر بالتأكيد استثمارا حكيما .”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد