بعد باكستان أعلنت مجموعة العمل المالي أن تركيا، والأردن، ومالي، قد أُدرجت في ما يسمى بالقائمة الرمادية، وهي خطوة يمكن أن تخيف المستثمرين الأجانب. ويقول المحللون إن هيئة الرقابة المالية العالمية أصبحت انتقائية في استهداف البلدان حيث يكون لدى البنوك امتثال ضعيف أو ضوابط لوقف التدفق غير المشروع للأموال. وقال حسن أسلم شاد، المحامي المقيم في الشرق الأوسط والذي درس هيئة الرقابة لسنوات: «لو كانوا عادلين في معاملتهم لجميع البلدان، لكانوا قد وضعوا المملكة المتحدة في القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي».
وأظهرت أوراق باندورا التي جرى تسريبها مؤخرًا، وهي مجموعة من الوثائق من الشركات الخارجية، أن ثلثي الشركات التي يستخدمها السياسيون والبيروقراطيون الفاسدون لإخفاء ثرواتهم مسجلة في جزر فيرجن البريطانية.

وقالت مجموعة العمل المالي في قرارها، إن تركيا بحاجة إلى تعزيز الرقابة على قوانين مكافحة غسيل الأموال ومحاكمة الجماعات الإرهابية التي حددتها الأمم المتحدة.
وقالت أنقرة إن إدراجها في القائمة الرمادية «غير عادل» لكنها أصرت على أنها ستعمل عن كثب مع المنظمة لمعالجة مخاوفها في محاولة للخروج من «القائمة غير المبررة في أقصر وقت ممكن». ويعتبر قرار مجموعة العمل المالي مهمًا لأنه يزيد من حجم المخاطر في بلد ما تحت المراقبة، مما يجعل الأمر مكلفًا للحكومة والقطاع الخاص لجمع الأموال من أسواق رأس المال الدولية.

كما أن وجود البنوك المحلية والمتعددة الجنسيات على القائمة الرمادية يعني أن عليها أن تنفق المزيد من الموارد على الامتثال وموظفي غسل الأموال، الذين يتعين عليهم أن يكونوا أكثر يقظة في الكشف عن معاملات الاحتيال وتمويل الإرهاب.

وفي عام 2018 عندما كانت باكستان التي تعاني من ضائقة مالية تكافح لتجنب إدراجها في القائمة الرمادية، كانت تركيا الدولة الوحيدة التي دعمتها. وتوترت علاقات تركيا مع حلفائها الغربيين التقليديين بما في ذلك الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. ومنعت واشنطن بيع طائرات F-35 لتركيا بعد أن قررت أنقرة تثبيت نظام صواريخ أرض-جو الروسي S-400.

كما أن تركيا على الجانب الآخر من بعض حلفائها الغربيين في سوريا وليبيا. وعلى الرغم من إنفاق مليارات الدولارات على نفسها لاستضافة حوالي 4 ملايين لاجئ سوري، فإن تركيا مستهدفة بشكل منتظم من قبل القادة الأوروبيين لعدم قيامها بما يكفي لحماية حقوق الإنسان. وإن تدخل الاتحاد الأوروبي في الشؤون الداخلية لتركيا ليس بالأمر غير المعتاد. ومؤخرًا أصدر سفراء 10 دول، بما في ذلك الولايات المتحدة وألمانيا، بيانًا مشتركًا طالبوا فيه بالإفراج عن عثمان كافالا، رجل الأعمال التركي الذي يواجه تهمًا بالإرهاب.
وسلط قرار فاتف بشأن باكستان الضوء على مدى تأثير الدول القوية على مراقب غسيل الأموال العالمي.

وفي يونيو، قالت مجموعة العمل المالي إنها ستبقي باكستان على القائمة الرمادية على الرغم من أن إسلام أباد قد امتثلت لـ26 مطلبًا من أصل 27 مطلبًا جرى تحديدها في خطة عمل مثل جعل من الصعب على المجرمين نقل الأموال غير المشروعة. وبعد ذلك بأسابيع قليلة، اعترف وزير الخارجية الهندي إس جايشانكار علنًا بأن نيودلهي استخدمت نفوذها في مجموعة العمل المالي للإبقاء على باكستان في القائمة الرمادية.

ومنذ أن جرى إدراجها على القائمة الرمادية، تكبدت باكستان خسائر فادحة تقدر بنحو 38 مليار دولار أمريكي. والقيود الاقتصادية الناجمة عن قيود مجموعة العمل المالي تلقي بآثار ضارة على حياة الباكستانيين العاديين. وبالإضافة إلى وباء كوفيد-19، الذي أضر بالفعل بشدة بالاقتصاد الباكستاني، زادت هذه القيود من إعاقة التقدم الاقتصادي في البلد.
ووفقًا لقضايا المعلومات التي جمعها «معهد إسلام أباد لبحوث السياسات» فإن باكستان هي واحدة من البلدان القليلة التي كانت لديها أدنى نسبة من عدم الامتثال لخطة عمل فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية.

ووفقًا لقضايا المعلومات التي جمعها «معهد إسلام أباد لبحوث السياسات (IPRI)»، تعد باكستان واحدة من الدول القليلة التي لديها أقل نسبة من عدم الامتثال لخطة عمل مجموعة العمل المالي. وتكشف البيانات عن نهج فاتف «المسيّس» الذي يستهدف الدول الإسلامية بما في ذلك باكستان وتركيا. وعلى النقيض من باكستان، فإن نسبة عدم الامتثال في فرنسا – موطن مقر فاتف – هي 25٪ لكن الوكالة الدولية غضت الطرف. وعلى نحو مماثل، فإن بلدانا أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة بنسبة عدم امتثال تبلغ 22.5٪، واليابان 27.5٪، ونيوزيلندا 30٪، وجورجيا 32.5٪، وكوريا الجنوبية 20٪ وروسيا 12.5٪ خارج القائمة الرمادية.

ولطالما لاحظت باكستان أن هيئة مراقبة تمويل الإرهاب العالمية تُستخدم كأداة سياسية لخدمة المصالح الراسخة لبعض البلدان، وقد أثبت إدراج تركيا مؤخرًا في القائمة الرمادية هذا الادعاء.

ومجموعة العمل المالي هو منتدى تقني يجب أن يراقب غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويجب أن يتجنب بشكل صارم الانغماس في الشؤون السياسية. ولكي تؤدي مجموعة العمل المالي بشكل فعال، فإنها تحتاج إلى اتخاذ قرارات على أسس فنية. واعترف «المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)» في تقريره الشامل مؤخرًا بأن مجموعة العمل المالي ذات توجه سياسي، وتستخدمها القوى الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، كأداة ضغط. والإعلان الأخير لمجموعة العمل المالي ضد إسلام أباد يكشف بوضوح أن هذه ليست خطة العمل المكونة من 27 نقطة. وإنها تطالب بخضوع كامل من باكستان، ولا سيما فيما يتعلق بتطور الوضع في المنطقة، لتحقيق الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة والهند.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد