بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الهادي الأمين المبعوث رحمة للعالمين النبي محمد الرسول الأمين. أما بعد:

فإن لنا في الإسلام عبرًا لعلنا نعتبر، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بإعلامها ونشطائها وعوامها يصيبون الأمة بالإحباط والغثيان والغليان والدوران من كثرة ما يتم تداوله من أخبارٍ تهز الأبدان وتجعل الحليم حيرانًا تتراقص على حبال الأوطان فالله المستعان وعليه التكلان. في كل إشراقه صباحٍ أخبارٌ تذاع وتُصاح من إعلامٍ فضاح أو من أفرادٍ وِقاح وأصوات العوام كالرماح تزيد المجروح جراحًا وترمي القتيل بالسلاح هذا واقع الإعلام في وطن الكفاح.

نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين، هذا العصر عصر التكنولوجيا والسرعة حيث تنتشر الأخبار وتذاع كالنار في الهشيم، نحن اليوم نشهد على مجازر تستنزف الطموح الفردي والأسري والأممي ليس بالقوة العسكرية والسلاح وإنما بإعدام الأعلام الأشد فتكًا وضراوة. الأصل في وسائل الإعلام أنها منصات إخبارية تنقل جميع الأحداث مع تحري المصداقية والوضوح بلا خوفٍ وبحريةٍ سقفها السماء لكن أين إعلامنا اليوم منها؟

بعد أعوام من الإحباط والاستنزاف للمعنويات والطموحات الشابة من قبل الإعلام بتسليط الأضواء على القضايا السلبية وتضخيمها والترويج لها إعلاميًا، بالإضافة إلى عدم توخي المصداقية في نشر المعلومات أصبحنا نعاني من شلل نصفي في الطموح والإبداع أو ما أفضل تسميته بالموت السريري للحلم الشاب، حيث يتم إغفال الجوانب الإيجابية أو أي إنجاز تقوم به مؤسسات الوطن وتضخيم الجوانب السلبية وتسليط الأضواء عليها تاركةً خلفها كل المساعي والجهود المبذولة حول الإصلاح ومدمرةً كل جسور الثقة التي لم تكن موجودة أساسًا وإنما أحلام.

نحن اليوم نشهد على واقع أليم، فالإعلام لم يعد نزيهًا شريفًا طهورًا عفيفًا، لم يعد حرًا طليقًا شامخًا أبيًا، أصبح الإعلام أداة في يد الغلاة الطغاة أصحاب المال والأعمال، أصبح الإعلام كاللعبة يتحكم بها ببعض من رزم الدولارات البالية، فأصبحنا نجد الأخبار السوداء ولا نجد البيضاء منها أصبحنا نقرأ وقائع لم تقع ونسمع بوثائق غير موثقة.

اليوم أصبح الإعلام ذا أجندة متغيرة بتغيير الطاغي صاحب النفوذ فإن وجد قرارات تواجه نفوذه وتتعدى على مصالحه جيش الإعلام لصالحه ووجهه لإبراز ما كان خفيًا والأمر لا يقتصر عند هذا الحد، فما هي إلا الحلقة الأولى في السلسلة.
بعد أن قتل الإعلام بأجنداته أحلام وطموحات الأمم هيئ ومهد لتقبلهم لكل ما هو سلبي والإذعان له، ولم يتوقف عند ذلك، بل وأثر وسيطر عليهم حيث أصبحوا يتناقلون الأخبار السلبية حصرًا بلا توثيق ولا مصدر ويقومون مقام الإعلام بشكل مكثف في نشر هذه الأخبار، أصبحت الشعوب تحرك كما يريد الإعلام بل كما يريد المتحكم بالإعلام فتسقط الحكومات بمقتضى ما يخدم مصلحته وتنهار بلدان بمقتضى ما يخدم مصالح الطغاة العميان ونرجسيتهم.

كيف نعيد البناء؟

ما بين النظرية والتطبيق فالإسلام فيه من الشواهد والصور ما يرتقي في تشييد البناء وطمر الحفر.

أولًا إدراك أهمية الإعلام ودوره الأساسي في البناء، عندما توفي محمد عليه الصلاة والسلام وانتشر الخبر بين الناس، دخلوا في حالة من الإرباك والتشتت منهم ناف للخبر ومنهم مصدومٌ من هول هذا النبأ، وها هو عمر بن الخطاب ما إن سمع بالخبر حتى بدأ يكلم الناس قائلا: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل‏:‏ قد مات‏.‏ وأما أبو بكر بعد أن خرج من بيت النبي متبينًا من خبر وفاته وعمر يكلم الناس على صدمته، فقال‏:‏ اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر‏:‏ أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فقد أدرك أبو بكر ضرورة تبيان الموقف بصورة صحيحة ليقطع الشك باليقين بالإضافة إلى ضرورة التأكيد على الأسس التي يقوم عليها الدين والدولة.

ثانيًا التبيان قبل إطلاق الأحكام وإبلاغ الأنام: وتتضح هذه الأهمية في حادثة الإفك حيث افتروا على سيدتنا عائشة ما افتروا ووصل الخبر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فلم يتسرع ويأخذ بكلامهم وما نشر عنها وإنما انتظر الخبر اليقين الذي برأها مما رميت به من بلاء.

فبعد وضع النظريات وتطبيقها، يمكننا القول بأننا نستطيع إعادة بناء الإعلام على أسس واضحة التي سيترتب عليها موثوقية في نقل الخبر بحلوه ومره إيجابيته وسلبيته بنفس الوتيرة بعيدًا عن الانحرافات لمصالح خارجية وإعادة بناء طموحات وأحلام الأمم والأجيال الشابة التي تنعكس إيجابًا على رفعة الوطن.

أدام الله علينا أوطاننا بخير وسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد