في إطار البحث عن جدلية وظروف الدين الأول تبرز أهمية فكرة البحث في السياق الأول للتوحيد وربط نشوء الأفكار اللاحقة التي عارضت التوحيد سواء بعبادات مضادة له أم أفكار معارضه له نشأت لاحقـًا في أشكال عبادات وممارسات وطقوس انحرفت عن مسار التوحيد الرئيسي وشكلت جراء هذا الانحراف طقوس من الأصل الرئيسي للسياق من خلال التأمل فيها والبحث في دراستها سنجد أنها أفرع أو منشقة منه أي التوحيد من خلال إرجاعها إلى أصولها، لا يمكن أن يكون على سبيل المثال ما كتب بعض علماء الاجتماع وغيرهم الذين كتبوا حول نشأة الدين مثل «أوجست كونت» وغيره من تطور التوحيد في سياق ديانات بدأت وثنيه ثم تطورت إلى التوحيد، بل إن الأمر هو العكس تمامًا إذا بحثنا كما ذكرنا في أصل الوثنية التي انسابت من دين التوحيد إلى الوثنية وتعدد الآلهة وللولهة الأولى لا يمكن حساب انشقاق مجموعات وتشكل مجموعة واحدة جراء انشقاقها أو تشطرها بل إن الأساس هو انشطار وتجزء الواحد ثم تنشأ من جراء هذه الانشطارات كيانات تظهر وكأنها مستقلة إلا أن الباحث المتعمق في المسألة يجد أن قضية مثل قضية الدين هي في الأساس بدأت بالوحدانية ويظهر ذلك في كثير من الدراسات التي تكلمت حول ذلك ومنها التاريخية التي تشير وتدعم فكرة التوحيد الأول وهل الأفكار المضادة لذلك هي منطقية وواقعية وقامت على أسس منهجية أدت إلى تلك النتائج التي ظهرت بها، أم أن الأمر لا يعدو كونه بين تخمينات ظنية أو بين دراسات قامت على عدم الاعتراف بالدين من الأساس وإرجاع الدين والوحي من الأساس إلى ظاهرة تطورت عبر التاريخ البشري في مراحل وظروف معينة صاحبت تطور الإنسان والبشرية ومراحله عبر التاريخ على السواء، ومنها قصور الفكر البشري عن تفسير الظواهر المحيطة التي عجز عن تفسيرها وبالتالي ذهب إلى البحث عن آلهة أقوى تقيه شر الطبيعة ومحيطها الغامض الذي لا يجد له البشر حينها تفسير إلا انتسابها إلى قوة وقوى علياء لا يستطيع فك رموزها أو معرفة كنهها، تفسيرات كثيرة وضعها علم الاجتماع والإيكولوجيا والباحثون في التاريخ والأديان غالبها ما ينم عن تأثير الكاتب وميوله حول تفسيره  لتلك الظاهرة والنشأة؛ فالميول للكاتب في العادة الميول الفكري هو من يشكل غالب الأفكار تلك حول الأمور التي لا تخضع لبحث منهجي وإنما يرجعها إلى ظواهر غالبًا في قوالب اجتماعية نرى ذلك فيما يطرح «ماكس مولر» و«كوهن وشغارتز» كمذهب طبيعي للنشوء بينما يذهب «سبنسر» و«تايلور» إلى فكر الأرواح وتقديسها ودورها في نشوء الدين وتصوره و«اميل دور كايم» الذي طرح فكرة التوتمية في نشأة الدين وغيرهم من علماء الاجتماع الذين تعرضوا لتلك المسائل وطرحوها من وجهه نظر اجتماعيه إلى جانب علماء آخرين عارضوا الفكرة وطرحوها من منظور آخر كما ساهم علماء الدين في طرح وجهه النظر الدينية التي ما تؤيد غالب وجهات نظرهم في الطرح والتأثير الفكري لصاحب الطرح.

من خلال نظرنا اليوم إلى الواقع المعاصر فإن الديانات «الدين» هو الغالب على البشرية الموجودة في الكون على مر العصور، والمتتبع للتاريخ يجد أن الحضارات كاملة منذ نشأتها إلى اليوم، والدين كان الحاضر الأول في نشأتها ووجودها؛ حيث يذهب المؤرخ اليوناني الكبير «بلوتارخ» إلى  القول «من الممكن أن نجد مدنًا بلا أسوار، ولا ملوك، و لا ثروة، ولا آداب، ولا مسارح، ولكن لم ير إنسان قط مدينة بلا معبد ولا يمارس أهلها عبادة» بغض النظر عن الاختلاف في العبادات كما أسلفنا من قبل إلا أن الشواهد التاريخية والبشرية على مر التاريخ تؤكد بما لا يدع مجال للشك بأن الدين حتمية وضرورة اجتماعية وليس مجرد ظهور ظاهرة في مرحلة معينة من التاريخ لسبب بسيط، وهو أن الظواهر تنتهي بانتهاء مسبباتها أو وجودها، بينما الدين رافق البشرية من ظهورها حتى يومنا هذا في جميع الحضارات البشرية رغم اختلافه من ديانة إلى ديانة وقوم إلى قوم وحضارة إلى حضارة، إلا أن تلك التنوعات في العادة ما كانت الظروف والطقوس الدينية تواكب وتوائم ثقافة المجتمع لكنها في النهاية تصب في التوجه إلى عبادة معينة، وبعد فك كل رموز تلك العبادات وإرجاعها إلى سياقها الرئيسي الأول يتضح أن المشكاة التي خرجت منها كل تلك الأديان والممارسات والطقوس هي واحدة وأنها في الغالب تتوجه إلى إله واحد ناهيك عما شاب تلك العبادات والطقوس من انحراف وتأثر بواقع غير وبدل وشكل من تلك العبادات والطقوس إلى أشكال أخرى أخذت من طابع المجتمع وثقافته الشيء الكثير بعد مرور تاريخ معين وظهور تلك الأفكار التي تأثر على الأساس لتلك الممارسات.

لذلك نجد «أرنست رينان» في كتابه «تاريخ الأديان» يشير إلى الجملة التالية «من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه، وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال العقل والعلم ولكن يستحيل أن يمحي التدين ويتلاشى بل سيبقى أبد الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يود أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الطينية» كل هذه الدلائل وغيرها الكثير تدل وتبين أن الدين ووجوده ليس ظاهرة عرض فكرية بقدر ما هي اليوم في الواقع أمر حتمي تاريخي يظهر بجلاء السياق الحقيقي للدين ووجوده الحقيقي كما هو دون إرجاعه وتفسيره إلى ظواهر شكلته إن لم يكن فطرة بشرية تظهر مع البشر في كل مراحله التاريخية ومراحل تطوره حتى في معاصرته الحاضرة ما يزال الدين حاضرًا وبقوة، ولكن من خلال ذلك نجد أنه من التتبع التاريخي لتلك القضايا تذهب بنا إلى أن الإنسان في مراحل معينة من تاريخه جنحوا إلى مراحل انحطاط فكري وركنوا إلى المحسوس في عباداتهم عندما طمرت أو غابت عنهم مع مرور التاريخ فكرة التجريد في العبادة لعدم استطاعتهم ذلك ولضياع الرؤيا لعدم وجود نبي مرشد في بعض مراحل التاريخ فركنوا إلى عبادة الأشياء المحسوسة والظاهرة في تراتب زمني متعاقب وصل إلى الصنمية والوثنية.

هكذا هي التحولات التي كانت تمر بها البشرية على مر التاريخ والحضارات بين مرحله نبي ونبي آخر يحاول إصلاح ما أتى به الأولون فقط مع التشريعات التي تعتبر  قانونًا تعيش به تلك الأمة أو الحضارة مرحلة معينة من تاريخها وتنظم من خلاله شؤونها وحياتها لكي يواكب تهذيبها من جديد وتستعيد عبادة التوحيد والتجريد فلا عبادة إلا بقانون ينظم الحياة من جميع الجوانب وذلك لإيجاد مجتمع صالح وسليم للتعايش، ويستطيع من خلالها أيضًا البقاء في محيط اجتماعي سليم معافى ومجتمع صالح من التحولات التي تؤدي بالمجتمعات إلى الهلاك. لذلك كانت الحضارات تنهار على مر التاريخ عند فقدانها للقيم والأخلاق التي تفقد من خلالها قيم وأسس وجودها وبالتالي ما كانت حضارة لتقوم وتستمر إلا وفق قيم وإخلاق وإلا فأنها تزول بزوال المنظومة الأخلاقية.

على أن هناك قاعدة مهمة لا نريد إغفالها لما لها من أهمية تمثل على تأكيد السياق الذي نتكلم عنه وهي القاعدة التي تقول إن الدين والأخلاق والقيم لم تخط خطوة واحدة إلى الأمام منذ العصر الحجري إلى يومنا فجميع معلمي البشرية سواء أكانوا أنبياء أم رسلاً أم مصلحين علموا البشرية الأخلاق نفسها والدين نفسه وإن اختلفت مسميات الشرائع كما أسلفنا، وتسمى هذه القاعدة عند الفلاسفة قاعدة الالتزام المطلق كما أشار إلى ذلك «كانط» في كتاب أسس ميتافيزيقيا الأخلاق.

هذه العبارة التي قالها «كانط» تزيح كثيرًا من المفاهيم الخاطئة التي وقع فيها علماء الأنثروبولوجيا في تقسيم نشأة الدين إلى مراحل مر بها الإنسان إلى أن وصل إلى ما وصل إليه من تطور الدين إن كان الأمر كذلك فلنعد إلى التقسيم الذي وضعه عالم الأنثروبولوجيا الشهير جيمس فريزر وانطلاقـًا من فرضية الفيلسوف «هيجل» التي تقول بأن عصرًا ساد فيه السحر قد سبق عصر الدين في تاريخ الحضارة الإنسانية حيث يفترض أنه قد مر على الإنسان عهد ظن فيه أن بمقدوره التحكم في سير عمليات الطبيعة بواسطة السحر وتعاويذه وطقوسه السحرية وعندما اكتشف بعد فترة طويلة قصور هذه الوسائل عن تحقيق غايتها تصور أن الطبيعة التي تأببت على الانصياع له واقعة تحت سلطان شخصيات روحانية فائقة القدرة فتحول إلى عبادة هذه الشخصيات واستعطافها واسترضائها بالأضاحي والقرابين لتقف في صفه وتلبي له حاجاته وبذلك ظهر الدين وتحول الإنسان عن السحر وحل كاهن المعبد محل سائر القبيلة ويعترض المفكر فراس السواح على هذه الجزئية في كتابه «دين الإنسان» ويشير إلى أن التمييز الحاد الذي وضعه فريزر بين السحر والدين يأتي نتيجة لفهمه الخاص للدين ولما هو ديني؛ فلقد أوضح من البداية أنه لا يرى دينًا إلا عندما يرى طقوسًا تتوسل إلى كائنات روحية فوق طبيعانية تتحكم في مظاهر الطبيعة وأن الدين لم يبتدئ في تاريخ الإنسان إلا مع ظهور الآلهة المشخصة، وقد قادة ذلك إلى ما هو متوقع إلى اعتبار كل طقس ومعتقد سابق على ذلك بمثابة معتقد سحري وطقس سحري لا يمت إلى الدين بصلة.

لكن من خلال الاستقصاء فإنه قادنا إلى رؤية مختلفة تمامًا لعلاقة الدين بالسحر، فكما أشرت فإن الدين لم ينشأ من السحر؛ لأنه لا فرق بين السحر والدين عند منابت الثقافة الإنسانية وجذورها، وليس الذي يدعوه فريزر إلا شكلاً أصليًا وأوليًا من أشكال الدين، سابقـًا على ظهور الشخصيات الإلهية في المعتقدات الدينية للإنسان، فالساحر الذي يتوسط بين الأسباب ونتائجها لا يعتمد مبدأ ميكانيكية الطبيعة وخضوع عملياتها لقوانين ثابتة، كما يرى فريزر ومن يردد مثل أفكاره إلى الآن، بل على مبدأ القوة السارية الذي يربط عالم الظواهر ويكمن خلف تسلسل الأحداث في الطبيعة والقوى التي يعتمد عليها الساحر هي قوى دينية بالمعنى الحقيقي للكلمة.

الصراع بين الأنثروبولوجيين أنفسهم على الأقل في تعريف نشأة الدين من تصورات إلى أخرى من خلال طرحهم للنظريات التي تعدو أغلبها نظريات أولاً فيما يشبه افتراضات وليست يقينية قاطعة ولذا نجدها تختلف من عالم إلى آخر، بل إن العلماء أنفسهم علماء الاجتماع قدموا تفسيرات مختلفة وكل منهم نقد وعارض فكرة الآخر عما طرحه من تصور.

كما لعبت الدوافع الفكرية لهؤلاء العلماء التي لم تكن تجريدية الطرح والبحث من حيث التصور، بل إن تحييد الوحي كما ذكرنا وأية سلطة له كان حاضرًا بشكل قوي في طرحهم للنظريات وبالتالي كانت التعريفات تدور حول الأنثروبولوجيا والمجتمع المحيط بالظاهرة الدينية التي لا تتعداه إلى سواه كما أن هذا هي السلطة والملكة الفكرية التي من خلالها سلطوا الضوء من خلاله للتفسيرات والتعبيرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الدين
عرض التعليقات
تحميل المزيد