الصعوبة في كتابة موضوع مقروء عن مخرج سينمائي كانت قدرته في التعبير بالصورة عبقرية جعلته واحد من أهم مخرجي الحداثة في السينما العالمية خلال القرن العشرين، إلى جانب أنه كان أفضل من أستغل الصمت للتعبير عن مشاعر أبطاله هي الخوف من التكرار وعدم تقديم جديد في محاولة فهم المخرج الأمريكي ستانلي كوبريك، الذي تعثر على الكثيرين فهم فلسفته الفنية.

خصوصا لو اتبعنا المقولة الشائعة أن الصورة أدل بكتير من الكلام، لكن في هذا الموضوع إلى جانب محاولة فهم كيف استطاع كوبريك التعبير بالصورة، سنحاول فهم قيمة الإتقان والتي جعلت معظم الأعمال التي قدمها للسينما باختلاف أنواعها خالدة لايزال صُناع السينما يتعمقون في محاولة فهمها والاستفادة منها حتى الآن.

لم أتعلم أي شيء في المدرسة

أحيانًا تكون الدراسة الأكاديمية مهمة، لكنها مع أي فن إبداعي تُثقل الموهبة لا تخلقها من العدم. هكذا كان يعتقد كوبريك منذ الصغر حتى عندما أمتهن التصوير الفوتغرافي في بداياته قبل إخراج فيلمه الوثائقي الأول Day of the fight 1951. كان حينها عمره 23 عامًا وإلى جانب عينه التي تشبعت بالتصوير وخلق الكادر وتكوين الصورة البصرية، أضاف حبه للشطرنج كثيرًا إلى شخصية المخرج مع أول فيلم روائي طويل بعنوان Fear and desire 1953 – الخوف والرغبة وبعده أفلامه الأشهر في الخمسينات The killing 1956- القتل – مسرات المجد Paths of Glory 1957.

ومن خلال حياته الفنية التي استمرت بعدها حوالي40 عامًا، قدم خلالها تسعة أفلام روائية طويلة كان أهمها Dr. Strangelove – A Space odyssey – Clockwork orange والبقية يمكن تتبعها بالبحث عن الفيلموجرافيا الخاصة به. ينصح كوبريك صُناع الأفلام بأن العمل الأهم والأول بالنسبة لهم هو مشاهدة كل ما تنتجه السينما، ليس بهدف المتعة بقدر مواكبتهم للتطور وإستعياب تقنيات تطور الصناعة، ربما جاء المخرج الأمريكي تارنتينو وعمل بنصيحته بعدها عندما قدم فيلمه الأول Reservoir dogs 1992 والذي ثار من خلاله على تقنيات السرد السينمائي التقليدية.

بالرغم من ذلك يرى كوبريك أن صناعة فيلم في الخمسينات كانت تبدو للبعض صعبة للغاية، لكن الأمر كان سهل لدرجة أن كل ما يحتاج إليه الشخص هو كاميرا وميكروفون وبعض الخيال الذي يساعده على إخراج المحتوى، لأن العملية تعقدت بعد ذلك وأصبح أخراج فيلم أمر بالغ الصعوبة، خاصة مع تطور التقنيات المُستخدمة. لذلك كان القراءة والتجريب هما المدرسة التي تعلم من خلالها وقدم أفلام متنوعة من الجريمة إلى الدراما الحربية.

لم اقرأ كتاب حتى بلغت الـ19 من عمري

القراءة هي نافذة الإنسان على العالم، الخط الفاصل بين حياة تتسم بضيق الأفق ومحدودية الرؤية وعالم شديد الإتساع، وربما تزداد أهميتها للفنان مهما كان مجال إبداعه. تساعده على تنمية موهبته وتطوير ادواته، هكذا كان كوبريك الذي تزامن حبه للقراءة مع بدايات إمتهانه للإخراج السينمائي يُعطي للكتب قيمتها، كان زائر دائم لمكتبات لندن بعد اعتزاله الحياة في هوليوود، يدخل المكتبة ويغمض عينه ويلتقط أي كتاب تمسكه يده ويبدأ في قراءته.

أنعكس حبه للقراءة على معظم أعماله التي كانت أغلبها اقتباسات عن أعمال أدبية مثل فيلم LOLITA 1962 عن رواية بنفس الاسم لفلاديمير نابوكوف، وفيلم THE SHINING 1980 عن رواية لستيفن كينج. لم يكن كغيره يذهب مع كتابة نص أصلي لأنه كان يعتقد أن قراءة نص للمرة الأولى متعة في حد ذاتها تفقدها لو حاولت الكتابة بنفسك. متعة كان يبحث عنها في كل كتاب يحاول قراءته ولو تملكته الفكرة يبدأ في الخطوة الأصعب من وجهه نظره.

الخطوة التي كان يُعرفها كوبريك بأنها محاولة كسر الشفرة أي تحويل العمل الأدبي نفسه إلى صورة هي الأصعب لأنك مطالب بفهم عميق للعمل وقراءته عدة مرات وتقسيمه إلى بناء درامي دون أن تفقد الشعور بروح الكتاب نفسه. أحيانًا تكون مضطرًا كمخرج بعدم الالتزام التام بكل أحداث الرواية؛ لأن في النهاية هناك إطار زمني محدود للفيلم عليه استيعاب الأحداث بشكل مختصر ومعبر، وهذا ما حدث في تحويل رواية LOLITA.

المعالجة كانت مختلفة مع رواية RED ALERT للكاتب البريطاني بيتر جورج والتي استوحى منها كوبريك فيلمه الأشهر في الستينات DR. STRANGE LOVE (HOW I LEARNED TO STOP WORRYING AND LOVE BOMB)، فالرواية التي كانت تنتمي للخيال العلمي والتشويق حولها كوبريك لواحد من أهم أفلام الكوميديا السوداء في تاريخ هوليوود أو كما وصفه النقاد في مجلة Film And filming بأنه تحفة مأساوية كوميدية. كان يعتقد أن أخراج فيلم بنفس روح الجدية في الرواية سيبدو متناقض وعبثي، فالأفضل للفيلم هو التعبير عن صراع الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بشكل ساخر.

الفيلم الأهم من وجهة نظري الذي قدمه كوبريك خلال نفس الفترة هو أوديسا الفضاء – 2001 A space odyssey والمقتبس عن قصة قصيرة للكاتب البريطاني آرثر كلارك، والذي أكد من خلاله على موهبته وقدرته كمخرج في التعبير عن الأحداث المعاصرة له.

ليس فقط من خلال قصة الفيلم التي تعبر عن تطور البشر وانحدارهم السريع، لكن من خلال الصورة الغنية التي تميز بها الفيلم من كادرات وديكور كان يعتبر وقتها نقلة في صناعة أفلام المستقبل. الفيلم الذي تصل مدة عرضه إلى 142 دقيقة، الحوار فيه لا يتعدى الـ40 دقيقة، كانت مساحات الصمت في السكريبت السينمائي واسعة، وأحيانًا تحتل مكانتها عوضًا عن الموسيقى التصويرية كمشهد موت فرانك وانفاسه المسموعة كتعبير أقوى من الموسيقى عن أهمية الأكسجين بالنسبة له ووفاته بمجرد توقف صوت أنفاسه المتقطعة.

الفيلم يجب أن يكون أقرب للموسيقى منه إلى القصة، تتطور من خلاله المشاعر والانفعالات، بعدها يأتي الموضوع والمعنى الذي يحمله الفيلم.

ستانلي كوبريك

وبالرغم من أن الفيلم يعتبر بسيط عند مقارنته بأفلام أخرى تم إنتاجها بعده عن الفضاء بميزانيات أكبر، لكنها ليست على نفس المستوى من الإنجاز والإتقان الذي قدمه كوبريك. الإتقان الذي كان سمة أساسية في كل أعماله جعلته يكتسب سمعة أنه من أكثر المخرجين تدخلًا في كل مراحل إخراج الفيلم من أول اختيار القصة وكتابة السيناريو السينمائي حتى المونتاج.

Franks Death – ‘2001: A Space Odyssey

البحث عن المثالية

يتضح ذلك خلال أحد اللقاءات الصحافية القليلة معه بعد فيلم FULL METAL JACKET – المقتبس عن مذكرات جندي عاصر حرب فيتنام – سأله المحاور عن سبب اختياره لأغاني الفيلم مثل أغنية These Boots Are Made for Walkin

أجاب ببساطة أن الأغنية كانت مناسبة لإيقاع المشهد وحتى يتمكن من أختيار أغاني فيلمه كان عليه الأستماع لأفضل 100 أغنية صدرت في الفترة من 1962 – 1968 وهي فترة الحرب في فيتنام، لم يكن هناك شيء اعتباطي، كل تفصيلة في الفيلم كانت محسوبة بدقة. بداية من كتابة السيناريو، اختيار الموسيقى، حتى تصميم ملابس الجنود في الحرب وكيف كان يفرق كوبريك بين جندي المارينز الملتزم بارتدائه للزي العسكري كامل، وغير الملتزم منهم.

تظهر جديته في الإتقان والبحث عن المثالية في فيلمه الدرامي BARRY LYNDON 1975، والذي تدور احداثه في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر، وقبل اختراع الكهرباء. أصر كوبريك على تصوير مشاهد ليل/داخلي دون استخدم أي تقنيات للإضاءة والاكتفاء بأضواء الشموع حتى ينقل للمشاهد صدق إحساسه بالصورة وأجواء الفترة التاريخية، الأمر الذي دفعه للجوء إلى وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لمساعدته على تطوير كاميرا قادرة على التقاط هذا القدر من الضوء الخافت.

التفاصيل والاهتمام بها هي التي صنعت عبقريته، في وقت كان الاستسهال ولا زال سمة غالبة على كثير من الأعمال السينمائية التي يتم إنتاجها. فمنذ اعتزاله الحياة في هوليود بعد فيلمه Spartacus 1960 ، استقر في لندن وصور كل أعماله هناك حتى فيلمه الأخير eyes wide shut 1999، والذي دارت كثير من أحداثه في نيويورك، لكنه كان بارعًا في خلق العالم الخاص بأي فيلم يريد إخراجه في لندن دون الحاجة إلى السفر.

في السبعينات في الوقت الذي تمرد فيه جيل الصُناع الجدد في هوليوود أمثال ستيفن سبيلبرغ ومارتن سكورسيزي على النمط التقليدي محاولين تقديم تجربة جديدة، لم تتأثر مكانة كوبريك كما سقط مخرجو الجيل القديم، وقدم فيلم A Clockwork orange 1971 من بطولة مالكولم ماكدويل وعن رواية بنفس الاسم لانتوني بورغيس، وحاول من خلاله تقديم رؤيته للمستقبل القاتم الذي تنتظره أوروبا مع تفشي العنف.

وإجمالًا أستطاع الحفاظ على مكانته بفضل سعيه نحو المثالية وشغفه بالإتقان وإدراكه لأهمية التجديد. لم يتخلى في أي عمل قدمه عن الجدية باعتبارها السبيل الوحيد لتخليد ذكراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد