بنظرةٍ سريعةٍ على قيادات الأحزاب المصرية نجد أنّه من الصعب حاليًا إيجاد شخصيةٍ «ثقيلةٍ» سياسيًا يُمكنها قيادة أكثر من حزبٍ أو تحالفٍ انتخابي معينٍ في الانتخابات البرلمانية التى ستجرى في العام الجارى؛ فغالبية تلك الكيانات تُدار من خلف ستارٍ بواسطة أجهزةٍ معينةٍ لا يمكن تخطي «الخطوط الحمراء» التي تحددها، بينما جرى العمل على تهميش أو «دفن» القيادات الأخرى في الأحزاب التي توصف على استحياءٍ بـ«المعارضة»، إما بعرقلة عملها السياسي، أو بمنعها من الظهور بقوةٍ في الوسائل الإعلامية المصرية.

فكرة «المهندس» الذي سيتولى التنسيق بين التحالفات الانتخابية في الماراثون المقبل بمصر؛ لإخراج برلمانٍ في الغالب سيكون مُرضيًا وداعمًا ومساندًا للسلطة «على طول الخط»، ستكون مطروحةً بقوةٍ خلال الأيام القليلة المقبلة؛ لا سيما بعد إعلان الدكتور علي عبد العال، رئيس البرلمان المصري، أنّه لم يتبقَ على استمرار مجلس النواب سوى أشهرٍ قليلةٍ حددها بثلاثة أشهر، الأمر الذي سيجعل غالبية الأحزاب المصرية تتجه نحو إعداد العدة لهذا السباق، خاصةً أنّ «البوصلة» تشير إلى أنّ غالبية المقاعد ستكون من نصيب القوائم الانتخابية.

بالرجوع إلى السباقات الانتخابية المصرية التي جرت في السنوات الماضية سواءٌ قبل «ثورة يناير» أو بعدّها، نجد أنّ فكرة «السياسي» الذي يتولى مهمة «هندسة» الانتخابات، ليست جديدةً على الإطلاق؛ ففي انتخابات مجلس الشعب (النواب حاليًا) التي أُجريت في عام 2010، «تغوّل» رجل الأعمال الشهير أحمد عز، أمين تنظيم الحزب الوطني الديمقراطي وقتها، و«هندّس» الانتخابات على «مزاج السلطة» بدون إشرافٍ قضائي فكانت النتائج «كارثيةً» سياسيًا، وتسببت أيضًا في زيادة الاحتقان ضد نظام «مبارك».

حصل وقتها الحزب الوطني – بالتزوير والمخالفات – على 420 مقعدًا، بينما حصل المستقلون على 68 مقعدًا وبالمناسبة كان أغلبيتهم من المنتمين لـ«الوطني»، في حين حصل «الوفد»، أعرق الأحزاب المصرية الليبرالية، على ستة مقاعد، و«التجمع» الذي يوصف بأنه «بيت اليسار المصري» على خمسة، في الوقت نفسه ذهب مقعد لكل من أحزاب: «الغد»، «العدالة الاجتماعية»، «الجيل»، «السلام الديمقراطي»، ومقعد لمستقلٍ تابعٍ لـ«الإخوان المسلمين»، والتي حصلت في انتخابات 2005 على 88 مقعدًا.

لم يستمر هذا البرلمان كثيرًا، فصدر الإعلان الدستوري بحل مجلسي الشعب والشورى في 13 فبراير (شباط) 2011، بعد نجاح «ثورة يناير»، والإطاحة بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك من الحكم، وتولى المجلس العسكري قيادة البلاد.

شهدت الانتخابات البرلمانية التي أُجريت عام 2015 بروز عدة أسماءٍ حاولت لعب دور «المهندس الانتخابى» في هذا الماراثون المهم؛ كان أبرزهم الدكتور كمال الجنزوري الذي تولى منصب رئيس الوزراء في الفترة من 4 يناير (كانون الثاني) 1996 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1999، ثم عاد للمنصب مرةً ثانيةً عندما كلفه المجلس العسكري بتشكيل الحكومة في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.

حاول الجنزوري تشكيل ما سُمي وقتها بـ«ائتلاف الجبهة المصرية» الذي تكوّن من عدة أحزابٍ، قبل فشله بسبب الصراع والخلاف بين الأحزاب على عدد المقاعد، ثم انسحاب أحزاب «الغد» و«التجمع» و«المؤتمر»، ثم تبعهم «الشعب الجمهوري» بعد ذلك.

قبل الجنزوري جرت اتصالاتٌ عديدةٌ مع الدبلوماسي البارز عمرو موسى، الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، والمرشح الرئاسي الأسبق أيضًا؛ لتزعم قائمةٍ انتخابيةٍ أُطلق عليها وقتها «قائمة مصر» حاولت استغلال شهرة «موسى» في الشارع المصري.

لكن «موسى» رفض المشاركة نهائيًا في هذا السباق الانتخابي، كما فشلت دعوة أخرى أطلقها الدكتور السيد البدوي، رئيس حزب «الوفد» وقتها لتكوين قائمةٍ انتخابيةٍ موحدةٍ.

بعد كل هذا «العكّ السياسي» في المشهد الانتخابي، ظهر اللواء سامح سيف اليزل ليكون «الحصان الرابح» من نصيب شخصيةٍ عسكريةٍ شهيرةٍ برزت بقوة وقتها لـ«هندسة» المشهد الانتخابي.

تولى اللواء سامح سيف اليزل مهمة تنسيق قائمة «في حب مصر» التي حصلت على الـ«120» مقعدًا المخصصة للقوائم الحزبية وقتها، ثم تحوّلت هذه القائمة في ما بعد إلى ائتلاف «دعم مصر» الذي يتزعم الأغلبية حاليًا في البرلمان المصري.

سيف اليزل، الذي رحل عن عالمنا في أبريل (نيسان) 2016 (70 عامًا)، كان اختياره قد يكون «صائبًا» على الأقل من وجهة نظر السلطات في مصر؛ فالرجل كان عسكريًا شهيرًا يمتلك سيرةً ذاتيةً عامرةً بالمناصب الرسمية.

تخرج سيف اليزل في الكلية الحربية عام 1965، ثم انتقل إلى سلاح «الحرس الجمهوري» في يوليو (تموز) 1967، وعمل ضابطًا في المخابرات الحربية، كما عمل في المخابرات العامة حتى رتبة لواء؛ وشغل منصب وزير مفوض في السفارة المصرية بإنجلترا، وعمل مستشارًا بسفارتها في كوريا الشمالية.

كما كان اللواء سامح سيف اليزل قريبًا من المجلس العسكري الذي تولى قيادة البلاد في 2011 عقب نجاح ثورة يناير، وشارك في حروب «67»، «الاستنزاف» «أكتوبر 73».

وتشهد الساحة المصرية حاليًا نقاشًا حادًا حول التحالفات الانتخابية، والقيادات التي من المتوقع أن تقودها، ومنها ما أعلنه المستشار بهاء أبو شقة، رئيس حزب «الوفد»، بشأن سعيه لتشكيل «الائتلاف الليبرالي»، مؤكدًا أن الاتصالات لم تتوقف لتدشين هذا الكيان المهم سياسيًا، وأنه سيتم الكشف عن جميع التفاصيل بعد الاتفاق على النظام الانتخابي.

أبو شقة يرى أن تُجرى الانتخابات بالقائمة المغلقة 75%، على أن تمثل القوى السياسية والحزبية تمثيلًا مناسبًا لكل منها دون الجور على أحد، وذلك في ما يخص مجلس النواب، وفقًا لما أعلنه في الصحف المصرية.

وبشأن مجلس الشيوخ قال أبو شقة إنّ حزبه يفضل أن يكون عدد مجلس الشيوخ 300 عضو، وأن يكون الثلثان بالانتخاب بـ«القوائم المغلقة»، وتحقيق التجانس بين جميع طبقات المجتمع، على أن يعين رئيس الجمهورية ثلث المجلس.

وفق حديثٍ بيني وبين «لواء سابق»، ويشغل حاليًا منصبًا مهمًا في أحد الأحزاب المحسوبة على «العسكريين»، فإنّ المستشار بهاء أبو شقة لن ينجح في تشكيل أو قيادة «الائتلاف الليبرالي» الذي يدعو إليه قبل الانتخابات المقبلة.

ودلل اللواء السابق على حديثه بقوله إن جلسات الحوار التي قادها «أبو شقة» في «الوفد» مع قياداتٍ من الأحزاب الأخرى لم تُثمر عن شيء، مؤكدًا أن حزبه لن يدخل في هذا الائتلاف، ولم يشارك أيضًا في أغلب جلسات الحوار بـ«الوفد»؛ لعدم جدواها.

أما حزب «مستقبل وطن» الذي يرأسه المهندس أشرف رشاد، والمدعوم من الدولة، فقد عمل خلال الفترة الماضية على عقد جلساتٍ تتعلق بالحوارات السياسية بين 10 أحزاب هي: «الإصلاح والتنمية، العدل، المحافظين، الغد، المصرى الديمقراطي، الوفد، المؤتمر، التجمع، الشعب الجمهورى».

وعلى الرغم من أنّ «الماكينة الإعلامية» التابعة للنظام المصري تعمل على «النفخ» في أهمية هذه الحوارات، إلا أنها في الحقيقة مجرد «شو سياسي» يريد من خلاله حزب «مستقبل وطن» التدليل على أنه قادر على «قيادة» الحياة السياسية في مصر، فضلًا عن أنه لم يتم الاستقرار أو الاتفاق على نظام انتخابي بين الأحزاب المشاركة في تلك الجلسات.

وتنطلق حاليًا أصواتٌ سياسيةٌ «تُنظر» للنظام الانتخابي الأفضل؛ فمثلًا يرى صلاح حسب الله، وهو المتحدث الرسمى باسم مجلس النواب، ورئيس حزب «الحرية المصري»، أن الانتخاب بالنظام المختلط بنسب متفاوتة أفضل شيء، وهو تقريبًا النظام نفسه الذي يطالب به حزب «المؤتمر».

أما عصام هلال أمين التنظيم في حزب «مستقبل وطن» فكشف عن أنّ حزبه يُريد أن تُجرى الانتخابات النيابية بنسبة 75 % قائمة مغلقة، و25% بنظام الفردي.

بينما يُطالب حزب «التجمع» الذي يطلق عليه في مصر «بيت اليسار» بإجراء الانتخابات بنظام القائمة النسبية غير المشروطة؛ لتمثيل جميع أطراف المجتمع داخل المجالس النيابية.

الخلاصة أن الحديث الدائر حاليًا بين الشخصيات السياسية المحسوبة على النظام المصري بشأن الانتخابات المقبلة ونظامها، يكشف عن محاولات تلك الشخصيات لـ«خطف الأضواء»، و«التسويق» لنفسها لدى السلطة، قبل أن يُختار «المهندس الجديد» للانتخابات المصرية، يأتي ذلك على الرغم من أن العمل والنقاشات السياسية «شيء طبيعي» بين الأحزاب.. لكننا في انتظار «المهندس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد