«مش معقول» تلك هي الكلمة الوحيدة التي قالها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وسط رجاله وجيشه ناظرًا إلى أعلى المنصة؛ حيث توجد زوجته وأحفاده.

أي معقول كان يطلبه وقتها، وهو الذي عاش حياته كلها ضاربًا بعرض الحائط كل ما هو متوقع، من أول نشأته في قرية ميت أبو الكوم، وحتى ذلك اليوم المشئوم الذي سجل من قبل فيه انتصارًا غير معقول! وقد شاءت إرادة الله أن تختتم حياته على نفس النمط من اللامعقولية.

من هو بالتحديد؟

لا أظن أن أحدًا عنده يقين بإجابة هذا السؤال، حتى هو نفسه وصل لمرحلة عجز فيها عن تحديد ذاته الحقيقية. هل هو ذلك الرجل الذي قهر الجيش الذي لا يقهر في معركة عظيمة، أم هو الذي تساهل في الصلح أمام ساسة هذا الجيش؟

هل هو الرجل المؤمن المتمسك بدينه حد التشدد في بعض المواقف، أم الذي نكل بالإسلاميين في آخر عهده وسخر منهم؟

هل هو الرجل الاشتراكي الذي قال في بداية حكمه: إنه سيسير على خطى عبد الناصر، أم هو الرجل الانفتاحي الذي ارتمى في أحضان الرأسمالية؟

نشأته

سأتحدث عن نشأته بإيجاز؛ لأنني لست بهدف وضع سيرة ذاتية للرئيس الراحل، وإنما أود أن أستعرض بعض الأحداث في تاريخ الوطن والتي كان السادات مشاركًا في صنعها.

هو ابن قرية ميت ابو الكوم في محافظة المنوفية، تخرج من الكلية الحربية عام 1938، ثم اتهم في قضية جاسوسية ضد الإنجليز لصالح الألمان، وطرد من الجيش، وتنقل إلى عدة سجون مصرية إلى أن تمكن من الهرب عام 1944، إلا أنه عاد مرة أخرى إلى السجن بعد اتهامه في قضية اغتيال أمين عثمان، وفي أغسطس (آب) 1948 تمت تبرئته من التهم المنسوبة إليه، وبمساعدة يوسف رشاد (طبيب الملك الخاص) عاد مرة أخرى إلى القوات المسلحة، إلى أن شارك الضباط الأحرار في حركتهم المباركة عام 1952.

23 يوليو

وهنا نقطة تحول خطيرة ينبغي الوقوف عندها قليلًا، فهي النقطة التي رسمت مستقبل مصر والعالم العربي في العقود التالية.

عند دراسة أي حدث تاريخي يجب أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وهل الذي حدث هو ما كان ينبغي أن يحدث أم أنه شيء آخر؟ وما هو البديل لما حدث؟ وهل الوضع حينها سيكون أفضل؟

أما ما حدث فنحن لا نعرفه بالتحديد، فلقد تعلمنا في المدارس أنها ثورة، ثم سمعنا رأيًا كان يتردد قديمًا، ثم تجدد بقوة هذه الأيام يقول إنه انقلاب، وهناك رأي ثالث يقول إنه انقلاب تحول إلى ثورة.

و أنا أرى أن هذه المسميات لا قيمة لها، فما فائدة أن تكون ثورة (بالمفهوم الأكاديمي) وهي تتخذ منهج الانقلابات من قمع وكبت للحريات وما إلى ذلك، وما فائدة أن يكون انقلابًا وقد اتخذ مسلك الثورات من إصلاح للحياة السياسية وتلبية الاحتياجات الاجتماعية وما إلى ذلك، إن محاولاتنا لإطلاق اسم محدد حول ما حدث لهو العبث بعينه، فأنا ما يعنيني هو النتائج.

أما لماذا حدث فهو أمر بديهي أن يحدث، وسط حالة التخبط السياسي التي كانت تعم البلاد وقتها، فأي شخص يقرأ المشهد جيدًا يدرك أن هذا النظام يحتضر، وفي انتظار شهادة الوفاة التي ستعلن، إما عن طريق ثورة شعبية أو انقلاب عسكري، وحدوث إحداهما لا يعني بالضرورة أن الآخر كان مستبعد الحدوث، والدليل على ذلك عدم مقاومة الشعب لما حدث.

و بالنسبة للسؤال الآخر فهو منقسم لشقين: الشق الأول هو ماذا كان ينبغي أن يحدث، وهو الأمر الذي نتبينه من أهداف حركة الضباط الأحرار:

1_ القضاء على الاستعمار.

2_ القضاء على الاحتكار.

3_ القضاء على الإقطاع.

4_ إقامة جيش وطني قوي.

5_ إقامة عدالة اجتماعية.

6_ إقامة حياة ديمقراطية سليمة.

أما الشق الثاني من السؤال فلا أظن أني في حاجة إلى الإجابة عليه.

وللإجابة على السؤال التالي الخاص بما هو البديل ينبغي علينا أن نستعرض سريعًا نتائج ما حدث لنتمكن من وضع أيدينا على الخطأ حتى يمكن علاجه في الاقتراح البديل.

لقد سلكت الحركة طريق الديكتاتورية، ولنفترض حسن النية، وإنهم ما دفعهم الى ذلك ليس حب السلطة، فشرف الدفاع عن مصر بالنسبة لهم خير من شرف حكم مصر، وإنهم ما سلكوا هذا الطريق إلا لأن ما تنجزه الديكتاتورية في يوم تنجزه الديمقراطية في سنة، والشعب في حاجة إلى نتائج ملموسة وسريعة، وإن الأوضاع التي كانت تحيط بالبلاد من الداخل ومن الخارج كانت تفرض عليهم أن يسلكوا هذا الطريق، فالمؤامرات التي تحاك ضد الوطن يستلزم علاجها حلولًا ليست موجودة في الديمقراطية.

وهذا في رأيي هو رأس المشكلة، الحكم الديكتاتوري، وبديله بالطبع الحكم الديموقراطي، أفمن أسس بنيانه على الديمقراطية خير أم من أسسها على الديكتاتورية، فانهارت به إلى درب سحيق من الذل والهوان، إن ما يتم تأسيسه في سنة تحت ظل الديمقراطية لهو خير وأبقى مما يتم تأسيسه تحت سطوة الاستبداد في يوم، أما إذا تكلمنا عن المؤامرات فإن الديكتاتورية لم تنجح في وقفها، بل لعلها كانت هي نفسها المؤامرة الكبرى التى ما زلنا نعاني من تبعاتها.

أما عن السؤال الأخير فإجابته تستلزم منا الإجابة عن سؤال آخر هو: ما هو الأسوأ من الديكتاتورية؟

ثورة التصحيح

لم يكن الحكم خالصًا في بداية حكم السادات، فكان عليه أولًا أن يتخلص من ورثة عبد الناصر، وأقول هنا: يتخلص، وأنا أقصد معناها الحرفي، حيث لا سبيل إلى المهادنة أو تسييس الأمور، فإما أن يتخلص منهم أو يتخلصوا هم منه، وفيما أسماه بثورة التصحيح نجح السادات في مسعاه، ودانت له السلطة بعد ممانعة.

عقب وفاة عبد الناصر وقعت البلاد في الحيرة التي تخلف دومًا الأنظمة التي تعتمد على حكم الفرد، فالزعيم الأوحد مات، والبلاد في حاجة إلى من يحكمها ويسد فراغه، وكان من الطبيعي لشعب أصيب بضعف البصر (عن عمد أو عن إهمال) أن لا ينظر إلا لمن اختاره الزعيم ليكون خليفته، وكان من الطبيعي أيضًا أن تحتاج مؤسسات الدولة إلى ملء الفراغ الذي خلفه عبد الناصر، وورثة الزعيم والذي كان كل فرد فيهم ينظر إلى نفسه بأعتباره الأحق بالكرسي فكان عليهم أن يحددوا اسم الرئيس ولو بشكل مؤقت لحين حسم الصراعات وتهيئة الأوضاع لمن حددوه ليشغل هذا المنصب، وهكذا أعلن السادات رئيسًا للجمهورية في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1970.

وكان اختيار اسم السادات، ليس لشيء، إلا لأنهم توسموا فيه الضعف والاستكانة وتوهموا في أنفسهم القدرة على السيطرة عليه، ونسوا أننا في دولة مركزية يحصل الرئيس فيها على سلطات غير محدودة، ولسخرية القدر فإنهم هم أنفسهم من ساهموا في صنع تلك المركزية، فسلموا رقابهم إليه وهم متخيلون أنه بالسذاجة بحيث لن يستطيع ذبحهم.

لقد كانوا يراهنون على انحياز الشعب والجيش ومؤسسات الدولة لهم، أما الشعب فكيف ينحاز لهم وهم سبب بلائه، خصوصًا أن الشعب يحملهم كل الأخطاء التي حدثت في عهد عبد الناصر باعتبار أن زعيمهم لا يخطئ، أما الجيش فهو جريح، يريد رد اعتباره بأسرع وقت، وليس على استعداد للدخول في دوامة الصراع على السلطة، أما مؤسسات الدولة فقد تم مسخ معالمها، فهي عاجزة عن أخذ أية خطوة إلا بعد أوامر السيد الرئيس، ومشاكلها تحل بتوجيهات السيد الرئيس، فأصبحت تلك المؤسسات بلا وزن حقيقي على الساحة السياسية، وبهذا انهار وهم القوة الذي كانوا يحيطون أنفسهم به مع أول صفعة من السادات.

حرب أكتوبر

Save Israel، استغاثة نادت بها جولدا مائير أمريكا بعد أن أدركت عجزها عن سحق عظام العرب، النداء الذي سرعان ما استجابت له أمريكا مرددة:

واإسرائيلاه .. واإسرائيلاه.

ولن أسترسل في الحديث عن بطولات الجيش المصري في 73 فهذا ليس موضوعي، كما أن مصادر البحث فيه معروفة لمن أراد الأستزادة، إنما أود أن أوضح دور القيادة السياسية وأهميتها في المعركة.

للقيادة السياسية دور مهم جدا في توفير المناخ المناسب للجيش ليقوم باداء مهامه، ويكفي أن أوضح أن الجيش المصري في 67 كان أقوى من حيث الإمكانات والتسليح مما كان عليه في 73، والجيش الإسرائيلي في 73 كان أقوى مما كان في 67، ومن هنا يظهر أهمية أن يكون خلف الجيش قيادة سياسية موحدة ومنظمة تدرك أهدافها وتعرف كيفية الوصول إليها.

وكما أن غياب القيادة السياسية عن أداء دورها يؤدي إلى كارثة، فإن تدخلها المباشر في سير المعركة يؤدي إلى كارثة أخرى لا تقل عنها، فقد يؤدي ذلك إلى ضياع النصر كله، أو إفقاده بريقه.

لقد حقق الجيش المصري إنجازًا عظيما بكل المقاييس، فاستطاع بما يتوافر لديه من إمكانات لدى عدوه ما هو أفضل منها أن يلقنه درسًا لن ينساه طيلة حياته، واستطاع أن يواجه جيشًا هزمه قبل ذلك ثلاث مرات، وأن يحقق انتصارًا عده الخبراء دربًا من الخيال.

ويمكننا تقسييم المعركة إلى جولتين: الجولة الأولى، وهي ما قبل تطوير الهجوم في 14 أكتوبر (نشرين الأول)، والثانية، ما بعد تطوير الهجوم، أو بصيغة أخرى ما قبل تتدخل القيادة السياسية وبعد تتدخلها، في الجولة الأولى انتصر العرب انتصارًا ساحقًا لا مراء فيه، وفي الجولة الثانية نستطيع أن نقول إنها انتهت بالتعادل، فكلا الجيشين لم ينجحا في تحقيق أهدافهما، ومن هنا تكون نتيجة المعركة نصرًا محدودًا، ولكنه أكيد للعرب.

بدأت المشكلة، عندما صدرت الأوامر من القيادة السياسية بتطوير الهجوم نحو المضائق بحجة تخفيف الضغط على الجبهة السورية التي كانت في موقف صعب وقتها، ولكن الفريق الشاذلي رئيس أركان القوات المسلحة عارض هذا الأمر؛ لأن القوات الجوية الاسرائيلية متفوقة في الجو وقد تشكل تهديدًا خطيرا لأية قوات برية تتحرك في العراء دون غطاء جوي، حيث إننا لا نملك دفاعًا جويًا متحركًا إلا أعدادًا قليلة جدًا لا تكفي لمساعدتنا في هذا التطوير، لذلك لا تستطيع أية قوات برية أن تتجاوز عمق 15 كيلو متر شرق القناة حيث توجد مظلة الدفاع الجوي، كما أن العدو لديه 8 ألوية مدرعة في سيناء تكفي لصد أي هجوم، ولن يحتاج إلى سحب أية قوات إضافية من الجبهة السورية، فنحن بذلك قد نؤدي إلى تدمير قواتنا دون أن يكون لذلك أية فائدة لسوريا، لكن القرار قد اتخذ وبدأت العملية في 14 أكتوبر (تشرين الأول)، وتم دفع الفرقة المدرعة 21 و الفرقة المدرعة الرابعة إلى شرق القناة للمساهمة في تلك العملية.

ومن المعروف أنه لا يوجد خط دفاعي مهما بلغت قوته لا يمكن اختراقه، فقد اخترق الألمان خط ماجينو الفرنسي عام 1940، واخترق الحلفاء خط زيجفريد الألماني عام 1945، واخترقنا نحن خط بارليف الإسرائيلي عام 1973، أي أن كل خط دفاعي تكون له نقاط ضعف، إذا عرف العدو استغلالها جيدًا فسيتمكن من اختراقه.

في يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول) تمكنت طائرة أستطلاع أمريكية من تصوير الجبهة بالكامل، ومعنى هذا أن إسرائيل أصبحت تعلم موقف قواتنا شرق وغرب القناة، وقد استغلت إسرائيل تلك المعلومات في صناعة ما يعرف بثغرة الدفرسوار، وقد كانت أهداف إسرائيل من فتح تلك الثغرة نقل القتال من شرق القناة إلى غربها؛ مما قد يربك القيادة المصرية ويجعلها تسحب قواتها غرب القناة أو عزل القوات في شرق القناة عن غربها، وتدمير شبكة الصواريخ الموجودة على الارض والتي فشل سلاح الطيران في التصدي لها، وأن تحقق أي انتصار ولو محدود لتحسين موقفها في المفاوضات بعد وقف إطلاق النار.

نجحت إسرائيل في صناعة الثغرة، لكنها فشلت في عزل القوات شرق القناة أو احتلال أي من مدن القناة أو حتى تدمير شبكة الصواريخ، وقد جاء هذا النجاح بخسائر فادحة تعادل ما خسرته في أيام الحرب كلها.

وقد أشار الفريق الشاذلي إلى إمكانية القضاء على الثغرة بسحب جزء من القوات من شرق القناة لمساندة الموقف في غربها، إلا أن القيادة السياسية رفضت انسحاب أي جندي من الضفة الشرقية، وبذلك تدهور الموقف في غرب القناة واتسعت الثغرة، وصدر قرار وقف إطلاق النار، وإسرائيل لم تنجح في أي شيء فقامت بخرق القرار، واستمرت في الضغط على الجبهة في غرب القناة إلى أن تمكنت من حصار مدينة السويس والجيش الثالث.

لم يكن انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر (تشرين الأول) بالشيء الهين، ولكن أيضًا حصار 45 الف جندي ومدينة كاملة ليس بالأمر التافه.

انتفاضة الخبز

أنا لن أتناول أحداث تلك الانتفاضة؛ لأنها ببساطة لا تهمني، لكن ما يهمني هو الحالة التي وصل اليها المصريين في ذلك الوقت، لقد تربينا على عدة مسلمات رأيناها كلها تتحطم في ذلك الوقت، تربينا على أن المصري مسالم بطبعه، فوجدناه وقد تحول إلى وحش كاسر ينتفض ويحرق ويحاصر المؤسسات، تربينا على أن المصري لا يهاجر بطبعه، فوجدناه يتحين الفرصة ليسافر إلى الخارج واختصرت أحلام شبابه على حلم واحد وهو السفر، تربينا على أن المصري متدين بطبعه، فوجدناه يعتنق مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان، ليس فقط تعارض العقل والفطرة السليمة كبعض أعمال الشعبذة مثلًا، وإنما اتسع ليعارض الإنسانية كلها، فوجدناه يمارس العمليات الإرهابية ويذبح السياح بدم بارد بحجة أنهم كفار.

ما الذي فعلته في الشعب يا سادات ليتحول المصري إلى ذلك الكائن البغيض، صحيح أن السادات لا يتحمل مسئولية هذا وحده، لكن يكفيه أنها حدثت في عهده، فأخطاء الماضي التي حملناها على عاتقنا دون أن يكون لنا يد في صنعها نتحمل وزرها إن لم نتمكن من معالجتها.

لقد حدث تغير شبه جذري في طبيعة الشعب المصري، ذلك التغير الذي لم يهتم به السادات فدفع حياته ثمنًا لذلك، وأي رئيس سيهمل ذلك الملف سيدفع إن آجلًا أو عاجلًا نفس الثمن.

بقيت لي كلمة أخيرة أستوضح بها شيئًا في غاية الأهمية، أنا هنا لا أحاسب أحدًا ولا أملك أن أحاسب أحدًا، فمن أنا حتى أحاسب السادات عما فعله، ما أنا إلا مواطن لست ذا شأن، وربما لو كنت مكانه لفعلت ما فعل أو ربما ما هو أسوأ، إنما أنا أستخدم حقوقي كمواطن في النظر إلى الأحداث التي مرت بها بلاده، ذلك النظر الذي يستتبع بالضرورة، إما استحسان المواطن لما فعله المسئولين أو سخطه عليهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

البحث عن الذات (محمد أنور السادات)، السادات (روبير سوليه)، خريف الغضب (محمد حسنين هيكل)، مذكرات حرب أكتوبر (سعد الدين الشاذلي)، وتحطمت الأسطورة عند الظهر (أحمد بهاء الدين)، 6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية (جمال حمدان)، ماذا حدث للمصريين (جلال أمين)
عرض التعليقات
تحميل المزيد