تصور لك هذه المقالة أن هناك فنانًا اسمه «استفين» وهو شخصيةٌ خيالية، مرّت بمراحل مختلفة الأزمنة والقرون التي رافقت نشوء أهم المدراس التشكيليةِ آنذاك، بغية تقريب الفهم وتفكيك العقد لدى القارئ الكريم.

ولا أنوي -من خلال هذا المقال- سرد التواريخ والغوص في تفاصيلها، ولو فعلت هذا لعزّزتُ المقالةَ بالتواريخ ما شاء الله لي أن أفعل، ولكني أدعها لك للبحث والاستقصاء والسؤال، وحسبي بذلك أن أكتفي!

فإذا أردنا أن نفهم ظاهرةً ما على ظهر هذه البسيطة، فعلينا أن نُعيد تلك الظاهرة إلى جذورها وقعرها لنفهم كيف تكونت وتشكلت. وكذلك الحال فيما يتعلق بالظواهر الفنية ومدارسها وشخوصها، لنُدرك الفلسفة العميقة التي انطلقت منها، فلو فرضنا أن هناك فكرةً في مخيلة أحدهم ستُسند هذه الفكرة إلى إحساسٍ ما ليُعبّر عنها سواء أكان ذلك بالغناء أو الشعر أو الرسم أو الرقص أو نحوه، فإن هذا التعبير والإسناد يسمى فنًا، و إنْ اختلفت الرسالة التي تضمنها ذلك الفن، فإن تعبير «الفن» والتشابه والاختلاف المتعلق بنفس الكلمة و لنفس الفكرة مهّد لظهور هذه المدارس التشكيلية المعروفة اليوم كمعرفة أحدنا لنفسه.

فلقد كان استفين شابًا يافعًا يعيش في القرون السالفة في إحدى مدن فرنسا، حيث الكنسية تسيطر على كل شيء في مفاصل الدولة، فهي المهيمنة الوحيدة في ذلك العصر، إضافةً لكون أن الفن كان مقتصرًا على تجسيد الإله (مريم العذراء وعيسى «عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام») ومحرمة وممنوعة عمن سواهما، إلى حين قرر بعض الملوك كسر هذه القاعدة من باب تخليدهم تارةً والتفاخر بأشكالهم وتصويرهم تارة أخرى، وهنا برزت المدرسة الكلاسيكية والتي تعني الطراز الأول باعتبارها مصطلحًا أُخذ من الفن اليوناني الذي سعى إلى الكمال والجمال في نتاجه الفني.

فإذا قمت بالبحث في محرك بحثٍ ما كـ«جوجل» ستجد أن نتاج بحثك هو لوحات لشخصياتٍ ترتدي ملابس أنيقةً وفخمةً من ملوك تلك الحقبة وأرباب الأموال فيها وباعتباره مثالًا مشهورًا لوحة الموناليزا لـليوناردو دافينشي.

ثم بعد الثورة الفرنسية، وبداية عصر النهضة، تحرر استفين من تلك القيود التي كانت مفروضة عليه، ليعبّر عن إحساسه الداخلي والمحيط به بحرّية تامة متأثرًاا بفنون الحضارات القديمة كالإغريق والرومان، فشاهد العاشقَين تحت ظل شجرة فرسمهما إيمانًا منه بأن الحب يُخلّد وإيذانًا منه ببدء صباحٍ جديدٍ في عالم الفنون، شاهد الطفل يجري نحو أُمه فجسد ذلك المشهد بلوحاتٍ ملكت عليه قلبه ومشاعره، فظهرت (المدرسة الرومانسية) حيث باتت فكرة العمل أكثر تحررًا من ذي قبل، إذ اندثرت معالم الرّتابة في تلك الحقبة وتحررت من براثن التقليدية الموجودةِ في الفن الإغريقي آنذاك، وهكذا تجد فرط الإحساس يهيمن على رواد هذه المدرسة الفرنسي (فرديناند ديلاكروا).

ازدهار الفن في ذلك الزمن ما كان عبثًا، إنما هو اليقين المطلق بأن الرسم تجسيد للواقع ومحاكاة للخيال بدليل أن الدّفة قد ديرت بمجرد اهتزاز مشاعر الرسام باهتزاز ريشته، فرسم الشيخ الكبير وانحناءة ظهره، ورسم المزارع صباحًا مع إشراقة كل شمس، وربة المنزل وهي تعد الطعام كما هي عادة الغرب ليلًا على قنديل من الضوء خافت، هذا كان كفيلا لظهور (المدرسة الواقعية) والتي تعنى بنقل الواقع كما هو، الأمر أشبه بعملية التصوير الفوتوغرافي، ومن أبرز روادها (كوربيه).

وتجدر الإشارة هنا أن في القرن العشرين ظهر توجه مكملٌ لما بدأته هذه المدرسة في خوض غمار التحدي في التصوير الفوتوغرافي ونقل الصورة بتفاصيل دقيقة جدًا توجب عليك الاقتناع بأن ريشةَ رسامٍ واحدٍ لم تكن لتدخل عالمَ تلك المدرسةِ فكان لزامًا علينا أنْ تظهر ( المدرسة الواقعية المفرطة)!

آثر استيفن على نفسه العزلةَ في كوخهِ القديم وهجر الناس جميعًا، وبينما هو صامتٌ كعادته متأملٌ لما تراه عيناه، خطرت في باله فكرة أن يُعيد رسم هذه الجمادات والكائنات غير الحية! وأن يبثّ فيها روح الألوان من جديد، فظهر توجه آخر وهو ما يعرف ( الطبيعة الصامتة أو still life ) ويعنى هذا النوع برسم الكائنات والجمادات في غير مكانها، مراعيًا الضوء والظل والتكوين الفني، كأن توضع سلال الفاكهة على طاولة قرب ورد في زجاجة وغيرها من صور التأمل، والناظر في نتائج البحث عن هذا التوجه سيرى جمالًا في هذا الفن لم يسبق له أن تكرر في غيره.

ولكن حينما ضاق المكان به، قرر استفين الخروج إلى الطبيعة حينها اختلف عنده كل شيء واضطربت عنده الموازين والأفكار! ماذا يحدث؟ مروجٌ وغيومٌ وأشجارٌ وأنهارٌ وتلالٌ وجبالٌ وشروقٌ للىشمس وغروبٌ لها و وبزوغٌ للقمر واختافاءٌ له! الأمر الذي غير نظرة استفين للأشياء من حوله، فكان حقًا عليه تصوير ما رأى، فأتى في اليوم الثاني متحمسًا لكي يرسم غروب الشّمس فهيأ لوحة الرسم وضبط أبعاد العمل وبدأ يخلط الألوان فاذا بالشمس قد أفلت! وذهبت ألسنتها الذهبية التي تكونهنّ أشعتها، فجاء باليوم التالي ووجد أن المنظر قد اختلف تكوينه بالكامل! ما الحل؟ فقرر رسم انطباعه الأول عن الغروب بأسرع وقت ومن خلال ضربات لونية إبداعية سريعة، فظهرت (المدرسة الانطباعية) والتي تعني رسم الانطباع الأول عن الشيء من خلال الألوان بشكل علمي لأطياف الضوء وضربات الفرشاة والابتعاد عن الزيف والبعد الثالث في العمل والاكتفاء بإحساس الفنان الداخلي من خلال تفاعله مع الطبيعة وتحليل منظومتها، ونجد ذلك حاضرًا في لوحات الفنان فان كوخ ومونيه.

وبعد ظهور التكنلوجيا التي وضعت استيفن ورفاقه في مأزق كبير، حيث إن الكاميرا تفوقت على كل محاولات الرسامين ونتاجهم الفني، فما السبيل للخروج من هذه الإشكالية؟، سؤالٌ ستجد إجابته في هذه الحادثة، فبعد لقاء استفين بصديقه الدكتور النفسي الذي أمهله فترة من الوقت لقراءة دفتر أعطاه إياه، كان ذلك الدفتر يتحدث عن حالات بعض المرضى وأحلامهم والكوابيس التي يرونها في المنام، فقدحت في رأس استفين فكرة أن يجسد هذه الكوابيس في لوحاته المتخمة متناسيًا حقيقة الأشياء ومضموناتها، فظهرت المدرسة السريالية والتي تعنى بتصوير الأحلام والكوابيس واللامنطق واللاواقع ، وأجمل ما قيل فيها «أن ترسم وأنت نائم»!

فالمتأمل في نتاج هذه المدرسة يجد ما ذُكر أعلاه حاضرًا وبقوة من لوحات خارقة للواقع بحيث يصعب للكاميرا أن تصل إليها، كأن تكون الشمس قريبة جدًا أو ساعة يذوب جزء منها ونحوه من تلك الأخيلة التي أباحت للرسام طريقًا غير ذلك الذي أماتته الكاميرا الواقعية، ومن أهم رواد المدرسة السيريالية الفنان سلفادور دالي.

ثم بدا لاستفين رأيٌ آخر! إذ تأمل الشمس مرة أخرى: فقال: لا! إن كل شيء في الوجود ما هو إلا شكلٌ هندسي! فالشمس دائرة والقمر دائرة، والوجوه منها البيضوي ومنها الدائري والأنف المدبب، والعين المعينية، فظهرت (المدرسة التكعيبية) التي تتخذ من الأشكال الهندسية عكازًا تستند عليها في بناء تفاصيل اللوحة، فصار الفن هنا هنسيًا بامتياز، من أهم مؤسسيها بابلو بيكاسو.

فتبتبسيط هذه الأشكال واختزالها وإخفاء معالم اللوحة بالاعتماد على الخطوط والضربات اللونية وترك اللوحة من غير مدلول واضح المعالم، ظهرت (المدرسة التجريدية) والتي تتسم بالجدية ومن أهم روادها فاسيلي كاندينسكي وبيت موندريان.

ومع تسارع الأيام وتسارع ظهور التكنولوجيا بدا لاستفين أن يفكر في المستقبل! وكيف سيكون الفن ومدارسه وما هي عوالمه، فأنشأ المدرسة المستقبلية! والتي دعت الى رفض الماضي ومقاومته والانفصال عنه، ومعالجة المستقبل وكان ذلك واضحًا من خلال لوحاتهم التي ركزت على سرعة الضوء وحركة الأجسام، بحيث رسموا الخيل الواحدة بأرجل عديدة دلالة عن سرعة انتقالاته! ومن أهم مؤسسيها (فيليبو توماسو مارينيتي).

وخلاصة القول أن المدارس وإن تعددت، ما هي إلا طريقٌ يعبُرُه الفنان ليصل إلى غايته، مظهرًا ما يريده عن طريقه، وراسمًا مشاعره من خلاله لتكون أعماله لتكون شاهدًا من شواهد تلك الحقيبة التي عاشها الفنان وتؤرخ لأجيال أخرى وتمهد لهم الطريق كي تستمر عجلة الفن التي أسسها الكبار من جيل إلى جيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد