يعد تاريخ الفن الحديث مجموعة من اللحظات التي عاد فيها الرسامون إلى استخدام مجموعة من التقنيات الفنية التي عدها الكثير من النقاد والعلماء، أمثال عالم الآثار جورج ناش، أنها تعود إلى ما قبل التاريخ أو العصر الحجري، وهذا بهدف دفع الفن نحو الأمام، وإلى مناطق جديدة.

من الواضح عبر المقارنة أن الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي دفعت الفنانين إلى النحت والرسم في العصر الحديث، تتشابه مع تلك التي دفعت البشر للنقش والرسم على الصخور فيما قبل التاريخ.

بدأت حركات الفن الحديث منذ بدايات القرن العشرين تهتم أكثر بالتعبير الحر في اللوحات، مما أدى إلى ظهور حركات فنية متتالية والتي قدمت صورة واضحة عن الحالة التائهة للإنسان الحديث، فعالم الحداثة حتى وإن شهد تراجع الميتافيزيقيا لحساب نظريات علمية حديثة، فقد انقضى ممهدًا الطريق لظهور ما بعد الحداثة.

وأهم ما جمع الفن في المرحلتين ما قبل التاريخ وما بعد الحداثة، هو حالة الفوضى التي عاش فيها إنسان كلا العصرين من حيث البحث عن معنى للعالم، والمحاولات المستميتة في الوصول لإله في خضم معارك يومية حامية كان الهدف فيها من أجل البقاء.

الصراع الذي قدمه الإنسان من أجل الاستمرار والبقاء في ظروف طبيعية وبيئية شديدة القسوة لا يختلف كثيرًا عن الإنسان الحديث، الذي بدوره يصارع باحثًا عن معنى يبرر وجوده الذاتي.

يعد بابلو بيكاسو مثالًا عن رواد الفن الحديث الذي لجأ في العديد من رسوماته التعبيرية عن مصارعة الثيران على أسلوب فن الكهوف، بحيث أنه لطالما اعتقد أن هذا الأسلوب المجازي أكثر قدرة وبلاغة في التعبير عن التعقيدات الرمزية لأي عمل فني.

أهتم التكعيبيون برسم الأشخاص والأشياء في هيئة أشكال هندسية، معتقدين أن هذا يعبر بشكل روحي عميق عن طبيعة النفس البشرية، وهذا راجع بشكل واضح لتأثرهم بالفنون الأفريقية ما قبل التاريخ والتي كان معظمها عبارة عن أشكال بسيطة على سطح ثنائي الأبعاد.

الفنون ما قبل التاريخ قدمت الكثير من المعاني والقيم للفن الحديث، ويمكن القول إن تلك الحركات وجدت في البساطة المفرطة التي استخدمها الإنسان البدائي في التعبير وسيلة ترتقي لكي تعبر عن إرهاصات القرن العشرين المعقدة.

كان إنسان العصر الحجري مثلًا الإنسان في العصر الحديث في حاجة صارخة للجمال أو المتعة البصرية، وأراد أن يزين مسكنه فنقش ورسم على جدران الكهوف صورًا تروي طبيعة الشعائر الدينية وطقوس الصيد وأشكال الفرائس.

تعد الرسوم ما قبل التاريخ ذات طبيعة رمزية، لذلك كانت نسخ كفوف الأيدي نفسها شائعة جدًّا، وكانت الألوان المستخدمة في تلك الفترة عبارة عن حمراء وصفراء من المنجنيز أو الكربون الأسود، وقد تم تطبيقها باستخدام أصابع اليد.

يعد الفن في العصر الحجري الإنجازات الأولى في الإبداع البشري، وأن أكثر ما يميز تلك الرسوم التي يطلق عليها فن ما قبل التاريخ أنها كانت ترسم بشكل تجريدي بعيدًا عن الواقعية.

الإنسان في العصر الحجري لجأ إلى توظيف الخطوط البسيطة لرسم مجموعة من الصور والقصص التي أراد أن يضعها على جدران الكهوف، فالسمة الأساسية لفن ما قبل التاريخ هي عفوية تصوير العناصر المرصودة، فتلك الفترة وللمرة الأولى بدأوا في إنتاج أعمال تصويرية دائمة للتعبير عن ذواتهم بلا أي غرض آخر يخدم رغبتهم في البقاء.

كان جزء ضخم من التشكيل في الفن الحديث عبارة عن مجموعة من الأعمال التعبيرية والعفوية بحيث كانت الألوان تميل إلى البساطة المفرطة في التعبير عن المشاعر والعواطف بأسلوب ذاتي دون التقيد بأي واقعية، وهذا ما نجده بكل وضوح في الكثير من الإنتاجات الخاصة بالحركات الفنية مثل التعبيرية التجريدية والتكعيبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد