إن ما تمر به الجزائر سياسيًا هذه المرة وتحديدًا في الأونة الأخيرة جعلها محل سخرية وهوان وتقليل شأن وتهوين شخص المواطن الجزائري أينما حل، وهذه الظاهرة لم يكن لها أن تكون لولا تردي حال البلاد وطول عمر الأزمة السياسية في البلاد  إذ إن المتعارف عليه في عالم السياسة أثناء الأزمات السياسية هو المسارعة في الإبقاء على مؤسسات الدولة والمحافظة على سيادة البلد ومحاولة عدم زعزعة كل ما يربطك بالعالم الآخر علاقاتيًا ودبلوماسيًا وتجاريًا، غير أن ما تشهده البلاد الآن أزمة وضعها في الداخل والخارج بحيث أصبح سلاح الحراك الذي تبناه الجزائريون يوم 22 فبراير (شباط) وهو سلمية المظاهرات أصبح نقطة ضعف في الوقت نفسه بحيث إن تكلمنا مطولًا عن السلمية ونجاح تأطير الحراك لأزيد من سبعة أشهر، فمن البديهي أن نكون قد ضبطنا عقارب ساعاتنا من وضوح رؤية وتزكية شخصيات وتقديم برامج والعمل على تجسيد آليات لجزائر بروية جديدة.

أما الواقع فرض أشياء أخرى يمكن أن نسميها بشتات داخلي بين كل الصفوف لم يسمح بتوحيد الجهود حتى لا نقول الرؤية لأن الرؤية واضحة غير أن الأدوات التي ستخدم هذه الرؤية تختلف من شخص لآخر ومن هيئة لأخرى ومن حزب لآخر لذلك كانت المحصلة من نتاج ما قدمناه.

فنحن اليوم نعجز عن رد اعتبار لجزائريين غلق في وجههم معبر أم الطبول بتونس لأسباب مجهولة ونعجز في الوقت نفسه عن رد الاعتبار لدول أوقفت العمل بشكل نهائي لتأشيراتها السياحية عن مواطنينا، وكانت البداية من تركيا وقبلها بيلاروسيا، ثم تلتهم جورجيا وجمهورية التشيك والغريب في الأمر تأتي هذه القرارات دون مبرارات، وهذا الأمر يدفعنا لطرح تساؤلات عدة ماذا يحدث في سفارات الدول من قرارات في بلادنا، وماذا تنتظر السفارات لدراسة ملفات التأشيرة لطالبيها لأزيد من ستة أشهر، ولما تعطى أوراق لرفض التأشيرة من نفس الأسباب تقريبًا لكل الأشخاص، ولما ترفض طلبات تأشيرات دراسية لفرنسا وكندا، رغم توفر كل أساب الذهاب والدراسة، ثم العودة، بل وصل الأمر لذروته عندما تستدعي هيئات دولية ومنظمات عالمية أشخاص وجمعيات من أجل مؤتمرات وندوات وفعاليات يتشارك فيها القريب والبعيد هنا تحديدًا تقابل هذه الطلبات بالرفض.

 وكذلك تصدر الجزائر المراتب الأولى عالميًا في نسبة رفض التأشيرة لأغلب دول العالم ككندا، وفرنسا، وإيطاليا، والبرتغال، والصين، وهولندا، وكل هذا الاحتقان في الداخل انتقل للخارج بحيث يشكو الكثير من الجزائريين الحقراء في المطارات الأوروبية والدولية من سوء المعاملة والاستقبال، وحتى أحيانًا إعادتهم من المطار لبلدهم.

كل هذا الأمر لم يحرك السلطات الجزائرية ولو لرد الاعتبار وهذه هي الحقيقة المطلقة والمؤسفة من يحاور من ومن يستقبل من ومن يمثل إرادة شعب ومن يعبر عن سيادة وطن، طبعًا هنا فقط يمكننا أن تعتبر أن صورة البلد هي ما يحدث في ذاك البلد، ولما كانت الجزائر عبر التاريخ تمر بضعف وقوة كانت دبلوماسيتها دائمًا هي الأقوى والمعبرة عن عظمة هذه الأمة النوفمبرية، ولم تتهاو بها الظروف التي مرت بها من قبل رغم قساوتها إلى ما صارت عليها اليوم بحيث صرنا نفتقد بصمة عرفت بدبلوماسية المعاملة بالمثل.

إن عدم الإسراع في الخروج من هذا الانسداد السياسي قد يزيد في حجم الهوة بين ما هو مطلوب منك كي تنهض وما هو منتظر منك لكي تسقط، لذا بات فعليًا وإلزامًا المسارعة في فهم متطلبات اليوم ومستحقات الغد ومستلزمات المستقبل حتى نضمن انتقالًا سلسًا لديمقراطية وحدوية لا شعبوية أو عرقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد