المحلل السياسي أو الخبير في الشؤون كذا وكذا.. في المغرب ليست مهنة ولا حرفة، وليست لها أي شهادات جامعية يمكن الحصول عليها من إحدى الكليات، وإنما هو لقب أصبحت تطلقه وسائل الإعلام على بعض الأساتذة الجامعيين، وخاصة التلفزيون والجرائد الإلكترونية؛ وذلك لكي تعطي مصداقية لما تكتبه هذه الجرائد، هذه الظاهرة لم يعرفها المغرب على مر السنين وفي أوج عز السياسة والعمل النضالي، فالقنوات كانت تستضيف السياسيين الكبار وقادة الأحزاب ليعلقوا على أحداث وطنية أو دولية، وخصوصًا القضية الوطنية الأولى، أما اليوم فأصبحنا نرى كثرة الخبراء الاستراتيجيين والمحللين السياسيين الذين أصبحوا يطبلون لكل شيء، فتجدهم يقولون الشيء ونقيضه على قنواتنا الثلاث تيمنًا بما تقدم القنوات المشرقية من جزيرة وعربية وأخرى مصرية.

نعلم جميعًا أن لكل مهنة كلية يتخرج منها الطالب بعد سنوات من التحصيل العلمي والتدريب الميداني، فالطبيب يتخرج من كلية الطب، والمهندس يتخرج من إحدى المدارس العليا المتخصصة في الهندسة والمحامي من كلية الحقوق و… أما الخبير الاستراتيجي لحدود الساعة فلا نعرف أية كلية تتم فيها الدراسة للحصول على شهادة تخول لصاحبها ممارسة مهنة خبير أو محلل سياسي.

من أجل الوصول إلى مبتغاك عليك، أولًا أن تنشا صفحة فيسبوكية، واجعل منها نبراسًا للجميع، وانشر فيها أخبار البرلمان وأخبار السياسيين، وانتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية في البلد، وهاجم السياسيين وزعماء الأحزاب، ولا تتراجع إلى الوراء، فحتمًا سيتصلون بك، ويحاولون توضيح الأمور التي تناقشها علنًا، خذ مع كل زعيم صورة وضعها على صفحتك في الفسبوك، وارفقها بتعليق – صورة مع الصديق فلان الفلاني زعيم الحزب إكس – ووضح في تعليقاتك وكتاباتك أنك شخص أكاديمي محايد ابحث فورًا عن صديق يكون له ارتباط مع أحد الأحزاب، وخاصة التي تكون فارغة من الأطر والمثقفين واقترح أن تؤطر إحدى العروض السياسية داخل المقر الحزبي واختر العنوان بنفسك ودائمًا أي موضوع يكون عنوانه الواقع والآفاق، وعندما تتحدث تحدث بعمق ولا تتكلم مثل العامة؛ لأنك مختلف، وأنت تستعمل أساليب جديدة ومصطلحات قوية وتستشهد بمفكرين كبار، واستعمل مصادر أجنبية جرائد إسبانية وفرنسية لتثب مدى اطلاعك على الثقافة الغربية، وخلال مداخلتك حاول أن تلوك جملة أو جملتين بالفرنسية وترجمهما مباشرة للعربية حتى يحس جمهورك بأن لغة موليير تفلت منك دون أن تحس، اطرح نظريات المفكرين الفرنسيين والفلاسفة الألمانيين، واجعل المتلقي يحس بأنك تبدل مجهودًا جبارًا لكي تشرح لهم هاته النظريات المعقدة، وقل على لسانهم ما تشاء فلا أحد يعرف عنهم شيئًا ولا أحد سيبحث فيما تقوله بعدك.

  قل ما تشاء على لسان هؤلاء الفلاسفة والمنظرين لترعب المستمعين إليك وتشدهم بكلامك، ارو أحداثًا تاريخية، سوف يهتز الجميع بحركات برؤوسهم مؤمنين على كلامك، وسيبدو الإعجاب عليهم، ولن يتساءل أحد أبدًا إذا كان هناك مفكر بهذه الأسماء. في ختامك لمحاضرتك يجب أن يشعر مسؤولو الحزب بأنك مثقف كبير ومحلل سياسي عميق، ومن النوع الذي لا يشق له غبار، وبأنهم سعداء الحظ لأنك قبلت أن تعطيهم جزءًا من وقتك الثمين.
وبعد نهاية اللقاء ستنشر تغطية صحفية في جريدة الحزب وستنشر صورة متوسطًا زعيم الحزب ومساعديه، واعط لأحد أصدقائك صور اللقاء لنشرها على الفيس، ولا تنشرها أنت شخصيًا، وإياك أن تنشر موضوع المحاضرة كاملًا؛ لأن هناك أعداء النجاح سيكونون لك بالمرصاد.

بعد هذه المحاضرة ستتلقى دعوات من أحزاب أخرى تعذر بضيق الوقت وأنك مشغول بالبحث العلمي والتفكير الاستراتيجي، لكن لا ترفض الدعوة اقبلها على مضض نظرًا لمزاحمة أجندتك الخاصة.

دور الخبير الاستراتيجي الأساسي هو كشف المؤامرات. اكشف في كل ندوة أو محاضرة مؤامرة جديدة، وستجد تشجيعًا حارًا من الجميع. قل ما تشاء ولا تقلق فلن يسألك أحد عن مصادرك أبدًا. تحدث عن تقارير دولية عن تقارير البنك الدولي عن تقارير منظمة الصحة وعن…

تحدث عن تقارير حقوق الإنسان، وقل إن المغرب أصبح يسير على طريق الديمقراطية الحقة، وأن عهد التعذيب قد ولى، وأن المغرب قطع أشواطًا في مجال حقوق الإنسان، وأن تجربة الإنصاف والمصالحة أصبحت يحتذي بها على مستوى العالم بعدها صب جام غضبك على المعارضين وعلى الحركات الاحتجاجية، وحاول قدر المستطاع تبخيسها، وامدح دور الدولة فيما تقوم به من أجل الفقراء والمعوزين.

من هنا ستكون انطلاقتك نحو التلفزيون باعتبارك محللًا سياسيًا.

لابد أنك ستحل ضيفًا في إحدى النشرات البئيسة، وعليك أن ترتدي أفخم لباس بربطة عنق حتى تعطي انطباعًا للمشاهد بأنك شخص محترم. كن حريصًا لأنك ستسأل عن الوضعية السياسية في البلاد افتتح كلامك بالحديث عن الدستور الجديد والمكتسبات التي حققها المغرب بفضل هذا الدستور، كن مبدعًا في مدح هذا الدستور؛ لأن هناك محللين آخرين يتنافسون في مدح الدستور الجديد، احفظ عن ظهر قلب فصولًا منه؛ لتستشهد بها.

تحدث عن آخر التطورات السياسية في المغرب تحدث عن الانتخابات، ولا تنسى الفساد لأن الجميع يعرف الحديث عنه، ولا أحد يستطيع مواجهة أبرز الآليات الفعالة لمحاربة الفساد، ولا تشخصن المفسدين، كن فنانًا في تفكيك منظومة الفساد شفويًا، أعط مقترحات وإن كانت خيالية؛ فلا أحد سيأخذ كلامك بمحمل الجد، قل ما شئت، قل الشيء ونقيضه؛ فلا أحد سيهتم، فقط أعداء النجاح هم من سيهاجمونك، لا تكترث بهم، واصل عملك.

هكذا سوف تصبح محللًا سياسيًا، وستتعاقد معك القناة الأولى والثانية، وستكون ضيفًا في جميع النشرات الصباحية والمسائية، ولم لا؟ فحتى النشرة الجوية، وكل هذا سيفتح أمامك آفاقًا جديدة، إذ ستتصل بك قنوات فضائية أجنبية وستدعوك إلى استديو هاتها، وبعدها ستوجه لك الدعوة من طرف الحكومة لتشارك في الحوارات حول مواضيع مختلفة، والموائد المستديرة حول المجتمع المدني. افهم أولا ما تريده الدولة، وأيده بحماس وكذب حجج المعترضين عليها جميعًا. وإن كنت تدرس في إحدى الجامعات البعيدة عن العاصمة، فسيتكفلون هم بتخصيص منصب مالي لك في جامعات العاصمة أو القريبة منها، وسيكون جدول حصصك خفيفًا ليس كباقي زملائك، النهاية ستتأتى يومًا ما بتعيينك في البرلمان أو الحكومة في منصب خبير براتب سمين يفوق راتبك الشهري بكثير، وأنت أستاد جامعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!