صرح دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الحالي، أثناء ترشيحه للانتخابات الأمريكية ضمن الحزب الجمهوري، أنه في حال تسلمه زمام الحكم سيقوم بتمزيق هذه الاتفاقية النووية الإيرانية التي جرت سنة 2015 بمشاركة عدة قوى عالمية، ومن بينها حلفاء واشنطن الأوربيون بريطانيا وفرنسا، بالإضافة إلى ألمانيا وروسيا والصين، وبعد فوزه ووصوله إلى سدة الحكم ترجم ترامب كلامه بأفعال؛ إذ أصدر مرسومًا يقضي بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران بالبيت الأبيض في واشنطن يوم الثامن من مايو (أيار) 2018، ودعوة إيران إلى تعديل برنامجها، وفرض عدة قيود عليه، لكن أعرب الكثير من الباحثين الأمريكين عن رأيهم بفشل ترامب وسياسته هذه ضد الإيرانيين، كما فشل الرئيس باراك أوباما سابقًا؛ لأن التجارب التي تجريها إيران لا تتعارض مع الاتفاق النووي وقرار مجلس الأمن الذي أجاز هذه التجارب بشرط ألا تكون الصواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، وهو ما التزمت به إيران، وليس هنالك اي دليل على نقضها للاتفاق، علاوة على أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تؤكد أن طهران ملتزمة بالاتفاق النووي، وبرنامجها لا يشكل خرقًا له.

لقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات جمة، استهدفت اقتصاد إيران تحديدًا بمنعها وتحجيم دورها في تصدير النفط الذي قابله رد قوي من إيران بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وعرقلة شحنات النفط المصدرة إلى دول العالم، في 4 أغسطس (آب) قامت الولايات المتحدة الأمريكية بفرض عقوبات شديدة على إيران، التي سرعان ما دخلت حيز التنفيذ، إذ تمثلت هذه العقوبات بفرض الحظر على مشتريات إيران من الدولار الأمريكي والتحويلات الرئيسية للريال الإيراني أو حسابات مصرفية خارج إيران، وتجارة الذهب والمعادن والفحم والبرمجيات الصناعية والسيارات. إذ لا تملك الولايات المتحدة شركات عمل في إيران الدولة المعادية للولايات المتحدة منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، لذلك فإن تأثير أي عقوبات يعتمد على منع الشركات الأوروبية من إقامة أعمال هناك.

صرح الرئيس الإيراني حسن روحاني لوسائل الإعلام قبل ساعات من فرض العقوبات على إيران بأنه لا جدوى من التفاوض مع الولايات المتحدة في ظل الحظر القائم، مع تأكيد الإيرانيين أنهم لا يزالون يؤمنون بالدبلوماسية، لكنهم لا يثقون بمصداقية المفاوضات مع الولايات المتحدة في ظل فرض الحظر ومحاصرتهم وإقفال جميع الطرق عليهم.

ماذا عن دول الخليج العربي؟

ستؤثر هذه القرارات في دول الخليج العربي، وخاصة حينما هددت إيران بغلق مضيق هرمز، ومنع السفن البحرية من العبور في حال حاولت واشنطن وقف صادرات النفط الإيرانية، ومضيق هرمز هو مضيق مائي بين إيران وعمان يبلغ عرضه 50 كيلومترًا، ويعد عاملًا أساسيًّا للحياة لدول الخليج، إذ يمر من خلاله ثلث إنتاج النفط العالمي، ويعتبر هذا المضيق المنفذ البحري الوحيد لدول عدة، ويأتي معظم النفط من السعودية والإمارات والكويت والعراق، كما يعبر معظم إنتاج قطر من الغاز المسال من خلال المضيق. أعرب الكثير من الباحثين الاستراتيجيين العراقيين عن أن هذه العقوبات ستؤثر في صادرات النفط العراقية التي تصدر مليوني برميل يوميًّا عبر مضيق هرمز، ما يعني أن إغلاقه يهدد اقتصاد العراق، خاصة وأنه يعتمد على النفط بشكل كلي في تمويل ميزانيته المالية. نشرت صحيفة رويترز الأمريكية تصريحًا بأن أسعار النفط سترتفع في حال إقدام إيران على هذه الخطوة، لكن استبعد الكثيرون إقدام إيران على هذه الخطوة، ووصفوها بورقة ضغط للرد على التهديدات الأمريكية.

كيف كانت ردود الفعل الأوروبية؟

لقد عارض الأوروبيون هذا القرار، ووصفوه بالقرار المتسرع؛ لأن هذا القرار سيُسبب خسارة اقتصادية لدول أخرى، وأتى الموقف الروسي غاضبًا من الولايات المتحدة من هذا القرار، مع تأكيد التزامهم بالاتفاق النووي مع إيران ما دامت إيران ملتزمة بالاتفاق النووي، ولا تشكل أي خطورة عليه. وأتى موقف دول الاتحاد الأوروبي مشابهًا بعض الشيء لموقف روسيا؛ إذ صرح كل من وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا أنهم ماضون لحد الآن في الاتفاق النووي مع إيران، وخصوصًا أن الولايات المتحدة ليس لديها الحق في فرض عقوبات على الشركات الأوروبية حسب قانون 1996، الذي أنشئ لفك الحظر المفروض على كوبا، لكن لحد الآن لم يدخل حيز التنفيذ، وكان يجب تعديله لكي ينطبق على إيران.

أكد الرئيس روحاني التزامه بالاتفاق النووي ودعا الدول الأوروبية لتوطيد علاقات الأمن والسلام بين العالم، وقال سنبقى ملتزمين بهذا الاتفاق حتى نضمن مصالحنا ونحقق أهدافنا، ودعا الدول الأوروبية لعمل خطة عمل مشتركة لضمان بقاء الاتفاق.

لكن مع كل هذا استجابت عدد من الشركات الأوروبية للعقوبات التي فرضها ترامب، ومنها شركة توتل النفطية الفرنسية التي أوقفت أعمالها نهائيًّا في الأيام القليلة الماضية، وشركتا رينو و«بي. إس. إيه.» لصناعة السيارات، وصرحت شركة دايملر الألمانية لصناعة السيارات والشاحنات بأنها أوقفت أعمالها في إيران تضامنًا مع العقوبات الأمريكية التي فرضت وأنها ستحدد سياستها وفقًا التطورات التي ستحدث في المستقبل. هذه السياسة الاقتصادية الأوروبية تثبت عدم مغامرة الدول الأوروبية بخسارة حليف قوي مثل الولايات المتحدة، الذي كان ولا يزال الدرع الخفي الحامي للاتحاد الأوروبي منذ نشأته في الخمسينيات من القرن العشرين في إطار النظام الدولي. وأنها ستفضل السوق الأمريكية على السوق الإيرانية، لكن مع كل هذا ستسعى وتجتهد وتحاول الدول الأوروبية حماية شركاتها في إيران، وإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لإعفاء شركاتها من هذه العقوبات.

نشر ترامب تغريدة على حسابه في تويتر بأن هذه العقوبات هي الأشد على الإطلاق إذ ستصل في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) إلى مستوى أعلى، والتي سيتم تطبيقها بعد 180 يومًا من فرض عقوبات 4 أغسطس المتمثلة في إعادة العقوبات على السفن الإيرانية وأسطولها، وحظر شراء النفط من شركات النفط الوطنية الإيرانية، وعودة العقوبات المتعلقة بالمعاملات الأجنبية مع البنك المركزي الإيراني، وقطاع الطاقة الإيراني، وبناءً على ذلك ستتزايد معدلات التضخم بسبب انهيار الريال الناجم عن العقوبات على الدولار الذي بدوره سيولد ظاهرة البطالة للكثير من العاملين والموظفين الإيرانيين.

في الحقيقة إن هذا الصراع الذي أججه الرئيس الأمريكي ما هو إلا بداية لسياسية ترامب الواقعية الهجومية، المتمثلة بالقوة والسيطرة على زمام الأمور في النظام الدولي الحالي، الذي سيجبر الإيرانيين على الجلوس على طاولة المفاوضات التي هي الأداة الرئيسية التي لا غنى عنها لإدارة العلاقات الدولية لتسوية الصراعات بين الدول وإحلال السلام، بدلًا من انتهاج أسلوب الحرب والعداء التي لا تفضله إيران مع أنها تملك أسطولًا لا يستهان به، لكن بالمقارنة مع قدرات وأسطول الولايات المتحدة إيران ستفكر جيدًا قبل أن تقدم على مثل هكذا أفعال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد