احتفلت الشّغِّيلة العربية قبل أيام بعيدها الذي بات سُنّة عمالية عالمية، هدفها الأساسي التذكير بنضالات العمال لكسب الاحترام لإنسانيتهم أولا ولمجهوداتهم ثانيًا، واستحضار واقع الصّراع الظاهر الذي تعرفه البشرية منذ زمن بعيد بين مُلّاك الاستثمارات واليد المنتجة، وترميم التّعايش المفروض بين حاجة هؤلاء لموارد عيش وتطلع الأوائل لتحصيل الأرباح، وخصوصًا التذكير بأن هذه المواجهة طويلة العمر ما زالت بعيدة عن نهايتها ما دام النموذج الاقتصادي الإنساني الحالي قائمًا على نفس الفكر والصّيغة. وبالنظر لقداسة هذا الموعد في الدول التي تفرض للعمال اعتبارًا عبر قوانين عمل صارمة، تضمن لهم من الحقوق ما يجعل التعايش الاقتصادي ممكننًا، فإن تأمل واقع الحال بالنسبة للعامل العربي أو من توافرت له حظوظ ولوج هذه الفئة بات ملحًا كأقلّ هدية له في عيده الذي نشاطره جميعًا عطلة الاحتفال به على الأقل.

الطبقة العاملة العربية تكاد تكون غير ثابتة باعتبار اختلافات تعريفاتها. فإذا اعتبرنا العمل القار المدر للحد الأدنى من الأجور والمصرح به تمامًا لصناديق التأمين والتقاعد، فربما تفقد هذه الشريحة موقعها الطبيعي كغالبية أمام اتساع رقعة البطالة والعمل الموسمي التي تخفيها الإحصائيات الرسمية بشكل متواصل. والحديث هنا عن واقع عربي للعمال لا يعني طبعًا البلدان العربية التي تفتح أسواق عمالها للوافدين، بل ينحصر بالخصوص في الدول العربية متوسطة وضعيفة الدخل، المصدرة للهجرة والتي يشكل التشغيل المحلي أحد تحديات حكوماتها الدائمة.

ولنركز أولًا فيمن حالفهم الحظ في دخول طبقة العمال. هؤلاء وبالخصوص منهم أهل القطاع الخاص يعيشون خارج السياق العالمي لتعايش العمال والملاك. فسوق العمالة العربية معروفة برخص تكلفتها وبساطة قوانين حماية العمال، وهو ما يفسر الاستثمارات الخارجية في كثير من البلدان العربية فيما يخص اقتصاد الخدمات والصناعات الاستهلاكية والتركيبة. كما أن الكثير من المقاولات في المنطقة العربية لا تزال قائمة على التشغيل الموسمي بما يحرم عمالها من وضعية مستقرة هي ركيزة نفسية لتحسين جودة الإنتاج.

الدول العربية لم تبدل أي مجهود يروم تأطير الأعمال الحرة والموسمية من قبيل احتضانها في أنظمة تقاعد متحركة، وشملها في نظام اجتماعي عمومي يغطي على الأقل سلامتها الصحية ويساعد في مواجهة حالات فقدان العمل خصوصًا في السن المتأخر. كما تهمل بشكل مخيف حقوق العمال في التكوين، وتتجاهل تدابير مرافقة فاقدي العمل في التأقلم مع متطلبات سوق العمل. كل ما سبق لا يخوض في إشكالية تحديد المفهوم الحقيقي للعمل، والتقييم المعقول للحدود الدنيوية للأجور. كما لا يتناول الشق الضريبي الذي يُعامل في الغالب كل الأجور بنفس المنطق ونفس النسب في غياب لأنظمة ضريبية تتخد من حجم الدخل أساسًا لتحديد حجمها.

كما يجدر القول أن من أول المسؤولين عن وضع العامل العربي، شكل العمل النقابي الذي لم يسلم من عبث السياسة فيما يخصّ الولاءات، بل إن فشل الحوارات الاجتماعية مع الحكومات يعود بالأساس لجمود المخاطب خصوصًا في الدول التي لا تعرف نقاباتها حركية حقيقية، وقد تمتهن قياداتها التي يندر تغييرها، مخاطبة الدولة والمقاولات بلسان مصالح شخصية ضيّقة آخر مضامينها مصلحة العمال. وتمامًا كالممارسة السياسية التي لا تستقل عنها النقابات العربية، فالعمل النقابي يحتاج ثورة حقيقية تعيد له نبل أهدافه وقوة أدائه.

العالم على مشارف ثورة الذكاء الصناعي التي ستفقد الملايين أعمالهم، في الوقت الذي لا يزال العامل العربي يخوض حربه الأولية لكسب الاحترام من لدن رأس المال. وفي الوقت الذي تتدارس فيه دول كثيرة إشكاليات تحقيق الذات عبر العمل وشكله، وتفّكر في رواتب مواطنة أوّل أهدافها منح المواطن القدرة على تحقيق طموحاته العمليّة دون الخوف من فقدان دخول مستلزمات الحياة الأساسية، لا زلنا نحن نتفادى تناول شكل سوق العمل وقوانينه بكل جرأة وإرادة لضمان كرامة مواطنينا، التي وحدها تبني الاستقرار، وتمنح الأوطان شرعية مكانها في القلوب.

عيد عمّال سعيد لكلّ العمّال العرب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد