يرحل عن عالمنا أشخاص نحمل لهم في قلوبنا حبنا واحتراما وتقديرا، لكنهم يظلون دوما معنا من خلال كتاباتهم التي تحتوي على قيم ومثل عليا وتجارب حياتية ثمينة ورؤى مستقبلية ونصائح وإرشادات… إلخ.

والأجمل في ذلك أن بعضهم يظل باقيا معنا بكتاباتهم وأرواحهم التي ترفرف بين جنبات صدورنا وصورتهم التي لا تغيب عن أعيننا، نستخلص منهم تجارب الحياة التي عاشوها بحكم خبراتهم الكبيرة وأفقهم الواسع وضمائرهم اليقظة ونبوءاتهم الفريدة.

الروائي أحمد خالد توفيق من ضمن القلائل الذين رحلوا عنا وما زالوا بيننا، كأن الموت لم يغيبه عنا.

ولد أحمد خالد توفيق فراج في 10 من يونيو 1962ميلاديا الموافق 15 من رجب 1439 هجريا وتوفي 2 من إبريل 2018 ميلاديا عن عمر يناهز 55 عاما.

أحمد خالد توفيق حالة فريدة في حد ذاتها، فعمله كأستاذ لطب المناطق الحارة في كلية الطب جامعة طنطا، جعله يجسد في كتاباته الآلام العضوية والنفسية للناس من خلال أبطال رواياته وخصوصا في رواية «يوتوبيا» التي بينت كم أنه كانت لديه نبوءة قوية للمستقبل.

استطاع خالد توفيق بحرفية منقطعة النظير أن يتغلغل داخل النفس البشرية بأسلوب سلسل ومشوق في كتاباته عن أدب الرعب حتى لامست شغاف قلوب ملايين من الشباب الذين انهالوا على كل رواياته بنهم شديد يقرؤونها سطرا سطرا وكلمة كلمة ويستخرجون منها العبر والعظات التي ترسم لهم معالم الطريق.

وتجسد هذا الحب في مشهد وفاته، حينما جاءت مئات الآلاف من كل حدب وصوب ليشاركوا في تشييع جنازته في مسقط رأسه في محافظة طنطا في الثاني من أبريل العام الماضي.

لم يكن خالد توفيق بارعا في كتاباته الأدبية وحسب بل في مقالاته وآرائه السياسية المتزنة أيضا والتي تعكس ضميره اليقظ وإنسانيته العالية.. من يعرفه حقا يشعر بتواضعه الشديد واتزانه الجم واتساقه مع نفسه بشكل لا يمكن تصوره.

كم من كتاب كتبوا روايات عالمية تُرجمت إلى كثير من اللغات لكن عند التعامل معهم تشعر بأن المادة هي القابعة داخل نفوسهم، لكن خالد توفيق لم يفعل ذلك، بل ظلت آلام الناس ومعاناتهم هي شغله الشاغل.

ربما ممارسته لمهنة الطب كما يجب أن تكون هي التي جعلته يتحسس أوجاع الناس الظاهرة والباطنة، ولأنه كان مؤمنا بأن شفاء المريض مرتبط بشكل قوي بحالته النفسية، اهتم بالجانب النفسي للمريض من خلال كتاباته.

بدأ خالد حياته في المؤسسة العربية الحديثة في عام 1992 ككاتب رعب لسلسلة «ما وراء الطبيعة» وقدم أولى رواياته تحت اسم «أسطورة مصاص الدماء».

لكنه لاقى وقتها اعتراضات كثيرة داخل المؤسسة على الرواية من حيث الأسلوب والحبكة واللغة، وهذا حال الكثير من الكتّاب في بداية حياتهم، يواجهون صعابا جمّة وربما كانت كتاباتهم جيدة، لكنهم غير معروفين للقراء ومن ثم لا تنصف دور النشر بعضا منهم. على إثر ذلك، أُصيب خالد بإحباط شديد بعد رفض الرواية ونصحه البعض بالكتابة في الأدب البوليسي.

لكن بريق الأمل لم يمت داخله، حاول مرة أخرى بمساعدة أشخاص داخل المؤسسة، وفي النهاية تمت الموافقة على الرواية بتوقيع الدكتور نبيل فاروق، الكاتب المعروف في الأدب البوليسي والخيال العلمي، الذي قال عنه توفيق: لن أنسى لدكتور نبيل فاروق أنه كان سببًا مباشرًا في دخولي المؤسسة، وإلا فإنني كنت سأتوقف عن الكتابة بعد عام على الأكثر.

لو لم تنصف لجنة التقييم خالد في المرة الثانية لماتت كل كتاباته ولم وصلت إلى هذا الجمهور العريض، وهذا يعلمنا ألا نيأس أو نشعر بالإحباط إذا ما واجهتنا صعاب في بداية المشوار، فالإصرار والعزيمة هما دافعان قويان للنجاح.

يعتز خالد شخصيا برواية «يوتوبيا» التي صدرت في عام 2008، حيث كتب لأول مرة رواية كبيرة الحجم بها جرعة لم يعرفها قراؤه من قبل من الجنس والسياسة.

تدور أحداث الرواية عن مصر في عام 2023 عندما يعزل الأغنياء أنفسهم في الساحل الشمالي تحت حراسة جنود المارينز الأمريكيين. ينطلق الفتيان الأثرياء في رحلات لهو لصيد الفقراء خارج أسوار مدينتهم، في حين تفتقر مدن الناس الفقيرة لأبسط الخدمات حيث زادت البطالة.

هذا المشهد موجود الآن بشكل كبير وستتسع مساحته في السنوات القادمة بصورة أكبر عندما تتلاشى الطبقة المتوسطة بأكملها وتحل محلها الطبقة الفقيرة مع وجود الطبقة الغنية التي تزداد غنى، وهذا حال المجتمع الآن يعاني أشد المعاناة من ضيق الرزق وظروف صعبة.

بعد ثورة 25 يناير كتب خالد رواية «السنجة»، وهي خليط بين الفنتازيا والواقعية، ورواية «في ممر الفئران» التي استوحاها وعالجها مع اختلاف كبير من قصته «أسطورة أرض الظلام».

له العديد من المؤلفات منها «قصاصات قابلة للحرق»، «شآبيب»، «الحافة»، «إيكاروس»، «فانتازيا»، «سافاري»، سلسلة «رجفة الخوف»، وغيرها.

كان خالد يعتز جدا بأنه يكتب للشباب فهم رجال المستقبل الذين يحملون آلام وهموم وطنهم، لم يبخل عليهم في تقديم أي نصيحة لهم من خلال كتاباته والندوات التي يشارك كان فيها، ولذا تفاعل الشباب مع كتاباته لما وجدوا فيها ما يحتاجونه من أخلاقيات ورؤى ونصائح غالية.

الذي جعل خالد يشتهر بهذه الصورة أنه كان صادقا فيما يكتب ومؤمنا بما تسطره يداه، ولذا سيبقى في وجدان هؤلاء الشباب الذين سيصبحون يوما ما عمادا لأوطانهم وسينقلون لأولادهم تجربتهم التي استخلصوها من خلال روايات خالد توفيق، لقد نجح خالد في استقطاب هذا القطاع العريض من الشباب الذي يكن له كل الاحترام والتقدير.

بعد موته نعاه الروائي الكبير علاء الأسواني وقال: رحم الله الأديب الموهوب الدكتور أحمد خالد توفيق وأسكنه فسيح جناته. كان عرابا للشباب وجزءًا من وجدانهم وإيمانهم بالحرية والعدالة الاجتماعية. غاب عنا بجسده ولكن فكره وقيمه الإنسانية التي تجسدت في ثورتنا النبيلة سيبقيان قدوة لنا ومنارة نهتدى بها.

من كلمات خالد توفيق الملهمة:

الثقة بالنفس كلام فارغ.. سوف يدهشك كم الأشياء التي لا تعرفها أو لا تجيدها.. المهم أن تثق بقدرتك على أن تكون أفضل.

تعريف التفاؤل؟ … إذا قال القائد لجنوده إن العملية خطرة وإنه يتوقع أن يموت 99 من مائة منهم. فإن التفاؤل يجعل كل واحد ينظر لرفاقه دامعا ويقول لنفسه: يحزنني فقد الرفاق!

غريب أمر الإنسان حقًا … إن عيوبنا ككشافات سيارة نركبها.. لا نراها نحن أبدًا بينما هي تعمي عيون الآخرين الذين يقابلوننا.. وبالمثل نحن نرى كشافاتهم- أو عيوبهم – بوضوح تام قد يدفعنا إلى مطالبتهم بتخفيضها قليلاً.

لا أطيق دموع الأنثى.. إنها غزيرة وافرة وهذا أدعى لأن تكون رخيصة.. لو صار الذهب متوفرا كالحديد لما ساوى شيئا، لكن دموع الأنثى هي الشيء الوحيد في العالم الذي تزداد قيمته كلما كثُر.. إنها تشلنا معشر الرجال وتحيرنا وتربكنا.

هذه العلامات على ابني المراهق أعرفها.. إنه شارد يمضي الساعات صامتًا.. على منضدة الطعام يعبث بالملعقة في طبق الأرز بلا رغبة وبسأم.. بعد الطعام يسند رأسه على كفيه ويتنهد.. إنه يصفر في شراهة.. إنه ينظر للنجوم.. لم يعد يركل الباب عند الدخول كعادته.. صوت فيروز لا يكف عن الصراخ في غرفته.. أعرف هذه العلامات.. وبرغم كل شيء أسعد لها.. معناها أن اللعبة مستمرة لم تتوقف … معناها أن الأرض لن تخلو من البشر.. لكن رفقًا به أيتها الهرمونات.. لا تعذبيه كثيرًا من فضلك.

هناك علاقة ما بين تخلف البلد وبين أناقة حرسه الجمهوري.. لماذا تملك الدول العربية أجمل وأروع حرس شرف رأيته في حياتي؟ حرس الشرف الإسرائيلي عملي جدا، يبدو أفراده كأنهم كانوا منشغلين في الحرب حين استدعوهم لاستقبال هذا الضيف أو ذاك!

وعن ثورة يناير يقول: الكل استغل الشباب وركبوه، قام بثورة عظيمة شجاعة ثم خرج منها ليجد نفسه مسجونا أو متهمًا بأنه رقيع، بينما نعم آخرون بالحكم والقوة، هكذا يفكر 90 في المئة من الشباب الذين أعرفهم في الهجرة، وبعضهم يشعر بمرارة قاتلة وبعضهم ازداد لا مبالاة، وأعتقد أن بعضهم صار متطرفًا بعنف، لا أعتقد أن نفسية الشباب ستعود سوية لهذا الجيل على الأقل.

رحم الله خالد وأسكنه فسيح جناته

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد